الحجرة المغلقة
عزيزي القاريء، هل لديك حجرة مغلقة لم تُفتح منذ مدة من الزمن ولم يدخلها الهواء ولا الشمس ولم تُنظّف منذ أن أغلقت. فعشّشت بداخلها العناكب والحشرات والزواحف والفئران عدا عن رائحة الرطوبة والعفن؟
لو كانت لديك هذه الحجرة، هل كنت تود لو أن شخصاً أخر يفتحها ويرى ما بداخلها وتكون أنت في حالة خزي ؟ أو أن ترغمك ظروف معينة على فتحها اضطراراً وحينها ستكون أيضاً في خجل وخزي؟ أم كنت تفضّل لو أنك أنت الذي يفتح تلك الحجرة بإرادتك بلا تحفظ ولا خوف وتُظهر ما فيها حتى تُنظّف وتصبح صالحة للسكنى مفيدة لك؟ .. بكل تأكيد أن الخيار الأخير هو الأنسب لي ولك
ما هي هذه الحجرة ولماذا أغلقت؟
هذه الحجرة التي نتحدث عنها هي ذلك المكان الذي تخصصه بداخلك لتدفن فيه أموراً حدثت في حياتك وسبّبت لك الأذى ولا تريد أن تتذكرها. مثلاً، قد تكون تجارب مررتَ بها وكان فيها خزي وكلما تتذكرها تخلق فيك شعوراً بالمرارة. أو قد تكون اساءات حدثت من الآخرين أومواقف صعبة تعرّضتَ فيها للظلم وعجزت عن الدفاع عن نفسك وخسرتَ حقوقك فيها. أو قد تكون مواقف استغلال ولم تكن قادراً على ايقافها
أضف إلى ذلك، المشاعر اللاحقة التي تملأك بالغلّ والرغبة في الانتقام والسيناريوهات المختلفة التي تجول بفكرك وقد تصل الى تمنّي الموت للذين آذوك والتخلص منهم إلى الأبد. وكلما تراكمت هذه المشاعر سواء الاولى أو اللاحقة، اعلم يقيناً أنك بذلك تجمع في داخلك كل أنواع الزواحف والقوارض والعفونة والحشرات التي إذا انتشرت وخرجت من الغرفة في ظروف غير آمنة ستدمر حجرات حياتك المجاورة وبالتالي ستدمرك بالكامل
عزيزي القاريء، في هذه المقتطفة من عظة الأب دانيال التي تتناول الشفاء من المرارة، نشارك معك عن شخصيات في الكتاب المقدس، منها التي لم تفتح الحجرة وتركت المرارة تمتلكها وتدمرها كلياً ومنها التي كانت تفتح الحجرة للرب بعد كل موقف صعب وكل اساءة وتسمح له بتنظيفها أولاً بأول فلم تتراكم بها القذورات ولا الزواحف المؤذية فكانت من أروع الشخصيات مثالاً للنجاح والمجد عبر العصور
أخيتوفل
ما قصته؟ وما هي الحجرة التي أغلقها؟
كان أخيتوفل شخصاً حكيماً جداً ولحكمته الفريدة لا مثيل، وكانت مشورته لا يفوق عليها أحد من الناس، وكان معروفاً للجميع من الدائرة القريبة والبعيدة (2 صم 16: 23). فقد باركه الله بابن بطل من أبطال جيش داود الملك (أليعام بن أخيتوفل – 2 صم 23: 34) وحفيدة جميلة المنظرجداً (بثشبع بنت أليعام – 2 صم 11: 3) وزوجها أيضاً بطل من أبطال داود الملك السبعة والثلاثين (2 صم 23: 39). وليس ذلك فقط، بل كان هو نفسه صديقاً حميماً للملك داود وكانت صداقتهما حلوة ممتعة (مزمور 55: 13 -14)
لكن لم تدم الأمور هكذا، فقد عمل الملك داود كارثة ألحقت الضرر الشديد بصديقه الحميم وبعائلته كما أضرّت بداود نفسه وعائلته والأمّة كلها لدرجة أن أعداء الرب شمتوا بهم نتيجة هذه الكارثة
ماذا فعل؟ لقد زنى مع حفيدة صديقه أخيتوفل، وتخلّص من زوجها البطل الذي كان في طريقه. واستغلًّ منصبه كملك ولم يضع أي اعتبار لصديقه الحميم أخيتوفل. وبالمقابل، تجد أخيتوفل لم يقترف كل هذه الاخطاء.. لم يزنِ ولم يستغل منصبه للتخلص من شخص آخر. لكن ما فعله كان خطيراً جداً دمّر حياته كلياً.
فقد خصّص أخيتوفل بداخله تلك الحجرة واختزن فيها كل الاساءات التي صدرت من داود، وكل غيظه وغضبه من داود وكل ما تبع من مشاعر الغلّ والمرارة وسمح لكل ما اختزن في داخله أن يتغلغل ويتجذّر حتى تملّكته المراراة بالكامل. فقرّرأن يتخلّص من داود نهائياً ويقضي عليه وبات منتظراً الفرصة المناسبة لفعل ذلك
وازداد غيظاً حين رأى الملك داود ينجو من الموت لأن الله عفى عنه ونجّاه من الموت نتيجة توبته الصادقة وخضوعه لتأديب الرب واتضاعه وانسحاقه أمام الله. ليس هذا فقط، بل رأى أيضاً أنه لا يزال لديه أتباع أمناء موالين له مستعدين أن يموتوا عوضاً عنه
وفعلاً لاحت الفرصة لأخيتوفل لينتقم من داود الذي وقع بمصيبة كبيرة عندما قام عليه أحد أبنائه ليقتله ويأخذ الحكم منه، شخص آخر تملّكته المرارة من أبيه وهوالابن أبشالوم الذي هو أيضاً أراد الانتقام من أبيه وقتله. فاستغلّ أخيتوفل الفرصة وترك صديقه وتنكّر له وانقلب عليه وانضم لعدوّه وليس هذا فقط بل أشار على أبشالوم مشورة خرجت من تلك الحجرة كانت مليئةً بالغلّ والانتقام فقال له: “دعني أنتخب اثني عشر ألف رجل وأقوم وأسعى وراء داود هذه الليلة، فآتي عليه وهو متعب ومرتخي اليديْن فأُزعجه، فيهرب كل الشعب الذي معه، وأضرب الملك وحده. وأردّ جميع الشعب إليك” (2 صم 17 :1-3)
لطالما انتظر هذه الفرصة معتقداً أن الانتقام من داود سيشفيه من المرارة الشديدة التي بداخله وسيريحه من الغلّ الذي يفور بداخله. لكن ماحدث هو العكس تماماً لم يُشفى ولم يرتاح ولم يبرد غليله. لكن تلك الحجرة التي خزّن فيها المرارة والغل ومشاعر الانتقام أخرجت له الزواحف القاتلة والافكار الشريرة التي جعلته يقتل نفسه
لماذا تدمرت حياته هكذا؟ هل المرارة تصل بالشخص إلى هذه الحد؟
المرارة أمر خطير جداً جداً . نعم انها مدمرة وهذا ما فعلته بأخيتوفل فهو لم يفتح تلك الحجرة أمام الله ليخلّصه من المرارة الخطيرة التي بداخله، لم يتجّه للرب ليغسله وليمنحه الشفاء من التعب والمرارة. لكنه أغلق الحجرة وأحكم اغلاقها حتى أصبحت عبوة ناسفة قضت عليه
يوسف
انظر إلى شخصية نقيضة للشخصية السابقة، شخصية تعرضت لأذى شديد جداً ليس من صديقٍ حميم لكن من إخوته أولاد أبيه الذين باعوه عبداً (مزمور 105: 17)، ورأوا ضيقة نفسه وكان يسترحمهم ولم يسمعوا له (تكوين 42: 21). كم تسببت هذه القسوة بالأذى الشديد ليوسف. دمر اخوته حياته، حرموه من أبيه وحرموا أبيه منه. لقد تأذى يوسف أذى شديد من إخوته . ثم لحق به أذى من امرأة شريرة زوجة رئيسه في العمل التي افترت عليه بتهمة شيطانية كاذبة وتسببت له في السجن. كان الألم النفسي والشعور بالظلم أصعب من الألم الجسدي (مزمور 105: 18). ثم تعرّض لأذى معنوي وعاطفي من زميل له كان مسجوناً معه. عمل معه يوسف معروفاً كبيراً ولم يردّ له المعروف بفعل بسيط جداً بأن يقول للملك فقط عن حالة يوسف
ماذا فعل يوسف هذه الشخصية العظيمة؟
هل اختزن كل هذه والاساءات والافتراءات والتهم ومشاعر الظلم والجراحات النفسية في داخله وأغلق عليها في حجرة داخل قلبه؟ هل ابتدأ يرسم في ذهنه تخيلات الانتقام عندما تسنح له الفرصة كما فعل أخيتوفل؟
كلا!!!! لأنه لو فعل ذلك، لكانت نهايته مثل نهاية أخيتوفل
ماذا فعل؟ لماذا لم تتدمر حياته بالرغم من كل الظروف الصعبة والألم والأذى والقسوة؟
نجد الاجابة في كلمات يعقوب عن يوسف التي وصف بها بالروح القدس حياة يوسف
(يوسف غصن شجرة مثمرة غصن شجرة مثمرة على عيْن. أغصان قد ارتفعت فوق حائط. فمرّرته ورمته واضطهدته أرباب السهام” (تكوين 49: 22- 23″
يوسف كان غصن شجرة على عين ماء. كان ملازماً لعيْن الماء فكبر الغصن وصار أغصاناً مثمرة في مدة قليلة. والأغصان قويت وارتفعت فوق الحائط وأعطت ثمراً للذين خلف الحائط أيضاً. ما هي هذه العين؟ أنها علاقته الحيّة مع الرب
مع أن الناس مرّرته والارواح الشريرة هاجمته لكنه لم يتدمر ولم ينطوِ على نفسه ولم يخزن بداخله مشاعر التعب والمرارة والغضب لكنه بقي عند عين الماء الرب يسوع. كان يشرب من الماء دائماً وكانت مياه العين تغسله بعد كل موقف وتنسيه التعب والأذى ومواقف المرارة . كان عنده ماء العين الرب نفسه
كانت عيْن الماء معه في البئر لما رموه اخوته فيه، وكانت العين معه في السجن الذي سجّته فيه امرأة فوطيفار. فلم يسمح للأرواح الشريرة أن تملأه بالاكتئاب والوجع والمرارة. كانت علاقته بالرب حيّة .. تشفيه من الاساءات أولاً بأول .. لم يسمح للمرارة أن تتسلل إلى داخله العميق. بل سمح لمياه الروح أن تجري في داخله وتشفيه وتنظف الحجرة
ولما أتيحت له فرصة الانتقام من كل الذين آذوه وتسببوا له بكل المرارالذي أتى على حياته، لم يسرع للانتقام بل فعل العكس تماماً، فقد كان سبب بركة عظيمة جداً لاخوته وعائلته وللأرض
لقد أبقى يوسف الحجرة مفتوحة للعيْن، لتعاملات الرب التي فيها كل الشفاء والنسيان والتعزية والتعويض
عزيزي القارىء، إذا كانت بداخلك هذه الحجرة المغلقة وأنت خائف أن تفتحها ودائماً تهرب من مواجهة ما بداخلها وتتظاهر أنها غير موجودة مع أنها فعلاً موجودة، ما عليك إلا أن تتجه إلى الرب الذي يريد ويستطيع أن يعمل شيئاً في شخصيتك وفي نفسيتك وأن يصيّر الكل جديدا (2 كو 5: 17)
قل للرب: ساعدني يا رب أن أفتح هذه الغرفة وأظهرها قدامك بكل القذارة التي فيها وكل أنواع القوارض والزواحف التي فيها، أفتح نفسي لك بلا تحفظ. نظّف أنت يارب بمياه العين كل قذارة وعفونة. واطرد القوارض والحشرات من داخلي. أنا أستقبل شفاءك إنه من احساناتك على حياتي أن تشفيني وتنسيني كما أنسيت يوسف كل تعبه وتزيل كل آثار سيئة آتية من الماضي وتنهي كل التأثيرات المؤذية من الفشل الذي مررت به ومن كل تعب نفسي ومرارة وشعور بالظلم. ولايكون داخلي أفكار الانتقام وانتظار سقوط الذين آذوني أو حتى انتظار انتقام الرب منهم. لكن احفظ قلبي نظيفاً قادراً على مسامحة الذين أذوني وأخطأوا في حقي. اغسلني يا رب بمياه العيْن، عالج كل ما هو بحاجة إلى علاج في داخلي في تفكيري أو في مشاعري أو حتى في صحتى
عزيزي القارىء، الرب أعطى الوعد العظيم لأورشليم وتستطيع أن تأخذ هذا الوعد لك “هادموك ومخربوك منك يخرجون”. (أشعياء49: 17). الرب يُخرج منك كل أفكار انتقام، وذكريات متعبة، وأمور ملخبطة، كل ما يهدم يخرج منك وإذا كان بداخلك جذور متعمّقة تعود وتنمو بين الحين والآخر، تُقتلع هذه الجذور ولا تعود نهائياً باسم الرب يسوع
مقتطفة من عظة الأب دانيال (شفاء من المرارة) – خدمة أنهار الحياة



