مقدمة: ثِق

من بين قصص الكتاب المقدس الكثيرة خمس قصص تتميز عن غيرها بأنه في كل منها قال الرب يسوع هذه الكلمة ذات التأثير القوي :

« ثــــــق .. »

ولا يزال الرب يسوع يقول هذه الكلمة القوية « ثق » لكل شخص يلجأ إليه ، وهو يريد أن يقولها لك أنت أيضاً قارئي العزيز كي يريحك من مخاوفك وهمومك ، ولا فرق إن كانت معاناتك سببها أمور تتعلق بالماضي أو الحاضر أو المستقبل .

الماضــــي

في قصتين من هذه القصص الخمس قال الرب « ثق .. » ثم أجرى معجزة أعلن بها بكل وضوح أنه قادر أن ينهي أية معاناة بدأت في الماضي ولا تزال مستمرة إلى الآن .. في القصة الأولى قال لمفلوج طُرِح على الفراش « ثق يا بُنيَّ .. » ( مت٢:٩ ) وفي القصة الثانية قال لنازفة دم ظلت تقاسي اثنتي عشرة سنة متواصلة « ثقي يا ابنة.. » ( مت٢٢:٩ ) ، وشفى الاثنين الرجل والمرأة لينطلقا في مرحلة جديدة أنستهما كل أيام المشقة ..

المســتقبل

وفي قصتين أُخريتين قال الرب « ثق .. » ثم تحدّث ليؤكد لسامعيه ولنا أنه معنا كل أيام المستقبل ، هو متكفل بنجاحنا وحمايتنا طالما نحن معه .. في قصة منهما قال للرسل « في العالم سيكون لكم [ في المستقبل ] ضيق . ولكن ثقوا . أنا قد غلبت العالم » ( يو٣٣:١٦ ) أي لن يغلبكم الضيق لأنني معكم ، وفي القصة الأخرى قال لبولس « ثق يا بولس لأنك كما شهدت بما لي في أورشليم [ في الماضي ] هكذا ينبغي أن تشهد [ في المستقبل ] في رومية [ أكثر المدن خطراً على الرسل ] » ( أع١١:٢٣ ) .. ويحكي لنا سفر أعمال الرسل والمراجع التاريخية أن مستقبل الرسل وبولس كان بالفعل رائعاً وانتصارهم على إبليس كان عظيماً ..

الحاضـــر

وفي القصة الخامسة ، قال الرب « ثق » ، ثم أجرى معجزة أكد بها أنه معنا في كل ما نواجهه الآن في الحاضر ، لن يتركنا لحظة واحدة ولن يهملنا أبداً .. فبينما كان تلاميذه في السفينة يصارعون الأمواج الرهيبة اقترب إليهم سائراً على الأمواج وقال لهم « ثقوا .. أنا هو » ( مر٥٠:٦ ) .. أي ثقوا أنا معكم الآن في ضيقتكم ، وهذه الأمواج التي تخيفكم تخضع لي ولن أسمح لها أن تهزمكم ..

إنه يحبك مثلما أحب هؤلاء ، المفلوج ونازفة الدم وبولس والرسل .. وهو يريد أن يُزيل منك أنت أيضاً أي انزعاج أو اضطراب أو خوف سواء كان السبب أموراً تتعلق بماضيك أو مستقبلك أو حاضرك .. إنه يدعوك ويُلِحّ في الدعوة أن تُقبِل إليه حالاً كي يُسمِعك هذه الكلمة الفريدة القوية « ثق » .. فهل تستجيب ؟

و « ثق » هذه التي قالها الرب في القصص الخمس والتي لا يزال يقولها لكل من يلجأ إليه هي في الأصل اليوناني لأسفار العهد الجديد كلمة « ثارسيئو tharseo » ، وللأسف لا تُعبِّر كلمة « ثق » بالعربية عن كل ما تحمله هذه الكلمة اليونانية من معاني ، فثارسيئو tharseo لا تعني فقط « ثق » بل أيضاً « لا تخف » و « لا تقلق » و « كن شجاعاً [ be of good cheer ] » ..

نعم الرب لا يريدك في أي وقت خائفاً قلقاً مهموماً بما جرى أو يجري أو سيجري في المستقبل ..

إنه يحبك جداً ولذا يريد لك أن تحيا كل يوم متمتعاً بسلامه العجيب الذي يريح القلب وبرعايته الشاملة المستمرة وحمايته المؤكدة من كل شر ..

احتياجك هو إلى علاقة حميمة مستمرة معه .. تثق فيه وتتمسك بوعوده ..

في بعض فصول هذا الكتاب ندرس القصة الخامسة التي قال فيها الرب للتلاميذ الذين كانوا يواجهون ريحاً مضادة « ثقوا .. أنا هو » ، على أن نعود بمشيئة الرب ونتأمل بقية القصص في كتاب آخر ..

حينما تهب العواصف

قد يحدث لك أحياناً ما حدث للتلاميذ .. تشتد العواصف ويهيج البحر وتصير في دائرة الخطر .. عملياً ماذا تفعل وكيف تتصرف ؟

لقد تعرض التلاميذ لهيجان البحر مرتين :

في الأولى كان الرب بجسده معهم مُستغرِقاً في النوم في السفينة ..

وفي الثانية التي أشرنا إليها منذ قليل ، لم يكن بجسده معهم في السفينة ، لكنه أتى إليهم سائراً على الأمواج ليقول لهم « ثقوا .. » ..

القارئ العزيز .. الكتاب الذي بين يديك يدرس هاتين القصتين فهما غنيتان بالدروس الثمينة التي تجيب على هذا السؤال الهام ، ماذا تفعل وكيف تتصرف وقت الضيقة حينما تشتد العواصف ويهيج البحر ؟.. كما تسلّط الضوء على الكثير من النقاط الهامة المتعلقة بمواجهتنا للضيقات :

  • لماذا يسمح الرب أحياناً أن تهب رياح عاصفة على المؤمنين الذين يطيعونه ؟
  • لماذا يتأنى في بعض الأوقات في التدخل لإيقاف العاصفة وتهدئة البحر الهائج ؟
  • ما هو دور إبليس في ضيقات المؤمنين ؟ ما هي حدوده وكيفية التعامل معه والانتصار عليه ؟
  • كيف تكون بعض الضيقات من الرب ومن إبليس في ذات الوقت ؟ وكيف يعمل إبليس لخيرنا ؟!!
  • كيف يحيا المؤمن خلال وقت الشدة منتصراً على الخوف والهم ومتمتعاً بالسلام وقادراً على النوم ؟
  • ماذا عليه أن يفعل إذا حدث وخارت قواه وانهزم من الخوف ؟
  • وما علاقة الإيمان بأن الرب يسوع هو الكاهن الحقيقي بمواجهتنا للشدائد المتنوعة ؟
  • وما هي التحولات العظيمة التي يعملها الرب فينا وفي ظروفنا خلال فترة الألم والمعاناة ؟ وهل من تعويض يُقدِّمه لنا عن هذه الفترة ؟

كما أن دراسة هاتين القصتين تحفظ تفكيرنا من الانزلاق في مفاهيم شائعة خاطئة عن وعود الرب لنا بالحماية والإنقاذ وهي مفاهيم شديدة الخطورة لأنها تعطي رجاءً كاذباً بسبب كونها لا تستند على فهم سليم لما تقوله الكلمة وبالتالي تقود إلى تصرفات مؤذية ..

ندرس معاً هاتين القصتين فكم هي ممتعة قصص الرب يسوع ، ومهما كان عدد مرات قراءتها ودراستها فهي جديدة دائماً ، حلوة دائماً ، مفيدة جداً دائماً ..

أثق أن الرب سيستخدم هذا الكتاب في الحديث إليك بكلمات أنت في احتياج لسماعها الآن ..

إنها حقاً رحلة ممتعة مع كلمة الرب الحيّة ..

بكل تأكيد لن تُنهى هذه الرحلة كما بدأتها !!

الأب دانيــال

Start typing and press Enter to search