١١ – جعلني باراً – ارتداء الدرع
الفصـل الثاني
ارتداء الدرع
مَن يصدق هذا الخبر المذهل ؟.. إن الخطاة مهما كانت شرورهم مدعوون لقضاء الأبدية التى بلا نهاية فى فرح لا يوصف ومجد لا يُعبَّر عنه ، وهم ينظرون وجه ملك الملوك ورب الأرباب الأروع جمالاً والأبهي منظراً وبجوارهم النهر الصافى اللامع كالبللور ، نهر الروح ، النهر العجيب ، المنعش كل حين وبلا حدود ( رؤ ٢٢ ) ..
مَن يُصدق ذلك ؟.. أنهم مدعوون لقضـاء الأبديـة التى بلا نهاية فى السماء الجديدة حيث لا ليل ولا احتياج إلي سـراج أو نور شمس، فملك الملوك بذاته سينير عليهم .. وهو بنفسه سيرعاهم وسـيقتادهم إلي ينابيع مـاء حيـة ( رؤ٧ : ١٧ ) .. بل حتي أجسـادهم سـتتغير إلي صـورة جسـد مجده ( فى ٣ : ٢١ ) ..
مَن يصدق أن يكون الفاجر مدعواً لينال هذه الحياة الأبدية المجيدة .. مجاناً .. بالنعمة .. « أما هبة الله فهى حياة أبدية » ( رو ٦ : ٢٣ ) ؟.. وهو ليس مدعواً فقط لهذه الأبدية بل أيضاً لقضـاء أيامه الباقيـة علي الأرض فى راحـة وسلام ونجاح .. لا يعوزه شىء ، ويحيا مع الله كأمير ..
الكثيرون لا يصدقون هذه الأخبار المدهشة .. لا يصدقون نعمة الله الغنية التى تعلن أن أمجاد السماء التى لم ترها عين ولم تسمع بها أُذن ولم تخطر علي بال إنسان يمكن أن تكون لإنسان خاطىء مثلهم .. « إشعياء يقول يارب من صدّق خبرنا » ( رو ١٠ : ١٦ ) .. أما كلمة الله فتؤكد « لأنكم بالنعمة مُخَلَّصون بالإيمـان وذلك ليس منكـم . هو عطية الله. ليس من أعمال » ( أف ٢ : ٨ ، ٩ ) .. « [ الخاطىء ] الذى لا يعمل ولكن يؤمن بالذى يبرر الفاجر فإيمانه يُحسب له براً » ( رو ٤ : ٥ ) ..
كل خاطىء يصدق هذه الأخبار المذهلة فيتحول عن طريق الإثم ويضع ثقته فى المخلص الرب يسوع ، فإنه يخلص من الهلاك وينال الحياة الأبدية ، ويتبرر من خطاياه وإيمانه يُحسب له براً ..
دعنى أُقدم لك مثالين من الكتاب المقدس يُعمقان فِهمنا للحق الخاص بالتبرير أمام الله .. سنُحدثك عن هابيل من العهد القديم ثم بولس الرسول من العهد الجديد ..
أولاً : هابيـل
تسرد الرسالة إلي العبرانيين فى أصحاحها الحادى عشر قائمة بأسماء أبطال الإيمان ، وتبدأ قائمتها بهابيل وتبرز لنا إيمانه بمقارنته بأخيه قايين :
« بالإيمـان قـدّم هابيل لله ذبيحة أفضل من قايين . فبـه شُهد له أنه بـار إذ شهد اللـه لقرابينـه . وبه وإن مـات يتكـلم بعـد » ( عب ١١ : ٤ ) ..
لماذا شُهد له أنه بار ؟ .. هل بسبب أعمال قام بها ؟.. كلا ، الرسالة تقول « فبه [ أى بالإيمان ] شُهد له أنه بار [ NIV ] ».. إيمانه بماذا ؟.. لا شك أنه كانت لديه كلمـة من الله ليؤمن بها لأن « الإيمـان بالخـبر والخبر بكلمة الله » ( رو ١٠ : ١٧ ) .. فما هى هذه الكلمة التى آمن بها وكيف عرفها ؟.. من المؤكد أنه سمع من أبويه آدم وحواء أنه خاطىء مثلهما ويحتاج أن يقدم لله ذبيحة دموية كى تُغفر خطاياه ويُقبل منه .. وربما أخبراه بما فعله الله معهما ، لقد ذبح بنفسه حيواناً وغطي بجلده عريهما الذى كان بسبب الخطية .. آمن هابيل بما سمعه .. أنه إنسان خاطىء يحتاج لذبيحة الدم للتكفير عن خطاياه .. وتقول الرسالة إلي العبرانيين إنه بهذا الإيمان صار باراً .. مع أنه فى ذاته خاطىء لأنه ابن آدم الخاطىء ..
وماذا عن قايين أخيه ؟ .. يقول سفر التكوين :
« كان قايين عاملاً فى الأرض . وحدث من بعد أيام أن قايين قدّم من أثمار الأرض قرباناً للرب . وقدّم هابيل أيضاً من أبكار غنمـه ومن سمانها . فنظر الرب إلي هابيل وقربانه . ولكن إلي قايين وقربانه لم ينظر » (تك ٤ : ٢ ـ ٥ ) ..
تأمل ، لقد كان قايين شخصاً متديناً .. فها هو يقدم قرباناً لله .. لكنه قَدَّمَ من ثمر عمله .. من تعبه .. من عرق جبينه .. لم يُقدِّم ذبيحة يؤمن بأنها تُكَفِّر عن خطاياه .. اعتمد علي أعماله أنها تعطيه البر أمام الله متناسياً أنها ملوثة بسبب طبيعته الفاسدة .. وتأمل كيف تقول رسالة يوحنا الأُولي عنه إنه « من الشرير [ إبليس ] » ( ١ يو ٣ : ١٢ ) ، فالشيطان يشجع الخاطىء أن يستند علي بره البشرى الذى مصدره أعماله بدلاً من البر المجانى الذى يعطيه الله بسبب الإيمان .. والنتيجة أن قايين لم يصر باراً أمام الله كهابيل .. ولم ينظر الله إلي قربانه ..
هكذا أيها الحبيب ، ليس بالتدين يتبرر الخاطىء أمام الله .. فكل أعماله مهما سمت فـى عىنيـه هـى أعمال ميتة فـى نظر الله بسبب أن طبيعته فاسدة .. لقد صار هابيل باراً ، أى تبرر أمام الله كما تقول الرسالة إلي العبرانيين بسبب إيمانه بالذبيحة .. كما تضيف الرسالة قائلة :
« به [ بالإيمان بالذبيحة ] وإن مات يتكلم بعد »
( عب ١١ : ٤ )
لا تزال قصة هابيل تتكلم بقوة عن أن الإيمان بالذبيحة هو الذى يجعلك باراً أمام الله .. لا ، لن يتبرر الخاطىء أمام الله بأعمال ما .. سيتبرر فقط إذا آمن إيماناً قلبياً حياً أن الرب يسوع قَدَّمَ ذاته علي الصليب ذبيحة لأجله وكل أعمال يحاول الخاطىء أن يقوم بها لإزالة خطاياه ليتبرر أمام الله هى أعمال ميتة لا قيمة لها.. لا ينظر إليها الله ..
ثانياً : بولـس
هناك مثال آخر للتبرير يُقدمه لنا الوحى ، هو الرسول بولس.. وأدعوك أن تُقارن معى بين هاتين العبارتين اللتين نطق بهما هذا الكارز العظيم :
- « لست أشعر بشىء فى ذاتى . لكـننى لسـت بذلك مـبرراً » ( ١ كو ٤ : ٤ ) ..
- « فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله » ( رو ٥ : ١ ) ..
هل تري تعارضاً فى أن يقول بولس فى الأُُولي إنه ليس مبرراً بينما يؤكد فى الثانية إنه قد تبرر ؟.. لا ، ليس من تعارض ، ففى الأُولي نظر بولس إلي أعماله ، أما فى الثانية فإلي إيمانه .. نظر بولس إلي أعماله وخدمته العظيمة لسيده فلم يجد شيئاً قد فَعَلَه يستحق عليه اللوم، فقال صادقاً « لست أشعر بشىء فى ذاتى » .. ولكن لأنه كان يعلم أن أعمال الإنسان مهما سمت لا تُبرر صاحبها أمام الله ، استطرد قائلاً « لست بذلك مُبرراً » ..
وفى العبـارة الثانيـة يؤكـد لنا أنه مـبرر أمـام اللـه ، لكن ليس علي أسـاس أعماله ، بل لأنه آمن بالرب يسوع إيماناً حيّاً .. ولاحـظ أن زمن فعل « تبررنا » فى الآية الثانية هو فى الأصل اليونانى « aorist participle » الذى يشير إلي حدث تم فى لحظة معينة فى الماضى .. يقول الرسول إنه تبرر أمام الله منذ تلك اللحظة التى آمن فيها إيماناً قلبياً حيّاً بالرب يسوع وصار له سلام مع الله .. فمنذ تلك اللحظـة ، والله باعتبـاره القاضـى الأعظـم لا يحسـب له خطيـة بل حسب له إيمانه هذا براً .. تأمل هذه الكلمات القاطعة التى أعلن بها بولس يقينه بأنه نال البر ، تبرر أمام الله بسبب إيمانه بالرب يسوع :
« ليس لى برى الذى من الناموس [ بالأعمال ] بل الذى بإيمان المسيح البر الذى من الله بالإيمان » ( فى ٣ : ٩ ) ..
النتـائـج
قارئى العزيز .. توجد ثلاث نتائج رئيسية لنوال التبرير تتعلق بالضمير والوعود ومواجهة إبليس ..
أولاً : الضـمير
يا لسعادة الخاطىء حينما يتبرر « طـوبي للرجل الذى لا يحسب له الرب خطية » ( رو ٤ : ٨ ) .. بإمكانه كما يقول سـفر أيـوب أن يغنى بين الناس ويقول « قد أخطأت وعوَّجت المستقيم ولم أجاز عليه » ( أى ٣٣ : ٧٢ ) ..
نعم يا للفرح الذى يأتى للإنسان الذى يتبرر ويا للسلام الحقيقى الذى يأتى لضميره ، يقول الرسـول بولس « إذ قد تبررنا بالإيمان [ بقبـول الرب يسوع بديـلاً عنا ] لنا سلام مع الله » ( رو ٥ : ١ ) .. السلام مع الله هو سلام للضمير .. فالضمير لا يعود يوجه لصاحبه الاتهامات المُعَذِّبة لأنه يعرف أنه قد تبرر أمام الله .. التبرير يُبطل كل شكايات الضمير المـُحطـِّمة وينهى شعور صاحبه المستمر بالذنب ( عب ١٠ : ٢ ) ..
نعم المؤمن يُبكََّت عندما يخطىء ، يبكته الروح القدس ولكن فى جو من الأمان والإحساس بأنه ابن محبوب جداً لأبيه لا يحتاج أن يقوم بأى أعمال للتكفير عن خطاياه بل فقط أن يرفضها ويعترف بها لأبيه الذى يحبه ..
لقد أنكر الرسول بطرس الرب يسوع أمام جارية ، مع هذا لم يحيا بقية عمره يئن من ثقل الإحساس بالذنب .. تأمله بعد أقل من شهرين من تلك الحادثة يوبخ اليهود كى يتوبوا قائلاً :
« أنتم أنكرتم القدوس البار » ( أع ٣ : ١٤ )
لقد أنكروا الرب مثله ولكن لا شك أن إنكاره هو كان الأسوأ .. فقد أنكره أمام جارية عديمة القوة ، أما هم فأمام الوالى الذى يتحكم بأُمورهم .. فكيف استطاع بجرأة أن يوبخهم علي خطية ارتكبها هو أيضاً وبصورة أسوأ ؟ .. إنه التبرير الذى يرفع تماماً كل إحساس بالذنب كأنك لم تخطىء ..
اُنظر أيضاً إلي الرسول بولس ، كم من جرائم ارتكبها قبل أن يقابله الرب فى الطريق إلي دمشق ( أع ٩ ) .. استمع إلي اعترافاته « كنت قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً » ( ١ تى ١ : ١٣ ) .. « كنت أضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها » ( غل ١ : ١٣ ) .. « حبست فى سجون كثيرين من القديسين آخذاً السلطان من قِبَلِ رؤساء الكهنة . ولما كانوا يُقتلون ألقيت قرعة [ كان صوتى ضدهم KJV, NAS ] بذلك . وفى كل المجامع كنت أُعاقبهم مراراً كثيرة وأضطرهم إلي التجديف . وإذ أفرط حنقى عليهم كنت أطردهم إلي المدن التى فى الخارج » ( أع ٢٦ : ١٠ ، ١١ ) ..
هللويا ، فلم يحيا بولس بقية أيام حياته علي الأرض مُعذباً من ضميره ، يئن من أثقال الذنوب .. كلا ، فقد تحرر تماماً من الإحساس بالذنب لأنه آمن بهذه الحقيقة العظمي .. أنه تبرر أمام الله يوم آمن بالرب يسوع ..
لا ، لم يقضِ أيامه مُكبّلاً بالذنب بل منطلقـاً يخدم الرب بفـرح عجيب ( اقرأ رسالة فيلبى ) ، متمتعاً بسلام حقيقى مع الله .. وتأمل فقد انتقاه الروح القدس ( أع ١٣ : ٢ ) ليبشر بهذا الفرح وذلك السلام .. ودَوَّنَ الرسالة العظيمة إلي رومية التى تُبَشِّر بتبرير المجرم بالإيمان ( رو ٤ : ٥ ) ..
أيها الحبيب ، ثقتك أنك تبررت أمام الله تجعـلك تحيـا فى راحة من الذنب ، فلا تتوقع أى كارثة عقاباً لك من الله بسبب خطاياك.. فبسبب التبرير لم يعد الله قاضياً بالنسبة لك بل أب .. وعرشه تحول من عرش للقضاء إلي عرش للنعمة ( عب ٤ : ١٦ ) ، ولم يعد يراك مُذنباً أو يعاملك كمذنب بل كأمير .. كابن له ..
نعم ، لا يغب عن ذهنك أنه حتمـاً سيؤدبك إذا واصلت ترحيبـك بالخطية ، لكن ما أبعد الفرق بين قاضى يحكم بعقوبة لابد أن تُستوفي كاملة وبين أب يؤدب ابنه لمنفعته ..
لا ، لن تُعاقب لأن الرب يسوع عوقب بدلاً منك ، بل ستؤدب ولتعلم أنك تؤدَب من أعظم أب فما أعظم حبه وحكمته !! ولتعلم أيضاً أن تأديبه لك سيتوقف فى الحال حينما يتحقق الهدف منه .. حينما تتعلم الدرس وتبغض الخطية من القلب ..
فلتفرح جداً أنك مبرر ، فكل الذين تبرروا لهم أن يهتفوا بفرح مع الرسول بولس قائلين « لا شـىء من الدينونـة الآن علي الذين هم فى المسيح يسوع » ( رو ٨ : ١ ) .. رجاء قُل الآن بإيمان « لا دينونة الآن علىَّ لأنى فى المسيح يسوع » ..
ثانياً : الوعـود
يا لها من حقيقة عظيمة أنه بسبب إيمانى القلبى بالرب يسوع فإننى تبررت والله حسب إيمانى براً ويرانى « فى المسيح » باراً .. ولهذا لى أن أتمسك بكل وعود الله العظيمة التى وعد بها الإنسان البار فى الكتاب المقدس .. لى كل امتيازات الأبرار ، هللويا .. وكمثال حينما أقرأ « أما البر فيُنجّى من الموت » ( أم ١١: ٤ ) فلأقـل لنفسى الله سينجينى من الخطر لأنه يحسبنى باراً .. وعندما أقرأ « طلبة البار تقتدر كثيراً فى فعلها » ( يع ٥ : ١٦ ) أُعلن إيمانى أن الله سيستجيب صلاتى لأنه يرانى باراً .. نعم ما أعظمها آية :
« متبررون الآن » ( رو ٥ : ٩ )
ثالثاً : مواجهة إبليس
يقينى بأننى مبرر يحمينى من هجمات إبليس ولاسيما حينما يحاربنى من خلال :
- الاتهامات
- أعمال السحر
الاتهـامـات
ما أقوي الكلمات التى قالها الرسول بولس « من سيشتكى علي مختارى الله [ الجواب لا أحد ] . الله هو الذى يبرر . من هو الذى يدين [ الجواب أيضاً لا أحد ] » ( رو ٨ : ٣٣ ، ٣٤ ) .. فإذا كان الله هو الذى حسبنا بلا خطيـة ، فمن يقدر أن يديننا .. هكذا لن يقدر إبليس أن يشتكى عليك أمام الله مثلما فعل مع أيوب ( أى ١ : ٦ ـ ١٢ ) .. وإذا أتي إليك لكى يشير إلي خطايا فعلتها بهدف أن ينزع سلامك أو للتشكيك بشأن خلاصك ، انتهره بسلطان وقل له الله هو الذى بررنى فمن أنت حتي تديننى .. لا ، لن تستطيع ..
أيها الحبيب ، عادة ما يستغل إبليس اجتيازك فى ضيقة كى يوجه اتهاماته إليك .. يشير إلي الضيقة هامساً فى أُذنك أنها نتيجة لأخطائك الماضية .. وربما تكون هذه الأخطاء قد حدثت بالفعل ، وربما لم تقع علي الإطلاق وهذه محاولة من إبليس لإيهامك بحدوثها .. وقد تكون ارتكبتها بشكل محدود وهو يضخمها بشدة أمام عينيك.. إنه يبغضك جداً ويريد لمعاناتك أن تزداد وتزداد ، مجتهداً أن يسلب منك إيمانك وسلامك الداخلى وراحة ضميرك ساعياً أن يحطم معنوياتك حتي تتصرف بلا حكمة مندفعاً فى خطوات غير متزنة ليست فى مشيئة الرب ..
هذا ما حـاول أن يفعله مع داود الملك حينما كان فى ضيقـة شديدة بسبب انقلاب ابنه أبشالوم عليه ومحاولته الاستيلاء علي المُلك .. فى ذلك الحين تـرك داود أُورشـليم بنفس مُرّة ، فإذا برجـل اسمه شمعى يحركه إبليس ليقذف داود بالحجارة والطين ، وهو يشـتكى عليه قائـلاً له : « قد دفع الرب المملكة ليد أبشالوم .. وها أنت واقع بِشـرِّك » ( ٢ صم ١٦ : ٨ ) .. وكأنه يقول له :
داود أنت فعلت الشرور ..
الآن حان الوقت لتنال جزاءك من الرب ..
المُلك سينتقل إلي ابنك أبشالوم الذى سينجح فى قتلك..
إنها لأكذوبة كبيرة من العدو لأنه كذاب وأبو الكذاب .. فالحقيقة عكس ذلك تماماً ، فإبليس وليس الرب هو الذى يريد أن يُقتل داود ويملك أبشالوم .. كان هدفه تحطيم معنويات داود كى ينهار تماماً .. وهدفه أيضاً أن يُصدق داود هذه الأكذوبة ، وهى أن مُلك أبشالوم من الله فيستسلم ولا يقاوم حدوثه ..
إن الاتهامات التى يوجهها إليك إبليس عبر كلمات تسمعها أو أفكار يهاجمك بها هى كالأحجار والطين التى قذف بها شمعى داود بهدف أن تصيب مشاعرك فتحطمها ، وأن تلوث صورتك أمام نفسك .. وإليك بعض الأمثلة لاتهامات يقذف بها فى أُذنك : « أنت أشر إنسان .. هل تعتقـد أن الله سيصنع لك شيئاً؟ .. هل من الممكن أن يستخدمك بعد ذلك ؟ .. لا أظن .. كيف تحتمل نفسك ؟ .. لا تضيع وقتك فى صلاة بلا نتيجة .. الله لن يستجيب لك.. هل نسـيت ما فعلته ؟ .. حان الوقـت لتتذكـر ، حتماً الضيقة ستستمر »..
أيها الحبيب ، إحذر إبليس فهو ماكر وخبيث ، ولا تحاول أن تصد حجارته ببر أعمالك .. لا تحاول أن تأتى بالبراهين التى تثبت أنك لم تخطىء ، وأن مسئولية ما حدث لا تقع علي عاتقك .. إبليس بارع فى المجادلة وفى إجهاد من يناقشه .. لا ليسـت هذه هى الطريقـة التى وضعهـا الله لنا لمواجهة اتهاماته .. كلمة الله لا تُعلِّمك أن تواجه اتهاماته بإظهار بر أعمالك بل بإعلان البر الذى نلته من الله.. لا تنسَ كلمات الرسول بولس « ليس لى برى الذى من الناموس [ الأعمال ] بل.. البر الذى من الله » ( فى ٣ : ٩ ) ..
أيها الحبيب لا تصد أحجار إبليس ببر الأعمال .. لا تدافع عن نفسك أمامه متحدثاً عن أعمالك .. لا بل واجهه بما لا يقدر علي اختراقه .. واجهه ببر الله الذى أصبح لك بسبب إيمانك .. فى الأصحاح السادس الذهبى من رسالة أفسس الذى يتحـدث عن مواجهة المؤمن لقوي الظلمة ، تحثنا كلمة الله علي مواجهـة إبليس بهذا البر قائلة لنا « البسـوا سـلاح اللـه الكامل لكى تقدروا أن تثبتوا ضـد مكـايد إبليس .. فاثبتـوا .. لابسـين درع البر » ( أف ٦: ١١، ١٤ )..
كلمة الله تقول لك اثبت ، لا تسمح لهذه الأحجار وهذا الطين أن يؤذى ويلوث مشاعرك الداخلية .. ارتدى درع البر ، إنه قادر أن يمنعها من أن تلمس قلبك .. فالدرع جزء هام من سلاح الجندى الرومانى .. كان يُصنع من إطارات حديدية متشابكة ، ويمتد من أسفل الرقبة إلي الفخذين ليحمى أعضاء الإنسان الداخلية الهامة ، القلب والرئتين والكبد والكليتين(٦) ..
كلمة الله تحثك أن ترتدى درع البر ضد اتهامات إبليس .. واجه حجارته وطينه بهذا الدرع الحديدى .. البر الإلهى .. كيف ؟ بأن تعلن أنك بار « فى المسيح » وأن الله وهبك براً من عنده حينما آمنت .. وإذا كان الله ، القاضى الأعظم ، يراك باراً فمن يقدر أن يتهمك ؟ .. وتذكر أنك بار ليس لأنك لم تخطىء ، بل لأن الله بررك بالنعمة حين آمنت ..
أعمال السحر
فى زمن العهد القديم ذهب بالاق ملك موآب الوثنى إلي بلعام الساحر طالباً منه إيذاء شعب الله الذى كان وقتذاك فى برية سيناء .. وكان بلعام شخصاً له اتصال وطيد بالأرواح الشريرة ( عد ٢٤ : ١ ) وذا قدرة علي إطلاق لعنات علي الناس .. فتحرّك بلعام ربما اعتقاداً منه أنه سيقدر أن يؤذى الشعب بلعناته لأنه شعب له خطاياه فالخطايا غير المغفورة تفصل الإنسان عن الله وبالتالى تجعله فريسة فى فم إبليس عرضة لتأثير السحر .. مبارك الرب ، لم يدع بلعام يلعن الشعب بل أجبره أن ينطق بكلمات البركة بدلاً من اللعنات معلناً له أنه غفر خطايا الشعب :
« لم يُبصر [ الله ] إثماً فى يعقوب . ولا رأي تعباً [ شراً NKJV، خطأ DBY ] فى إسـرائيل .. إنه [ بالتأكـيد KJV] ليس عيافـة [ سـحر ] عـلي يعقـوب ولا عـرافة عـلي إسـرائيل » ( عد ٢٣: ٢١ ، ٢٣ )..
أُشير أولاً إلي أن يعقوب وإسرائيل هما اسمان لشعب الله فى زمن العهد القديم .. يعقوب يتحدث عن الشعب إبان ضعفه أما إسرائيل فعن الشعب وهو قوى وفى نهضة روحية ..
وفى هذه الكلمات التى أرغم الله بلعام علي التفوه بها أجاب الله علي بلعام .. لا ، لن تستطيع أن تأتى بلعناتك علي شعبى .. إننى لا أراهم بعد خطاة !! إنهم تحت حمايتى .. لن أسمح لسحرك أن يؤذيهم .. ولكن كيف لم يرَ الله خطايا شعبه .. كيف لم ير إثماً أو شراً أو خطأً حتي فى الوقت الذى كانت حياته مماثلة لحياة يعقوب الضعيفة ؟ .. والإجابة أن الله يبرر .. فالله باعتباره القاضى الأعظم الكامل فى عدله لم يحسب لهم خطية بسبب أنه كان يري دماء ذبائحهم التى ترمز إلي دم الرب يسوع العظيم ..
نعم ، الله كقاضى عادل لم يرَ خطـاياهم ، ولكنه كـأب لشـعبه كان يراهـا ( مز ٩٠ : ٨ )، ولأنه يحبهم كأب فقد كان يؤدبهم كى يتركوها ..
قارئى العزيز يا من تبررت بالإيمان إن أخطاءك التى ترتكبها الآن ليست أمام قاضى يُعاقب إنها أمر بينك وبين أبيك السماوى ، فى داخل البيت.. وليس من حق الخصـم ، إبليس الذى خـارج البيت وكل من ينتمى له أن يؤذيك بسببها طالما أنت فى شركة مع الرب ، تائباً عن خطاياك ومتمتعاً بغفرانه ..
وانظر فالرب يقول لبلعام عن شعبه « قد بررته أمامى لذا لن تقوي عليه عيافتك [ سحرك ] وعرافتك » .. تعلّم أنت أيضاً أن تقاوم إبليس هكذا .. أن تقول له قد بررنى الله ، لذا لن تقدر أن تـؤذنى ولن تأتى عليَّ بلعناتك .. نعم قاوم إبليس مرتدياً درع البر وسيهرب من أمامك ..
مخلصى العظيم ..
يا للحب الكبير الذى أحببتنى به ..
أسلمت نفسك للصلب لأجل خطاياى ..
قمت من الموت لأجل تبريرى ..
وما أعظم التغيير الذى حدث لى بسبب
إيمانى بما فعلته من أجلى ..
إنها لقفزة ضخمة .. كم أشكرك عليها ..
من مذنب إلي شخص له بر من الله ..
ومن مُعـذَّب من الإحساس المستمر بالذنب
إلي شخص يستريح فى سلام مع الله ..
ومن خـاطىء يشـتكى إبليـس عليـه
ويُعذِّب ضميره إلي مؤمن صار « بر الله »
لا يقدر أحد أن يشير إلي خطاياه فيما بعد ..



