١٠ – جعلني باراً – عطية مجانية
الفصـل الأول
عطية مجانية
الخاطـىء ، أى خاطـىء مثل مجـرم فى قفص الاتهـام ، والأصوات من حوله تتعالي منادية مذنب .. مذنب يستحق أقصي عقاب..
وإبليس هو مصدر هذه الأصوات ، هل تعلم ماذا يعنى اسم « إبليس » ؟.. إنه ترجمة للكلمة اليونانية « diabolos » التى أتي منها الاسم « Devil » بالإنجليزية .. ومعناها المُفترى والمشتكى الذى يوجه الاتهام(١) .. فهو يشتكى علي الخاطىء بمثل هذه الكلمات :
« لقد كسـر هذا الخـاطىء قانون [ ناموس ] الله .. لقد كنت معه حين ارتكب الخطايا .. الله عادل لذا يجب أن يعاقبه بأشد عقاب » ..
ويحرص إبليس أن تصل أصوات اتهامه العالية إلي أُذن الخاطىء ، وأن تتغلغـل إلي ضميره ليُشعره دائماً بالذنب واستحقاق العقاب ورفض الله له .. وقد يلح عليه أن يُكفِّر عن خطاياه بأعمال يقوم بها لإراحة ضميره .. لكن هيهات ، فأعمال الإنسان لا يمكنها أن تُكَفّر عن خطية واحدة أمام الله لأن عقوبة الخطية هى الموت الأبدى .. كما أن إحساس الضمير بالذنب أعمق بكثير جداً من أن يُزال بأى عمل بشرى مهما كان .. وقد ينخدع الخاطىء من إبليس فيقوم بأعمال شاقة ومُضنية ليُكفّر بها عن خطاياه ثم يكتشف بعد فترة أن ضميره لم يجد الراحة ولا يزال يستيقظ ليُذكرّه بآثامه .. وقد يتملك الخاطىء اليأس فيرتد عن تدينه أو يتمادي إلي أقصي حد فى ممارسات التدين لكن دون جدوي ، فليس من سلام حقيقى لضميره .. ما أخبث إبليس، يريد أن يصيب الخاطىء باليأس وأن تتعمق فى داخله فكرة أنه مرفوض من الله .. وقد ينجح إبليس أيضاً فى إصابة الخاطىء بأمراض نفسية نتيجة للفشل فى إخماد شكايات الضمير وعدم نجاح المحاولات المستمرة للتخلص من إحساسه بالذنب ..
تزيح إحدي رؤي زكريا النبى أحد أنبياء العهد القديم الستار عما يفعله إبليس فى هذا المجال .. فقد رآه زكريا وهو يقاوم يهوشع رئيس الكهنة فى ذلك الوقت حينما كان ماثلاً فى محضر الرب .. « الشيطان قائم عن يمينه [ يمين يهوشع ] ليقاومه [ Satan ] » ( زك ٣ : ١ ) .. وكلمة « يقاومه » فى الأصل العبرى هى « Satan » التى تعنى أيضاً يقدّم شكوي(٢) لهذا تُرجِمت هذه الآية فى ترجمات عديدة إلي :
« والشـيطان قائـم عن يمينه [ يمين يهوشـع ] ليشتكى عليه [ LIT, NIV, NAS, RSV] » ..
كما رأي زكريا أمراً آخر غريباً .. يهوشع رئيس الكهنة لا يرتدى ثيابه الكهنوتية المعتادة ، ثياب « المجد والبهاء » ( خر ٢٨ : ٢ ) بل ثياباً قذرة ، ويمكنك أن تتصور الشيطان وهو يشتكى علي يهوشع قائلاً له :
« تأمل ثيابك .. اُنظر كم هى قذرة .. لقد اتسخت بالخطايا.. فأنت والشعب الذى تمثله ارتكبتم الكثير من الآثام التى أعرفها أنا جيداً .. وأُريد أن أُذكّرك بها .. كيف تجرأت وأتيت إلي محضر الرب وأنت ملوث بهذه الآثام.. ألا تعرف أنك أنت وشعبك تستحقون الهلاك ؟ » ..
إبليس هو عدو يهوشع وشعبه ، وهو أيضاً عدو كل الخطاة مع أنه كثيراً ما يتظاهر بعكس ذلك ، وإحدي صور عداوته لهم هى محاولات تدمير معنوياتهم بثقل الإحساس بالذنب أو بتحريك أشخاص لإدانتهم .. لا شك أنه شجع سمعان الفريسى ليدين المرأة الخاطئة بما فعلته فى الماضى ( لو ٧ : ٣٩ ) ، وأيضاً الكتبة والفريسيين كى يمسكوا بامرأة تزنى ويأتوا بها إلي الرب مُقرّين برجمها ( يو ٨ : ٣ ـ ٥ ) .. لا تنسَ كيف كان جليات يُعَيِّر شعب الله فى وادى البطم أربعين يوماً صباحاً ومساءً ( ١ صم ١٧ : ١٦ ) .. إنه صورة لإبليس الذى يُذكّر الإنسان بآثامه ويعيّره بها باستمرار ..
وإبليـس كـاذب ، وصـفه الرب قائـلاً إنه « كـذاب وأبو الكـذاب » ( يو ٨ : ٤٤ ) ، وكذبه من النوع الخطير جداً .. فليس كل ما يقوله كذباً خالصاً بل يختلط ببعض الصدق لكى يسهل عليه خداع سامعيه.. فكلمة الله تقول بوضوح إن أجرة الخطية موت ، هلاك أبدى .. وإن عقاب المرأة الزانية هو الرجم ، وفى هذا لم يكذب إبليس .. إلا أنه يكذب حين يقول للإنسان ليس هناك طريق للخلاص .. لا يمكنك أن تنجو من العقاب .. أو حين يقول له افعل أعمالاً صالحة أكثر فهذه تُكفّر عن خطاياك ..
شكراً للرب ، فقد رآه زكريا فى رؤياه يمنع إبليس من مواصلة اتهامه ليهوشع .. رأي الرب ينتهر إبليس ويأمر بأن تُزال الثياب القذرة التى يلبسها يهوشع ليرتدى بدلاً منها ثياباً رائعة الجمال ( زك ٣ : ٢ ـ ٥ ) ..
شكراً للرب ، فقد أصمت سمعان الفريسى ولم يسمح له أن يتفوه بكلمة يدين بها المرأة فى محضره ( لو ٧ : ٤٠ ـ ٥٠ ) ..
شكراً للرب ، فلم يدع أحداً يرجم المرأة الزانية التى أُمسكت فى ذات الفعل .. أنقذها من أيديهم وقال لها « ولا أنا أَُدينك » ( يو ٨ : ١١ ) ..
شكراً للرب من كل القلب فهو يُريد أن يُريح كل خاطىء يُعيّره إبليس بسبب خطايا معينة ارتكبها .. كما يريد أن يريحه من ثقل الإحساس بالذنب .. نعم إنه يحب الخطاة جداً ولا يزال يدعوهم أن يأتوا إليه لكى ينالوا الراحة .. إنه يتحدث إلي كل منهم بكلمات كهذه :
« أتريد أن تخلع ثيابك القذرة مثل يهوشع ؟..
أتريد أن تخرج من قفص الاتهام وكأنك لم تخطىء ؟..
آمن أننى تحملت عقاب خطاياك بديلاً عنك .. لقد تحملت العقاب الذى تستوجبه الخطية لأجل يهوشع والمرأة الخاطئة والتى أُمسكت فى ذات الفعل ، كما من أجلك أنت ..
ومثلما سحق داود جليات وأنهي إلي الأبد صوته المُعَيِّر للشعب ، سحقت أنا إبليس مُعَيِّرك فى موقعة الجلجثـة .. هيا ضع ثقتك فىَّ .. اقبل خلاصى ، وستقدر أن تصمته » ..
وماذا يحدث للخاطىء حينما يصدق دعوة الرب يسوع ويؤمن أن الرب عوقب بديلاً عنه ، أنه صُلب وقام متحملاً دينونته ؟ .. هللويا، فى الحال يخرج من قفص الاتهام وكأنه لم يرتكب إثماً واحداً .. هللويا ، فالله القاضى الأعظم لا يراه متهماً .. يحسبه بريئاً .. وهذا ما تسميه كلمة الله بالتبرير ..
ما هو التبرير Justification ؟
كانت هذه الكلمة تُستخدم عادة فى ساحات القضاء .. يقول سفر التثنية « إذا كانت خصومة بين أُناس وتقدموا إلي القضاء ليقضى القضاة بينهم فليبرروا [ justify ] البـار ويحكموا [ condemn ] علي المـذنب » ( تث ٢٥ : ١ ) .. وحينما ينظر الله باعتباره القاضى الأعظم إلي الخاطىء ويعلن تبرئته أى أنه لم يعد مذنباً .. فهذا هو التبرير .. فى سفر أعمال الرسل نقرأ هذه الكلمات العظيمة للرسول بولس فى حديثه الهام ليهود أنطاكية بيسيدية « بهذا [بالرب يسوع ] يتبـرر كل من يؤمـن [ بالرب ] من كل ما لم تقدروا أن تتبرروا منه بناموس موسي [ أى عن طريق فعل الأعمال الصالحة ] » ( أع ١٣ : ٣٩ )..
ولكن التبرير ليس فقط أن تتبرر من ذنوبك أمام الله ، إنه أكثر من مجرد حكم بالبراءة .. التبرير هو ثلاثة أُمور معاً ..
- الأول .. الله لا يحسب للإنسان خطاياه ..
« طوبي للرجل الـذى لا يحسـب لـه الـرب خطيـة »
( رو ٤: ٨ )..
- الثانى .. الله يحسب للإنسان براً « righteousness» .. يحسب إيمانه براً له ..
« الذى .. يؤمن بالذى يُبَرِّر الفاجر فإيمانه يُحسب له براً » ( رو ٤ : ٥ ) ..
- الثالث .. الله يري الإنسان باراً « بلا لوم » ( أف ١ : ٤ ) لأنه يراه فى المسيح ..
« لا شىء من الدينونة الآن علي الذين هم فى المسيح يسوع » ( رو ٨ : ١ ) ..
الأمـر الأول
لا يحسب الله للإنسان خطاياه .. يُبرره من كل ذنوبه .. تساءل أيوب فى القديم « كيف يتبرر الإنسان عند الله » ( أى ٩ : ٢ ) .. لقد صمت الجميع أمام هذا السؤال ولم يتمكن أحد من الإجابة عليه حتي أتي اليوم العظيم الذى رُفع فيه الرب يسوع علي الصليب ثم مات وقام ، فأذاعت الرسالة إلي رومية هذا الخبر المدوى « [ الرب ] أُسلم [ للموت ] من أجل خطايانا وأُقيم لأجـل تبريرنا » ( رو ٤ : ٢٥ ).. ويا له من خبر مدهش !!
أُسلم من أجل خطايانا
من الذى أسلمه للموت ؟ .. لا ، ليس بيلاطس أو رؤساء الكهنة أو يهوذا الإسخريوطى أو من نادوا « اصلبه اصلبه » ( لو ٢٣ : ٢١ ) ، فلم يكن أحد يستطيع أن يمس جسده بأذي لو لم تكن هذه هى إرادته.. إنهـا محبتهالعظيمة لنا وطاعته كإنسان للآب اللتان جعلتاه يُسلم نفسه للصلب لأجل خطايانا .. تأمل كلمات إشعياء النبى المؤثرة القائلة عنه « مسحوق لأجل آثامنـا » ( إش ٥٣ : ٥ ) ..
فماذا فعلت آثامنا به وهو علي الصليب؟.. ألم تكن حملاً ثقيلاً جداً علي نفسه ؟.. علي الصليب رضى الرب أن يحمل أثقال خطايانا الكريهة ، وكم كان هذا أمراً بالغ القسـوة عليه وهو القـدوس الذى لم يـعرف خـطية .. تقول الرسالة الثانية إلي كورنثوس « لأنه [ الله الآب ] جعل الذى لم يعرف خطية [ المسيح يسوع ] خطية لأجلنا [ حين عُلّق علي الصليب ] » ( ٢ كو ٥ : ٢١ ) ..
حَمَلَ الرب الخطايا علي الصليب ، « صار خطية » مع أنه « لم يعرف خطية » .. يقول سفر إشعياء « أما الرب [ الآب ] فسـُر بأن يسحقه بالحزن [ أن يجعله مريضاً YLT ، حزيناً KJV ، متألماً NIV ] » ( إش ٥٣ : ١٠ )..
لقد احتمل الرب يسوع السحق والموت بديلاً عنا حتي يمكن للآب أن يبررنا من ذنوبنا دون أن يكون فى هذا أى تجاوز لما يتطلبه عدله المطلق .. وبكلمات أُخري لقد احتمل الرب يسوع السحق والموت « ليكون [ الآب ] باراً [عادلاً عندما ] يُبرِّر مَن هو من الإيمان بيسوع » ( رو ٣ : ٢٦ ) ..
أُقيم لأجل تبريرنا
سُحق الرب علي الصليب ومات ليقوم فى اليوم الثالث ، والقيامة تعنى أن الخطايا التى حملها يوم صُلِبَ لم يكن يحملها يوم قام ، لأنه لو بقيت خطية واحدة عليه لمـا كان ممكنـاً أن يقوم من الموت لأن أجرة الخطية هى موت ..
هللويا ، إن قيامته الظافرة تعلن إعلاناً ساطعاً أن سحقه علي الصليب وموته قد أوفي تماماً كل ما يطالب به العدل الإلهى من عقاب علي هذه الخطايا .. وحينما يؤمن الخاطىء بقلبه أن الرب قد مات لأجله ثم قام فإنه يتبرر من ذنوبه ، فالله فى هذه اللحظة يري الدم الثمين الذى سُفِكَ فوق الجلجثة فلا يحسب لهذا الخاطىء خطية .. لأنه إله عادل استوفي العقوبة كاملة فى المسيح حين عُلـِّق علي الصليب ..
الأمـر الثـانى
التبرير يعنى أيضاً أن الله يحسب للإنسان براً .. قارن بين هاتين الآيتين من سفر أعمال الرسل ورسالة رومية :
- « بهذا [ بالرب يسوع ] يتبرَّر كل من يؤمن [ بالرب ] من كل ما لم تقدروا أن تتبرروا منه بناموس موسي » ( أع ١٣: ٣٩ ) ..
- « القلب يؤمن به للبر » ( رو ١٠: ١٠ ) ..
فى الآية الأُولي يتحدث الرسول بولس عن التبرير من ذنوب الخطايا بينما يشير فى الثانية إلي أن الإنسان يصير له بر نتيجة لإيمانه .. تأمل أيضاً هاتين الآيتين من رسالة رومية :
- « يقول داود أيضاً فى تطويب الإنسان الذى يحسب له الله براً بدون أعمال . طوبي للذين غُفِرت آثامهم وسُتِرت خطاياهم . طوبي للرجل الذى لا يحسب له الرب خطية» ( رو ٤: ٦ ـ ٨ ) ..
- « الذى لا يعمل ولكن يؤمن بالذى يبرر الفاجر فإيمانه يُحسب له براً » ( رو ٤: ٥ ) ..
فى الآية الأُولي يتحدث بولس عن أن الله لا يحسب للخاطىء أية خطية أما فى الآية الثانية فالله يحسب للخاطىء براً وهذا هو الأمر الثانى لمعني التبرير .. وانتبه جيداً فالله لا يحسب أى عمل قام به الخاطىء براً ، بل يحسبفقط إيمانه براً .. تقول رسالة رومية عن هذا البر إنه « عطية البر » ( رو ٥ : ١٧ ) ، ورسالة فيلبى تؤكد إنه «البر الذى من الله » ( فى ٣: ٩ ) .. أى أنه ليس براً بسبب أعمال قمت بها ..
الأمـر الثـالث
ليس فقط أن الله لا يحسب للخاطىء خطاياه ويحسب إيمانه براً.. بل ما هو أعجب من ذلك أنه يراه بلا لوم .. لأنه لا يراه فى ذاته بل يراه « فى المسيح يسوع » لذا يراه بلا لوم ( أف ١: ٤ ).. تقول الرسالة إلي رومية « كما بمعصية الإنسان الواحد [ حينما عصي آدم الله ] جُعِل الكثيرون خطاة هكذا أيضاً بإطاعة الواحد [ أى بطاعة الرب يسـوع للآب فى قبـوله للصـليب ] سيُجعَـل الكثيرون أبــــراراً » ( رو ٥ : ١٩ ) .. وتقول رسالة كورنثـوس الثانيـة «نصير.. بر الله فيه [ فى المسيح ] » ( ٢ كو ٥ : ٢١ ) ..
يا للعجب ، الخاطىء يصير بر الله !!.. وبر الله كامل غير ناقص فى شىء ، لهذا لا تستطيع أن تضيف إليه شيئاً بأى عمل تقوم به.. تأمل كيف أذاع الرسول بولس هذا الحق العظيم فى هتافه المذهل « لا شىء من الدينونة الآن علي الذين هم فى المســيح يســوع » ( رو ٨ : ١ ) ..
هللويا .. إذ يؤمن الخاطىء إيماناً قلبياً حيّاً بالرب يسـوع يصبح « فى المسيح » ، فيصير « بر الله فيه » ، ويراه الآب باراً .. والنتيجة التى تجعله يتهلل « لا شىء من الدينونة الآن » عليه ..
نـوال التبريـر
التبرير بأُموره الثلاثة لا يمكن أن يناله الخاطىء بأى أعمال يقوم بها.. فأعمال البشر مهما سمت تظل غير نقية وناقصة فى نظر الله القدوس الذى لكماله المطلق السموات نفسها تصبح غير نقية والملائكة يصيرون حمقي «السموات غير طاهرة بعينيه » ( أى ١٥: ١٥) و « إلي ملائكته ينسب حماقة » ( أى ٤: ١٨ ) لذا نقرأ فى سفر أيوب « كيف يتبرر الإنسان عند الله وكيف يزكو مولود المرأة . هوذا .. الكواكب غير نقية فى عينيه » ( أى ٢٥ : ٤ ،٥ ) .. ولهذا تقول كلمة الله « ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله » ( مر ١٠ : ١٨ ).. « ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد » ( رو ٣ : ١٢ ) ..
لا ، لا يمكن لأحد أن يكون باراً بلا ذنوب فى عينى الله القدوس عن طريق أعمال يقوم بها .. وكلمة الله تؤكد لنا هذه الحقيقة فى كل من أسفار العهد القديم والجديد فى آيات عديدة منها علي سبيل المثال :
- فى العهد القديم نسمع إشعياء يقول « صـرنا كلنا [ بلا استثناء ] كنجـس وكثـوب عـدة [ قذر ] كل أعمال برنا» ( إش ٦٤ : ٦ ) ..
- كما نسمع داود يقول لله « لا تدخل فى المحاكمة مع عبدك فإنه لن يتبرر قدامك حى » ( مز ١٤٣ : ٢ ) ..
- وفى العهد الجـديد نقرأ كلمات الرسول بولس الواضحة « لأنه بأعمال الناموس [ طاعة الوصايا ] كل ذى جسد لا يتبرر أمامه » ( رو ٣ : ٢٠ ) ..
كيف إذاً يتبرر الإنسان أمام الله ؟ .. يا للإعلان المجيد ، الإنسان ينال البر من الله عطية مجانية .. بالنعمة .. تصف رسـالة رومية مؤمنى العهد الجديد بأنهم « الذين ينالـون فيض النعمـة وعطـية البـر » ( رو ٥ : ١٧ ) ..فالبر عطية ، وكيف ننالها ؟ .. مجاناً بالإيمان .. مكتوب « القلب يؤمن به للبر » ( رو ١٠ : ١٠ ) .. وحينما يؤمن الخاطىء ، فالله يحسب إيمانه براً له « أما الذى لا يعمل ولكن يؤمـن بالذى يبـرر الفاجـر فإيمـانه يُحسـب له بـراً» ( رو ٤ : ٥ ) .. مستحيل أن يحصـل أى إنسان علي البر بأعمـال يقـوم بها مهما كانت ..
أيها القارىء الحبيب ، كلمة الله قاطعة فى إعلانها هذا الحق الثمين : إن التبرير أمام الله ليس بالأعمال بل بالإيمان .. لذا خصص الروح القدس رسالتين للحديث بتركيز عن هذا الحق الثمين ، وهما رسالتا غلاطية ورومية ..الأُولي ركزت علي جانب النفى ، إن التبرير ليس بالأعمال .. والثانية علي جانب الإثبات ، إن التبرير بالإيمان ..
١ـ التبرير أمام الله ليس بالأعمال
هذا ما أبرزته الرسالة إلي غلاطية ، ولنقرأ معاً بعضاً من آياتها :
- « نعـلم أن الإنسـان لا يتبـرر بأعمـال الناموس [ بطاعة الـوصـايـا ].. بأعمــال النـامـوس لا يتبـرر جســد مـا » ( غل ٢ : ١٦ ) ..
- « إن كان بالناموس [ طاعة الوصايا ] بر فالمسيح إذاً مات بلا سبب » ( غل ٢ : ٢١ ) ..
- « جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة [ لأنهم حتماً سيفشلون فى طاعته بالكامل ] » ( غل ٣ : ١٠ ) ..
- « ليس أحـد يتبرر بالناموس [ طـاعة الوصـايا ] عنـد اللـه » ( غل ٣ : ١١) ..
- « قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس . سقطتم من النعمة » ( غل ٥ : ٤ ) ..
ولاحظ إن المقصود بالناموس ليس فقط وصايا العهد القديم الطقسية بل أيضاً الوصايا الخاصة بالسلوك ، الأعمال الجيدة .. والدليل علي ذلك هاتان الآيتان من رسالتى غلاطية ورومية :
- « لأن كل الناموس فى كلمة واحدة يكمل . تحب قريبك كنفسك » ( غلا ٥ : ١٤ ) ..
- « لم أعرف الشـهوة [ أنها خطيـة ] لو لم يقل الناموس لا تشته » ( رو ٧ : ٧ ) ..
٢ـ التبريـر بالإيمـان
والآن تعال معى إلي رسالة رومية لنري كيف يؤكد الوحى أن تبرير الإنسان أمام الله هو بالإيمان ..
- « أما الآن فقد ظهر بر الله .. بر الله بالإيمان بيسوع المسيح.. علي كل الذين يؤمنون » ( رو ٣ : ٢١ ، ٢٢ ) ..
- « نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمـال النامـوس» ( رو ٣ : ٢٨ ) ..
- « الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذى يبرر الفاجر فإيمانه يُحسب له براً » ( رو ٤ : ٥ ) ..
- « إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله » ( رو ٥ : ١ ) ..
- « القلب يؤمن به للبر » ( رو ١٠ : ١٠ ) ..
أيها الحبيب ، هكذا أكد الوحى أن تبرير الإنسان أمام الله ليس بالأعمال ( رسالة غلاطية ) بل بالإيمان إيمان القلب ( رسالة رومية ) .. فالتبرير هو عطية الله المجانية للإنسان والتى يهبها الله له نتيجة لإيمانه القلبى ..
قارئى العزيز .. إن ثقة المؤمن بأنه نال التبرير مجاناً بالنعمة لا تجعله شخصاً لا يهتم بأن تكون أعماله حسنة .. العكس هو الصحيح تماماً فيقينى أن الرب بررنى مجاناً يدفعنى لحبه بشدة .. والحب هو أقوي دافع لإرضاء المحبوب [ الرب ] بالهروب من الخطية والاجتهاد فى طاعة وصاياه ..
لقد نال داود البر مجاناً بدون أعمال ( مز ٣٢ : ١ ، ٢ ، رو ٤: ٦ ـ ٨ ) فهل تحوّل إلي شخص لا يكترث بأن تكون أعماله كما يريدها الله؟.. كلا ففى مزمور ٠٣١ يتحدث إلي الله قائلاً له :
« لأن عندك المغفرة لكى يُخاف منك » ( مز ١٣٠ : ٤ )
وليس المقصود فى هذه الآية الخوف من الله الذي يجعلك ترتعب منه فتهرب من محضره بل خوف الحب .. خوف المُحب من أن يُحزن قلب مَن يحبه .. أيها الحبيب ، يقينك أن الله قد بررك مجاناً بدون أعمال ، وأنك لم تدفع أى ثمن لأن الثمن سُدِّدَ كاملاً في الصليب يدفعك أن تحبه حباً عظيماً ، فتخاف أن تجرح قلبه المحب بخطايا ترتكبها ..
لم يتحدث أحد مثلما تحدث الرسول بولس [ مُلهماً من الروح القدس ] عن النعمة .. فقد تبرر بالنعمة ( رو ٥ : ١ ، ٢ ) ، وأُختير رسولاً بالنعمة ( ١ كو ١٥ : ٩ ، ١٠ ) ، وصار له امتياز أن يبشر بغني المسـيح بالنعمة (أف ٣ : ٨ ) .. ومـع هذا فلم يعمل إنسـان لامتـداد ملكـوت الله مثلـه ( ٢ كو ١١ : ٢٣ ) .. فإدراكك أن الله يتعامل معك بالنعمة لن يقودك إلي الاستهتار أو التكاسل بل إلي الحرص علي طاعته والانشغال بأُموره بسبب الحب ..لهذا كان الرسول بولس حاسماً فى موقفه من الذين ظنوا فى كلماته عن النعمة أنها تشجع علي ارتكاب السيئات .. قال إنهم فى هذا يفترون عليه :
« كما يُفتري علينا وكما يزعم قوم أننا نقول لنفعل السيآت لكى تأتى الخـيرات . الذين دينونتهم عادلة »
( رو ٣ : ٨ )
تعليـم النعمـة
والآن اُنظر إلي هذا المقطع الذهبى من الرسالة إلي تيطس :
« لأنه قد ظهرت نعمة الله المـُخلـِّصة لجميع الناس مُعلـّمة إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية ونعيش بالتعقل والبر والتقوي فى العالم الحاضر منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح » ( تى ٢ : ١١ ـ ١٣ ) ..
ماذا يقول هذا المقطع؟ .. حقيقة عظيمة ، إن النعمة تُعَلّم.. ومَن تعلم ؟.. مع أن المقطع يعلن أن النعمة ظهرت لجميع الناس كنعمة مُخَلّصة ، لكنه لم يقل إنها تُعلّم جميع الناس بل « معلمة إيانا » .. فهى لا تُعَلّم الجميع بل فقط الذين خلصتهم .. هؤلاء الذين تبرروا بالإيمان ونالوا الحياة الأبدية ..
ولاحظ أنه لم يقل قد ظهرت نعمة الله المخلِّصـة آمـرة إيانا بل « مُعَلِّمة إيانـا ».. ولاحـظ أيضـاً أن كلمـة « مُعَلّمة » فـى الأصـل اليونـانى هـى « paideuo » التى تُطلق علي تعليم الأولاد (٣) .. وتأتى فى زمن المضارع المستمر ، فتعليمها للمؤمن تعليم متواصل ..
وهكذا فالنعمـة مدرسـة عظيمة تفتح أبوابها لمن تبرروا بها لتُعلِّمهم تعليماً متواصلاً ، ولكنها مدرسـة تختلف تمـاماً عن مدرسة الناموس .. فالناموس أيضاً مدرسة .. تقول رسالة غلاطيـة « قبلما جاء الإيمان كنا محروسين تحت الناموس مغلقاً علينا .. إذاً قد كـان النامـوس مؤدِّبنا إلي المسيح لكى نتبرر بالإيمان . ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب [ ناظر مدرسة KJV] » ( غل ٣ : ٢٣ ـ ٢٥ ) ..
ومدرسة الناموس صارمة تُعَلّم بالتهديد والوعيد ( تث ٢٨ ) .. هللويا فهى لم تستمر طويلاً ، كان وجودها مؤقتاً إلي أن فَتَحَت مدرسـة النعمة أبوابها .. ويا لها من مدرسة مختلفة ، لا تُعلّم بالأمر والنهى ، بل بأثرها العظيم والمستمر علي القلب .. فما لم يقدر الناموس أن يعلّمه للإنسان عَلَّمَته النعمة وبنجاح .. فكم تؤثر فى القلب !!
ثلاثة دروس
يقول لنا مقطع رسالة تيطس إن مدرسة النعمة تُعَلّم المؤمنين ثلاثة دروس رئيسية :
أن ننكر .. أن نعيش .. أن ننتظر ..
أولاً : أن ننكر الفجور والشهوات العالمية
لاحظ أنه لا يقول نترك الفجور بل الكلمة الأقوي ننكر « arneomai » التى تعنى أن نقول لا بكل كياننا .. النعمة تُعَلِّمنا أن نقول لا للخطية بكل ما فينا من قوة .. فإدراكنا للنعمة التى عاملنا بها الرب يدفعنا أن نحبه جداً ، وبالتالى نبغض جداً الخطية التى يبغضها وأيضاً إبليس الذى يقاومه « ألا أبغض مبغضيك يا رب وأمقت مقاوميك » ( مز ١٣٩ : ٢١ ) ..
ثانياً : أن نعيش بالتعقل والبر والتقوي
إدراكى لغني النعمة التى عاملنى بها الله يدفعنى أن أعيش كما يريد هو لى .. أعيش بالتعقل والبر والتقوي ..
- أعيش بالتعقل « ضبط النفس self – controlled (NIV) » أى أن أتحكم فى نفسى .. لا إدانة فى الفكر ، ولا احتداد مؤذى فى الحديث ، ولا نَهَم فى تناول الطعام ..
- أعيش بالبر .. أى أفعل كل ما يريدنى الله أن أفعله فى علاقتى مع الآخرين .. أعمل وأتكلم معهم لبنيانهم وليس لهدمهم ( كو ٤ : ٦ ) ، أُشارك فى حمل أثقالهم ( غل ٦ : ٢ ) ، أُقدّم بسخاء لمن له احتياج ( أف ٤ : ٢٨ ).. وأكون أميناً فى الحديث كما فى التصرف وأتعامل مع الجنس الآخر بكل طهارة ( ١ تى ٥ : ٢ ) ..
- أعيش بالتقوي فى علاقتى مع الله .. يكون هو الأول دائماً .. له حبى الأول ( رؤ ٢ : ٤ ) وأُموره لها اهتمامى الأول ( مت ٦ : ٣٣ ) أما التواجد فى محضره فهو اشتياقى الأول ..
ثالثاً : أن ننتظر مجىء الرب
القلب يتعلق به منتظراً مجيئه .. فلولا صلبه وموته لأجلى لما تمكّن الله أن يعاملنى بالنعمة ، أن يبررنى مجاناً .. لقد دفع الرب الثمن كاملاً بدلاً منى .. إن تأثرى بهذا الحق يجعلنى أنتظر هذا اليوم المجيد حينما ينزل من السماء يصاحبه هتاف رئيس الملائكة وبوق الله ثم أنا وأنت وكل المؤمنين المبررين نُخطف لملاقاته فى الهواء ( ١ تس ٤: ١٦ ، ١٧ ) ..
الفريسى والعشار
قارئى العزيز ، كم هو مناسب تماماً أن نختتم حديثنا عن البر عطية الله المجانية لنا بالتأمل فى مَثَل الفريسى والعشار الذى قاله الرب يسوع وأعلن فيه بكل وضوح أن الخاطىء لا يتبرر أمام الله بأعماله بل مجاناً بالنعمة ..بالإيمان .. قال الرب :
« إنسانان صعدا إلي الهيكل ليصليا واحد فريسى والآخر عشار . أما الفريسى فوقف يصلى فى نفسه هكذا . اللهم أنا أشكرك أنى لست مثل باقى الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار . أصوم مرتين فى الأسبوع وأُعَشِّر كل ما أقتنيه . وأما العشار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء . بل قَرَعَ علي صدره قائلاً اللهم ارحمنى أنا الخاطىء . أقول لكم إن هذا نزل إلي بيته مبرراً دون ذاك »
( لو ١٨ : ١٠ ـ ١٤ )
أتي الفريسى معتمداً علي أعماله ، وكانت عظيمة جداً فى عينيه فهو :
- لا يخطف ..
- ولا يظلم ..
- ولا يزنى ..
بل :
- يذهب إلي الهيكل ليصلى ..
- يصوم مرتين فى الأسبوع ..
- يُعشّر كل ما يقتنيه ..
رغم كل هذا عاد إلي بيته غير مبرراً أى عاد وخطاياه لم تُغفر ، وهذا معناه كارثة كبري ، فلو مات فإنه سيهلك إلي الأبد .. ببساطة لأن الله يراه خاطئاً وليس باراً لأن أعماله لم تقدر أن تغفر له خطاياه ..
وماذا عن العشار ؟ .. إنه يمثل أشر الخطاة ، فالعشارون كانوا يُعتَبَرون هكذا فى ذلك الوقت .. لم يستند العشار علي أعماله .. والحقيقة أنه لم تكن له أية أعمال .. لكنه فى أحد الأيام ذهب إلي الهيكل بهدف الصلاة .. وَقَفَ يصلى وأمامه المذبح النحاسى الذى كانت تُقدم عليه الذبائح التى تشير إلي موت الرب يسوع الكفارى على الصليب .. وقف يصلى ولم يكن هناك أى شىء يقدر أن يستند عليه كى يقبله الله سوي كفارة هذه الذبائح .. لقد طلبرحمة الله مستنداً علي هذه الكفارة .. قَرَعَ علي صدره متوسلاً « اللهم ارحمنى أنا الخاطىء » ..
إن كلمة « ارحـمنى » هـى الكلمـة اليونانيـة « hilastheeti » التـى من الفعـل « hilaskomai » الـذى يعـنى أيضـاً يُكَفـّر .. لقد تُرجِم الفعل العبرى المعروف « kippur » والذى معنـاه يُكفـّر إلي هـذا الفعـل اليونانـى « hilaskomai» فى الترجمة السبعينية للعهد القديم نحو ثمانين مرة (٤) ، كما وَرَدَ هذا الفعل « hilaskomai » بهذا المعني فى الترجمة العربية « فان دايك » التى بين أيدينا فى الرسالة إلي العبرانيين :
« رئيس كهنة .. يُكَفّر [ hilaskomai ] خطايا الشعب»
( عب ٢ : ١٧ ) ..
وهكذا فإن كلمة « ارحمنى » هى ترجمة للكلمة اليونانية المشتقـة مـن « hilaskomai » ولهذا يمكن ترجمتها بعبارة « كفّر لى » ..
أيها الحبيب ، بإمكاننا أن نقرأ صلاة العشار هكذا :
« اللهم كن كفارة لى أنا الخاطىء »
” God be propitious to me – the sinner [YLT]”
وكلمـة « الخـاطىء » فـى الأصـل اليونانـى مسـبوقـة بـأداة تعـريـف « the sinner » ، مما يعنى أن العشار كان يري نفسه وكأنه الخاطىء الوحيد فى العالم أو أنه أشر جميع الخطاة (٥) ..
هللويا ، فالرب يقول عن أشر الخطاة إنه عاد مبرراً .. لقد تبرر العشار أمام الله لأنه لم يستند علي أعمال قام بها بل علي رحمة الله ، علي كفارته .. آمن برحمة الله وكفارة الذبائح المقدمة علي المذبح ( التى تشير إلي ذبيحة الصليب ) فنال البر مجاناً .. ويا له من معني ؟ .. الله لم يعد يراه خاطئاً يستحق الهلاك .. الله يراه الآن باراً « بلا لوم » .. لا يوجد ما يعوقه عن دخول ملكوت الله .. كما لا يستطيع إبليس أن يشير إلي ذنوبه، فالله قد برره ..
لم يعد أشر الخطاة .. صار أميراً مع الله ..
هللويا فأنا أيضاً كذلك مبرر بالإيمان .. بالنعمة ..
صرت أميراً مع الله .. لن يعاملنى كخاطىء بل كابن ..
وأميراً من الله .. سأحيا بالتعقل والبر والتقوي ..
سأحيا خاضعاً لمن بررنى مجاناً .. إننى له بجملتى ..



