تخلص من لغة التذمر
تخلص من لغة التذمر
“وَارْتَحَلُوا مِنْ جَبَلِ هُورٍ فِي طَرِيقِ بَحْرِ سُوفٍ لِيَدُورُوا بِأَرْضِ أَدُومَ، فَضَاقَتْ نَفْسُ الشَّعْبِ فِي الطَّرِيقِ وَتَكَلَّمَ الشَّعْبُ عَلَى اللهِ وَعَلَى مُوسَى قَائِلِينَ: لِمَاذَا أَصْعَدْتُمَانَا مِنْ مِصْرَ لِنَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟ لأَنَّهُ لاَ خُبْزَ وَلاَ مَاءَ، وَقَدْ كَرِهَتْ أَنْفُسُنَا الطَّعَامَ السَّخِيفَ. فَأَرْسَلَ الرَّبُّ عَلَى الشَّعْبِ الْحَيَّاتِ الْمُحْرِقَةَ، فَلَدَغَتِ الشَّعْبَ، فَمَاتَ قَوْمٌ كَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيلَ” (عد ٤:٢١–٦) لم يدع الرب الشعب يسير في أرض أدوم ولم يقدهم في طريق مستقيم قصير وإنما أراد لهم أن يسيروا في طريق طويل حول أرض موآب. وفي بعض الأحيان، يتبع الرب معك نفس هذا الأسلوب لأنه حكيم ويعمل هذا لخيرك. وربما تشعر أن الأمر قد طال، ولكنه يقودك ولن يتركك. وهذا هو أعظم امتياز يتمتع به المؤمن أن يسير بحسب مشيئة الرب وأن يخضع إلى قيادة الروح القدس.
وقد ضاقت نفس الشعب في الطريق على الرغم من قيادة الله لهم بعمود السحاب وعمود النار، وأخذ يتذمر وبدأ يعاني من الضيق والتعب. ولم يتصرف الشعب مثلما تصرف حزقيا الذي نشر الضيق أمام الرب وصلى له. لقد تذمر الشعب على الله وعلى موسى. وبالمثل، عندما تتوانى عن التوجه إلى الرب بالضيق الذي تشعر به، لن تجد الارتياح، وإنما يتمثل العلاج الحقيقي في إلقاء الهموم على الرب، لأنه مكتوب: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت ٢٨:١١). وعندما تشعر بالضيق، اِحرص على التواجد في حضور الرب ووسط المؤمنين.
وفي هذه القصة، أخذ الشعب يتذمر على الله وعلى موسى وبدأ يتشكك ويتساءل: “… لِمَاذَا أَصْعَدْتُمَانَا مِنْ مِصْرَ لِنَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ …” (عد ٢١: ٥). ويحمل هذا التساؤل أكاذيباً من إبليس، لأن سيرنا وفق مشيئة الرب لن يُسبب لنا أي أذى أو ضرر. وهذا يتضح في قصة الشعب عندما سار في البرية المليئة بالحيات وتمتع بالحماية من أي آذي. وعلى الرغم من ذلك، عندما تذمر الشعب على الله، تعرض إلى لدغ الحيات. ويقول الوحي المقدس: “ثِيَابُكَ لَمْ تَبْلَ عَلَيْكَ، وَرِجْلُكَ لَمْ تَتَوَرَّمْ هذِهِ الأَرْبَعِينَ سَنَةً …. الَّذِي سَارَ بِكَ فِي الْقَفْرِ الْعَظِيمِ الْمَخُوفِ، مَكَانِ حَيَّاتٍ مُحْرِقَةٍ وَعَقَارِبَ وَعَطَشٍ حَيْثُ لَيْسَ مَاءٌ. الَّذِي أَخْرَجَ لَكَ مَاءً مِنْ صَخْرَةِ الصَّوَّانِ” (تث ٤:٨، ١٥). ولتكن هذه صلاتك أيضاً: احفظني في مشيئتك. التزم بالطريق الطويل طالما كان ذلك وفق مشيئة الرب. وبالتأكيد، سوف يكون ذلك لخيرك. تتسبب لغة التذمر في إطلاق الحيات (الأرواح الشريرة) ضدك فتؤذيك وتضرك.
وقد تذمر الشعب في هذا الموقف على الله وعلى موسى المُرسل من الله، مع وصف المن الحلو بالطعام السخيف، وذلك بسبب الشعور بالتعب الذي يؤدي بالإنسان إلى رؤية الأمور على عكس واقعها. وبالتالي، يبدأ الإنسان في التذمر ويتوقف عن الشكر. لذلك، يقول الكتاب المقدس: “شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ …” (أف ٢٠:٥). ويتناقض الشكر مع التذمر، حيث يفتح التذمر الباب أمام الحيات، بينما يغلق الشكر هذا الباب ويمنع وصول الحيات (الأرواح الشريرة) إليك، فلا يؤذيك أي حسدٍ أو سحرٍ.
تعلَّم أن تشكر الرب على الأمور الصعبة وعلى الطريق الطويل الوَعِر الذي يُسيرك فيه. وقدم الشكر بإيمان للرب، وسوف يُخرج من هذا الوضع الشاق أمور رائعة وعظيمة. لا تستسلم للحزن وأُطلب معونة الروح القدس لكي تمتلئ بالشكر العميق من كل القلب نحو الرب، وذلك على الرغم من إنك لا تستوعب ما يحدث معك. وسوف يأتي الوقت فيما بعد وسوف تفهم.
“مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ لَمْ تَعْبُدِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِفَرَحٍ وَبِطِيبَةِ قَلْبٍ لِكَثْرَةِ كُلِّ شَيْءٍ تُسْتَعْبَدُ لأَعْدَائِكَ الَّذِينَ يُرْسِلُهُمُ الرَّبُّ عَلَيْكَ فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ وَعُرْيٍ وَعَوَزِ كُلِّ شَيْءٍ” (تث ٤٧:٢٨، ٤٨) الرب يعطينا كل شيء بغنى للتمتع. ويترتب عن عدم الفرح بعطايا الرب نتائج ضارة، ومنها مثلاً عدم تسديد احتياجاتنا وتحكُم إبليس فينا. لذلك، فإن عدم فرحنا وتذمرنا على الرب يُعرضنا إلى خطورة حقيقية.
“اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ” (١ تس ١٨:٥) وكذلك “لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ” (في ٦:٤) تخلص من الهم بالصلاة وتغلب على التذمر بالشكر. “وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (في ٧:٤) تأمل في هذه الآيات وضعها أمام عينيك وسوف يساعدك الروح القدس على أن تكون شاكراً للرب. وأعلن إيمانك أنك تنتقل من الهم إلى السلام ومن التذمر إلى الشكر ومن الحزن إلى الفرح ومن الْخِزْي إلى المجد ومن المرض إلى الشفاء.
ويتكرر استخدام الرسول بولس لعبارة “شكراً لله”، حيث يقول الكتاب المقدس: “وَلكِنْ شُكْرًا للهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (١ كو ٥٧:١٥) وقد قيلت هذه الآية من أجل أن نكون شاكرين للرب على الاختطاف لأن فيه الانتصار على الموت والهاوية، وسوف يأتي الرب ليأخذنا. لذلك، نشكر الرب لأنه غسلنا بالدم الثمين وجعلنا من الذين يختطفهم ويأخذهم لمقابلة الرب علي الهواء.
“وَلكِنْ شُكْرًا للهِ الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ” (٢ كو ١٤:٢) أُشكر الرب لأنه يقودك إلى الانتصار وليس إلى الفشل، فهو قد انتصر على الشر وعلى المرض وعلى الخطية. وأعلن أنك تسير وراء الرب يسوع القائد المنتصر الذي يقودك من انتصار إلى انتصار!
“وَلكِنْ شُكْرًا للهِ الَّذِي جَعَلَ هذَا الاجْتِهَادَ عَيْنَهُ لأَجْلِكُمْ فِي قَلْبِ تِيطُسَ” (٢ كو ١٦:٨) أشكر الرب من أجل الأشخاص الذي يخدمون معك، كما شكر الرسول بولس الرب من أجل تيطس الذي يساعده ويخدم معه!
“فَشُكْرًا للهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ، وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا. وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ” (رو ١٧:٦، ١٨) نشكر الرب من أجل ثمر الخدمة. ونشكر الرب الذي يظهر في حياتنا وفِي حياة النفوس التي تغتسل بالدم ونرى فيها التغيير الحقيقي!
كن شاكراً كل حين وتخلص من لغة التذمر.
مقتطف من عظة “تخلص من لغة التذمر”، دبي، مارس ٢٠١٩



