في تلك الليلة
- هل بدأتَ يوماً مرحلة جديدة وجلستَ متحيراً وتفكيرك المنطقي يلح عليك بالتساؤلات .. كيف ستسير الأمور معك؟ أو ماذا سيحلّ بك؟
- هل ذهبتَ يوماً إلى فراشك وأنت مؤجل حسم أمر هام علماً بأن حسمه سيفتح لك باباً للنجاح؟
لا تنزعج، هناك حل لكل حالة من الحالات السابقة التي قد تكون مررتَ بها. في هذه المقتطفة من عظة الأب دانيال “في تلك الليلة” سترى حبَّ الرب وكيف أنه لا يتركك لنفسك ولحيرتك ولخوفك أو لكسلك وترددك. لكنه يأتي إليك ولا يتأخر عن مساعدتك بل يتدخل في أمورك ليصل إليك “في نفس الليلة”.
- الرب لا يتأخر عن تشجيعك في البدايات الجديدة فيأتي إليك في نفس الليلة
انظر إلى هذه الشخصية، إسحق.. شخص أنجحه الله وباركه ليكون بركة لمن هم حوله. انتقل للعيش في منطقة تُدعى “جرار” وكان يعمل بجد هو وموظفيه وكان الرب يُنجحهم في كل ما يفعلونه. لكنه عانى كثيراً من أهل المنطقة الذين كان يسكن بينهم لأنهم أشخاص كانوا يحبون الخصام والنزاع ومضايقة الآخرين وهذا ما فعلوه مع إسحق وكان السبب الوحيد هو الحسد كما يذكر لنا الكتاب المقدس في (تكوين 26:14). فقد حسده سكان المنطقة وكانوا باستمرار يخاصمونه وينازعونه على كل بركة يباركه بها الله.
ولما تزايدت الخصومات والنزاعات من سكان المنطقة، اضطر أن يرتحل ويأخذ كل ما له ويذهب الى مكان آخر بعيداً عن المضايقات، فجاء إلى “بئر سبع”. ولنا أن نتخيل ما جال في داخله من تساؤلات.. إلى متى سأبقى غير مستقر؟ إلى متى سأبقى أرتحل من مكان الى مكان؟ إلى متى سيحسدني الناس بسبب بركة الله في حياتي؟ وبسبب حسدهم يضايقونني ويخاصمونني؟ إلى متى سأظل هكذا؟ ولربما جالت بخاطره أيضاً أفكار عن المكان الجديد الذي ارتحل إليه وتخوفات من تكرار نفس المضايقات السابقة.
هل تعتقد أن الرب ترك إسحق لحيرته ولتساؤلاته ولتعطله عن العمل بسبب حسد الآخرين له؟
كلا. انظر ماذا حدث مع إسحق عندما ترك المكان؟ واقرأ هذا الحدث العظيم.
“فظهر له الرب في تلك الليلة” (تكوين 24:26). تأمل هذه العبارة “في تلك الليلة”. لا يوجد تأجيل عند الرب، لكنه في نفس الليلة ظهر له لكي يشجعه وينزع منه الخوف ويريحه. عزيزي القاريء، هناك أمور الرب يريد أن يعملها معك أنت أيضاً وبسرعة قبل أن تنتقل إلى نهار جديد “في تلك الليلة”. اقرأ الآيتيْن التاليتيْن وتأمل تتبع الأحداث:
“ثُمَّ صَعِدَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ. فَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَقَالَ: «أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ. لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ، وَأُبَارِكُكَ وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ مِنْ أَجْلِ إِبْرَاهِيمَ عَبْدِي»
كما ترى هنا أنه حالما وصل إسحق إلى المكان الجديد والأرض الجديدة وهو يبدأ مرحلة جديدة، “في تلك الليلة” الرب يأتي له بهذه الكلمات “لا تخف أنا معك”. لم يتأخر الرب في هذا الأمر الذي فيه مرحلة جديدة. ويردّ على حيرته وتخوفه وكأنه يقول له: “الأمان ليس مصدره المكان وإنما مصدر الأمان هو أنا (الرب). كن في مشيئتي، تكون في أمان وتكون ناجحاً ومثمراً. لا تخف من الناس لأني معك وأباركك.” لاحظ هنا أن كلمة “إني معك” تسبق “وأباركك” لأنه يريد أن يمتعه بحضوره أولاً وهذا الجزء الأهم. هناك كثيرون لديهم بركات من الرب لكن غير متمتعين بالرب. الرب يقول له: “سيكون لك ليس فقط البركات وإنما التمتع بحضوري أيضاً.. تكلمني وأكلمك .. وعندما تصلي ستشعر بي لأني معك”.
هذا الكلام لك أيضاً عزيزي القاريء، عندما تكون محتاجاً لتشجيع من الرب سيحدث هذا معك، لن يتأخر الرب عليك بل سيرسل لك الكلمة المشجعة التي تناسب ظروفك واحتياجك وسيأتي مباشرةً ليشجعك ويقول لك “لا تخف”. عندما تطلب الرب من قلبك، الرب لن يتأخر في أن يعلن لك أنه معك وسيباركك أيضاً. لا تخف لأني معك وأباركك..
“في تلك الليلة”.. دائما مع أي بداية مرحلة جديدة أو أرض جديدة أو مرحلة ابتعاد عن أمور صعبة كنتَ موجوداً فيها، الرب يأتي إليك ولا يتأخر، ويقول لك: “لا تخف انسى الماضي، إن مرحلة الخصام والنزاعات والتعطيل قد انتهت. ابدأ مرحلة جديدة لا تذكر الأوليات. سأمتعك بحضوري وأباركك وأحميك من الناس واتهاماتها ومن حسد الناس لك لأني معك”.
قل للرب: “أشكرك يارب لأنك تريد أن تفصلني عن دوشة الناس، وعن الجروح التي أتت عليّ بسبب الحسد والخصام والمنازعات. أشكرك يارب لأنك تريد أن تريحني وتعطيني بداية جديدة أتحرر فيها من كل آثار لنزاعات وخصومات الماضي ولن تتأخر في إعلان هذا لي. أشكرك لأنك تشجعني وتريد أن تمتعني بحضورك الذي هو أثمن شيء في العالم كما ببركاتك أيضاً. أشكرك لأنك لا تتركني أتوه مع أفكاري وخوفي من تكرار الماضي. وتقول لي الأشياء العتيقة قد مضت. وسأختبر حضورك في الأرض الجديدة وستعوضني عن مرحلة الاستنزاف”.
- الرب أيضاً يأتي إليك “في نفس الليلة” يريدك أن لا تؤجل حسم الأمور المعيقة للبركة
انظر إلى شخصية أخرى لم يتأخر عليها الرب بل أتى إليها في نفس الليلة. إنه جدعون. نقرأ في (قضاة (16-12:6 كيف ظهر له الرب وكلّمه في وقتٍ كان فيه متعباً ومتحيراً وما أن أتى إليه الرب إلا وانهال عليه بكمٍّ من الأسئلة.
“فَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَالَ لَهُ: الرَّبُّ مَعَكَ يَا جَبَّارَ الْبَأْسِ. فَقَالَ لَهُ جِدْعُونُ: أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي, إِذَا كَانَ الرَّبُّ مَعَنَا فَلِمَاذَا أَصَابَتْنَا كُلُّ هَذِهِ, وَأَيْنَ كُلُّ عَجَائِبِهِ الَّتِي أَخْبَرَنَا بِهَا آبَاؤُنَا قَائِلِينَ: أَلَمْ يُصْعِدْنَا الرَّبُّ مِنْ مِصْرَ؟ وَالآنَ قَدْ رَفَضَنَا الرَّبُّ وَجَعَلَنَا فِي كَفِّ مِدْيَان. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الرَّبُّ وَقَالَ: اذْهَبْ بِقُّوَتِكَ هَذِهِ وَخَلِّصْ إِسْرَائِيلَ مِنْ كَفِّ مِدْيَانَ. أَمَا أَرْسَلْتُكَ؟ فَقَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي, بِمَاذَا أُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ؟ هَا عَشِيرَتِي هِيَ الذُّلَّى فِي مَنَسَّى, وَأَنَا الأَصْغَرُ فِي بَيْتِ أَبِي. فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ, وَسَتَضْرِبُ الْمِدْيَانِيِّينَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ”.
وهنا الرب يجيبه ويقول له: لا تبحث عن قوة ارادتك أو قوة عائلتك. إنما بقوتك اليسيرة هذه وبإمكانياتك القليلة سأجعلها في يدي إمكانيات غير عادية. لا تخف سأصنع بك عجائب.
فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «السَّلاَمُ لَكَ. لاَ تَخَفْ. لاَ تَمُوتُ» (قضاة 23:6)
ثم نقرأ في الآية (25).. “وَكَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ (لجدعون)..” نرى هنا أن الرب يأتي إليه بنفس الليلة لأمرٍ آخر. ففي اللقاء الأول أظهر له الرب كم أنه يحبه وأنه يريد أن يستخدمه وأن يعطيه سلامه بالرغم من كل النقائص التي كان يشعر بها جدعون. ثم يأتي إليه “في نفس الليلة” ليقول له أمراً هامّاً فهو يطلب منه أن يحسم الأمور الخاطئة التي في حياته وأن يتخلص منها نهائياً قبل أن يستخدمه في انتصار عظيم على الأعداء. فقال له: “اهدم مذبح البعل الذي لأبيك.. وابنِ مذبحاً للرب الهك”. الرب يريدك أن تصحح أخطائك ويريدك أن تنفصل عن الأمور الشريرة التي في حياتك والتي لا ترضيه حتى يقدر أن يستخدمك في الانتصار القادم.
في الصباح الرب شجّعه، ثم يرجع إليه في نفس الليلة ليقول له: أنا لا أسمح ولا أريد أن النار التي اشتعلت في داخلك بالروح القدس أن تنطفيء لذلك أريدك أن تحسم الأمور المُعطّلة لك. في الصباح كان اللقاء الأول وقبلما يزول مفعول اللقاء الأول القويّ ولدى ابتداء نار الروح أن تعمل، الرب يتحرك بسرعة ولا يؤجل ويكون عمله سريع لأنه لا يريد للنار التي اشتعلت أن تنطفيء وهذا ما يفعله الله معي ومعك اذا كان لديك الاستجابة لدعوة الرب لك.
انتبه، الشيطان يريدك أن تفتر وتبرد بسرعة. لكن الرب يريد النار التي ابتدأت تشتعل بداخلك أن تزداد اشتعالاً. لذلك لم يظهر الرب لجدعون في الليلة التالية. كلا.. ولكن “في تلك الليلة”.
تقرأ في الجزء الثاني من الآية (25) «خُذْ ثَوْرَ الْبَقَرِ الَّذِي لأَبِيكَ, وَثَوْراً ثَانِياً ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ, وَاهْدِمْ مَذْبَحَ الْبَعْلِ الَّذِي لأَبِيكَ وَاقْطَعِ السَّارِيَةَ الَّتِي عِنْدَهُ”. الرب رجع إليه “في تلك الليلة” ليحسم الأمور الخطأ في حياته وبيته ليحسم الامور المُعطلة لعمل الرب في حياته. هناك أمور يريدك الرب أن تتخلص منها وهو يعلنها لك. مثل عبادة البعل وهي تشير إلى الأمور التي تفتّر علاقتك بالرب، والأمور التي لا يوجد فيها تدقيق في حياتك. أو علاقات غير صحيحة أو أموال غير نقية أو أكاذيب تخرج منك… وغيرها.
الرب يريدك أن تأخذ موقف حتى لا تنطفيء النار. كثير من الناس تحضر الكنيسة وتشتعل النار بداخلها لكنها لا تستمر وتنطفيء سريعأ. لماذا؟ لأن الشخص لم يستجب ولم يسمع لما قاله الرب… لم يقطع يده أو عينه التي تعثره (متى 5:-2930)
“فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ… وإنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ”. الرب لا يريد الإثم لذلك أشار إلى الأمور غير المرضية في حياة جدعون وطلب منه أن يهدم مذبح البعل.
الرب لا يريد لنار الروح أن تنطفيء في داخلك. ونحن نطفيء الروح عندما نترك الأمور الغلط في حياتنا لسبب أو لآخر مثل المرارة أوعدم الغفران، هذا مذبح البعل الذي يجب أن يهدم. قد تقول أنا لا يوجد عندي قدرة، والرب يجيب فوراً أنا أؤيدك “لأني أنا معك” الرب حريص من حبه لك أن يخلّصك من هذه الأمور حتى أن نار الروح التي ابتدأت أن تعمل بداخلك لا تنطفىء
قل للرب: “أشكرك يا رب لأنك لم تتأخر على جدعون ليتخلص من الإعاقات ويهدم الأمور الخطأ التي في حياته. اهدم يا رب كل ما بداخلي من أفكار ومشاعر وذكريات وميول واتجاهات وكل ما له علاقة بإبليس ليس منك. حررني من الخوف واعمل بداخلي. أشكرك يا رب لأنك تكلمني بالنهار وتأتي إليّ بالليل لأنك مهتم بسلامتي. أشكرك لأنك لا تتأخر على معونتي”.
مقتبسة من عظة الأب دانيال “في تلك الليلة” – خدمة أنهار الحياة



