١٢ – جعلني باراً – تبررت كإبراهيم

 الفصـل الثالث
تبررت كإبراهيم

 

يمنع الكهنـة من ارتداء الثياب المصنوعة من الصـوف آمراً أن « لا يتنطقون [ يشدون وسطهم بحـزام ] بما يُعـرّق » ( حز ٤٤ : ١٨ ) ..

ما معني ذلك ؟ .. كما تعلم فالعهد القديم هو عهد الرموز والظلال، أما العهد الجديد فهو عهد الحقائق الساطعة التى تتحدث عنها هذه الرموز والظلال ( كو ٢: ١٧ ) .. فالكاهن فى العهد القديم يرمز إلي المؤمن فى العهد الجديد .. يقول يوحنا فى سفر الرؤيا عن الرب يسوع « الذى أحبنا وقد غسّلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه » ( رؤ ١ : ٥ ، ٦ ) .. وتقول رسالة بطرس الأُولي للمؤمنين « وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكى» ( ١ بط ٢ : ٩ ) .. فالمؤمن فى العهد الجديد له أن يدخل عرش الله مثلما كان الكاهن يدخل إلي الأقداس فى زمن العهد القديم .. وثياب البوص أى الكتان هـى رمز للبـر ، يقول سـفر الرؤيـا « البز [ كلمة تطلق أيضاً علي الكتان ] هو تبررات [ righteousness ] القديسين [ أى المؤمنين ] » ( رؤ ١٩ : ٨ ) ..

الكاهن فى العهد القديم كان يدخل إلي الأقداس وهو مرتدياً البوص ، الكتان ، وهو فى هذا رمز للمؤمن فى العهد الجديد الذى يدخل إلي عرش الله مرتدياً البر الإلهى الذى منحه الله له حينما آمن به .. هللويا ، بإمكان كل مؤمن حقيقى فى العهد الجديد أن يتهلل مشيراً إلي عمل الله معه مردداً كلمات سفر إشعياء العظيمة « فرحاً أفـرح بالرب .. كسانى رداء البـر » ( إش ٦١ : ١٠ ) .. فهل تفرح أنت أيضاً قارئى العزيز بسبب هذا الرداء ؟..

لاحظ أيضاً أن الكاهن لم يكن يدخل إلي محضر الرب وهو يرتدى الصوف ، ويشرح سفر حزقيال المعني فى هذه العبارة الهامة « لا يتنطقون بما يُعرّق » .. فالصوف يسبب العرق ، والعرق يعبّر عن أعمال الإنسان .. قديماً قال الله لآدم « بعرق وجهك تأكل خبزاً » ( تك ٣ : ١٩ ) .. لذلك فرداء الصوف هو رمز لبر أعمال الإنسان .. أيها الحبيب ، لن نُقبَل أمام الله بسبب بر أعمالنا .. كلا ، نحن مقبولون أمامه بسبب البر الذى وهبه هو لنا مجاناً نتيجة لإيماننا بالرب يسوع .. نعم كم يفشل الخاطىء إذا حاول أن يرتدى الصوف ليدخل به إلي عرش الله ، فأى أعمال يقوم بها ليتبرر قدام الله هى أعمال ميتة عاجزة كل العجز عن إزالة المسافة الشاسعة التى بينه وبين الله بسبب الخطيـة .. فلا طـريق آخر سوي أن يرتدى الكتان الأبيض .. بر الله الذى يناله بالإيمان ..

هل تعلم أن أول إشارة فى الكتاب المقدس عن إيمان إبراهيم « الذى هو أب لجميعنا » ( رو ٤ : ١٦ ) أتت فى الأصحاح الخامس عشر من سفر التكوين عندما قالت كلمة الله إنه نال البر الذى بالإيمان :

« آمن [ إبراهيم ] بالرب فحسبه له براً » ( تك ١٥ : ٦ )

وهل تعلم أن هذه الآية ذُكِرت أيضاً فى أسفار العهد الجديد ثلاث مرات ، فى رسائل رومية ( رو ٤ : ٣ ) وغلاطية ( غل ٣ : ٦ ) ويعقوب ( يع ٢ : ٢٣ ) ؟! إنها فى أصلها العبرى تتكون من خمس كلمات فقط ولكن التعليم الذى تقدمه لا يُقدّر بثمن ، لقد اقتبستها أسفار العهد الجديد لتعلن بها هذا الحق العظيم أننا نتبرر أمام الله بالإيمان وليس بالأعمال .. يقول لنا الأصحاح الرابع من رسالة رومية إننا لما آمنّا مثل إبراهيم حُسب إيماننـا براً لنا مثلمـا حُسـب إيمانه بـراً له ( رو ٤: ١ ـ ٥ ، ٢٠ ـ ٢٥ ) ..

هل من تناقض ؟!!

ويبرز هنا سؤال هام .. إن كان إبراهيم قد تبرر أمام الله بإيمانه ، فما هو المقصود من كلمات رسالة يعقوب :

« ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال إذ قدم إسحق ابنه علي المذبح »

( يع ٢ : ١٢ )

هل بررت الأعمال إبراهيم أمام الله ؟ .. هل من تناقض بين ما تقوله هذه الرسالة إن إبراهيم تبرر بالأعمال وما ذكره سفر التكوين إنه تبرر بالإيمان.. لنشكر الروح القدس إذ ألهم الرسول بولس فى وقت لاحق ليكتب عن تبرير إبراهيم فى رسالته إلي رومية عام ٥٧ ميلادية (٧) أى بعد نحو عشر سنوات من كتابة رسالة يعقوب ( بين عامى ٤٦ و ٤٩ ميلادية )(٨) بما يزيل أى لُبس فى فِهم ما ورد فى رسالة يعقوب عن تبرير إبراهيم .. قارئى العزيز، كما نفهم أسفار العهد القديم علي ضوء العهد الجديد ، تعال نفهم معاً مغزي كلمـات الرسـالة الأقدم ( رسالة يعقوب ) علي ضوء ما قالته الرسالة الأحدث ( رسالة رومية ) .. فلابد أن الروح القدس له هدفاً فى الترتيب الزمنى لكتابة أسفار الكتاب المقدس .. ولا شك أيضاً أن الأسفار الأحدث تُكَمّل الأقـدم وتزيل أى لُبس فى فهمها .. هذا ما نلاحظه أيضـاً فى إنجيـل يوحنا الذى دُوِّنَ بعد الأناجيـل الثـلاثة متي ومرقس ولوقـا « Synoptic Gospels» بنحو ربع قرن ، فجاء مكملاً وموضحاً لها ..

رسالة رومية وتبرير إبراهيم

إليك بعض الآيات من الأصحاحين الثالث والرابع من رسالة رومية تتحدث عن التبرير واسمح لى أن أُقسمها إلي أربعة مقاطع لتسهيل الدراسة ..

  • « لأنه إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر . ولكن ليس لدي الله . لأنه ماذا يقول الكتاب . فآمن إبراهيم بالله فحُسب له براً » ( رو ٤: ٢ ، ٣ ) ..
  • « أما الذى يعمل فلا تُحسب له الأُجرة علي سبيل نعمة بل علي سبيل دين . وأما الذى لا يعمل ولكن يؤمن بالذى يبرّر الفاجر فإيمانه يُحسب له براً » ( رو ٤: ٤ ، ٥ ) ..
  • « كما يقول داود أيضـاً فى تطويب الإنسان الذى يحسب له الله براً بدون أعمال . طوبي للذين غُفرت آثامهم وسُترت خطاياهم . طوبي للرجل الذى لا يحسب له الرب خطية » ( رو ٤: ٦ ـ ٨ ) ..
  • « لأننا نقول إنه حُسِبَ لإبراهيم الإيمان براً .. وأخذ علامة الختان ختماً لبر الإيمـان … ولا بعـدم إيمان ارتاب فى وعد الله بل تقوي بالإيمان معطياً مجداً لله . وتيقن أن ما وعد به هو [ الله ] قادر أن يفعله أيضاً . لذلكأيضاً حُسب له براً . ولكن لم يُكتب من أجـله وحـده أنه حُسـِبَ له بل من أجلنـا نحن أيضاً الذين سيُحسب لنا الذين نؤمن» ( رو ٤: ٩ ، ١١ ، ٢٠ ـ ٢٤) ..

المقطع الأول يقول « إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر . ولكن ليس لدي الله . لأنه ماذا يقول الكتاب . فآمن إبراهيم بالله فحُسب له [ إيمانه ] براً » ( رو ٤ : ٢ ، ٣ ) .. لاحظ معى هذه العبـارة الهـامة « ليس لدي الله » .. فلو أن إبراهيم تبرر أمـام اللـه بأعمـاله لافتخر بنفسه أمام الله .. بينما تقـول رسـالة أفسس بكـل وضـوح « ليـس مـن أعمـال كيلا يفتخـر أحـد [ بنفسه أمام الله ] » ( أف ٢ : ٩ ) .. وهكذا لأن الخاطىء كإبراهيم يتبرر أمام الله بالإيمان وليس بالأعمال فلا مجال لافتخـاره بنفسـه « متبررّين مجـاناً بنعمتـه .. بالإيمـان بدمه .. فأين الافتخار . قد انتفي » ( رو ٣ : ٢٤ ، ٢٥ ، ٢٧ ) ..

ولا تفوتك هذه الملاحظة إن عبارة « آمن إبراهيم بالله فحُسب له براً » قد تكررت ثلاث مرات فى رسالة رومية ( رو ٤ : ٣ ، ٩ ، ٢٢ ) .. يا للتأكيد ، لاحظ أيضاً أن الوحى يُسمّى هذا البر الذى ناله إبراهيم « بر الإيمان » (رو ٤ : ١١ ) مؤكداً إنه ذات البر الذى يُحسَب للمؤمن (رو ٤ : ٢٤ ) ..

والمقطع الثانى يدعونا إلي رفض القول بأننا نحصل علي التبرير أمام الله بالأعمال لأن هذا يناقض تماماً الحق بأن التبرير هو عطية مجانية من الله « الذى يعمل [ بهدف أن يتبرر أمام الله ] فلا تُحسب له الأجرة علي سبيلنعمة بل علي سبيل دين » ( رو ٤ : ٤ ) .. وهذا يعنى أن الاعتقاد بأن التبرير بالأعمال مضاد للحق تماماً ، فـهو يجـعل الإنسـان دائناً لله بدلاً من أن يكون مديوناً له .. يقول الأصحـاح الحادى عشر من الرسـالة إلي رومـية « فإن كان بالنعمة فليس بعد بالأعمال . وإلا فليسـت النعمة بعد نعمـة » ( رو ١١ : ٦ ) ..

ويختم المقطع الثانى كلماته بهذه الآية التى تُظهر غني النعمة : « الذى لا يعمل [ لا يعتمد علي أعماله كى يُبرر ] ولكن يؤمن بالذى يبرر الفاجر فإيمانه يُحسب له براً [ مثلما حدث مع إبراهيم ] » ( رو ٤ : ٥ ) .. وتعجّب معى ، فالفاجر وإبراهيم يتساويان فى هذا الأمر كلاهما يتبرران بالإيمان !!

وفى المقطع الثالث يقدم الوحى مثلاً آخر هو داود، مؤكداً أنه لم يقم بأى أعمال لكى تُغفر خطاياه .. لقد تبرر بدون أعمال « يقول داود أيضاً فى تطويب الإنسـان [ يتحـدث عن نفسـه ] الذى يحسب له الله براً بدون أعمال .طوبي [ يا لسعادة ] للذين غُفِرَت آثامهم» ( رو ٤ : ٦ ، ٧ ) ..

وتقتبس الرسالة إلي رومية هذه الكلمات السابقة من مطلع مزمور ٣٢ الشهير الذى ترنم به داود بعد تيقنه من نوال الغفران ، وهو المزمور الأول فى سلسلة المزامير التى لها عنوان « قصيدة maschil» وهى كلمة عبرية تعنىللتعليم والفهم (٩) .. فأول ما يجب أن نتعلمه هو أن الله يحسـب للإنسـان براً بـدون أعمـال .. المزمور يقول يا لسعادة من ينال هذا البر !!

ونأتى إلي المقطع الرابع والأخير الذى يحدثنا عن اختتان إبراهيم ونسأل متي اختُتِنَ إبراهيم ؟ .. والإجابة هى بعد نحو خمسة عشر عاماً من نواله التبرير .. فنواله التبرير ليس بسبب الختان أو أى طقوس أتممها إنما فقطلإيمانه .. ولماذا اختُتِنَ ؟ .. تقول الرسالة إلي رومية « وأخـذ علامـة الختـان ختماً لـبر الإيمان » ( رو ٤ : ١١ ) .. فالختان هو علامة فى جسد إبراهيم تقول إنه قد تبرر أمام الله ، وإنه لم يفقد هذا التبرير ولن يفقده .. فكونه اختُتِنَ « ختماً لبر الإيمان » بعد خمسة عشر عاماً من نواله التبرير فهذا دليل علي أنه لم يفقد تبريره خلال هذه السنوات .. وكون أن الختان يترك فى الجسد علامة ليست مؤقتة بل دائمة فهذا دليل علي أن التبرير الذى ناله إبراهيم لن يفقده طوال أيام حياته ..

وهكذا فالمقاطع الأربعة السابقة عن تبرير إبراهيم تؤكد لنا أنه لم يتبرر أمام الله البار [ العادل ] بأعماله :

  • المقطع الأول يدلل علي أن التبرير أمام الله ليس بالأعمال لأن الأعمال تُُعطى للإنسان فخراً أمام الله ..
  • والمقطع الثانى يقول إن مبدأ التبرير بالأعمال يناقض مبدأ النعمة ..
  • والمقطع الثالث يقتبس من مزمور ٣٢ ليؤكد أن البر عطية إلهية بدون أعمال ..
  • أما المقطع الرابع ، فيُعلن أن إبراهيم لم ولن يفقد أبداً البر الذى ناله حينما آمن ..

توقيت تبرير إبراهيم بالإيمان

يحدد لنا المقطع الأول الوقت الذى تبرر فيه إبراهيم بالإيمان أمام الله « لأنه ماذا يقول الكتاب [ أسـفار الوحــى ] . فآمن إبراهيم بالله فحُسِبَ له براً » ( رو ٤ : ٣ ) .. فأين ذكرت أسفار الوحى هذه الآية ؟ .. الإجابة نجدها فى الأصحاح الخامس عشر من سفر التكوين « وقال [ الله لإبراهيم ] اُنظر إلي السماء وعُدَّ النجوم إن استطعت أن تعدها . وقال له هكذا يكون نسلك . فآمن بالرب فحسبه له براً » ( تك ١٥ : ٥ ، ٦ ) ..

لقد برر الله إبراهيم ، حسبه باراً عندما آمن بوعده له أن نسله سيكون كنجوم السماء فى الكثرة مع أنه لم يكن قد أنجب بعد وسارة امرأته كانت عاقراً .. نظر إبراهيم إلي سارة فاقتنع بعجزها التام ، فقد مضت سنوات طويلة منذ زواجهما دون أن ينجبا .. لكنه تحوّل عن العيان رافضاً المنطق الطبيعى ووضع ثقته فى الله مُصدّقاً وعده .. وهذا هو الإيمان ..

تأمل جيداً .. علي الرغم من أن الإيمان الحقيقى دائماً يثمر أعمالاً حقيقية لكن إبراهيم لم يفعل شيئاً مميزاً فى هذه المناسبة .. سمع الوعد فآمن به .. نظر الله إلي قلبه فوجد به إيماناً حقيقياً ، فبرره فى الحال .. حقاً لقد تبرر كما تقول رسالة رومية « بدون أعمال » ( رو ٤ : ٦ ) ..

وهل لم يكن لدي إبراهيم أعمال حسنة ؟ .. كلا بل الكثير منها .. تَرَكَ أرضه وعشيرته طائعاً أمر الله .. ضحي للوط بحقه فى الاختيار كى لا تحدث مخاصمة بينهما أو بين رعاة كل منهما .. حارب وانتصر لكى يحرر لوط من الأسر ويسترد له أملاكه .. رَفَضَ أن يأخذ نصيبه من غنائم هذه المعركة لئلا يقول ملك سدوم [ المدينة المستبيحة] أنه هو الذى أغناه .. قَدَّمَ عُشراً من كل شىء لكاهن الله العلى ملكى صادق .. اختُتن وهو يناهز المائة عام ..

نعم لقد صنع إبراهيم أعمالاً عظيمـة لكنه لم يتبرر أمام الله بسبب أى منها .. فسفر التكوين والرسالة إلي رومية يقطعان بأنه تبرر حينما آمن بوعد الله أن نسله سيكون كنجوم السماء ..

أيها الخاطىء ، إن كان إبراهيم رغم أعماله العظيمة لم يتبرر أمام الله بسبب واحدة منها ، فلا تحزن لأنك غير قادر الآن أن تصنع أعمالاً جيدة .. فقط اتجه الآن بكل قلبك إلي الرب .. كُن كإبراهيم الذى عندما نَظَرَ إلي نفسه وإلي سارة امرأته وأدرك استحالة أن ينجبا ، وَثَقَ فى قدرة الله أنه سيحقق الوعد وسيكون له نسل .. آه أيها الخاطىء العاجز ، اُنظر إلي نفسك وقُل لن أستطيع بمجهودى أن أمحو خطاياى .. لن أستطيع بأعمالى أن أنال براً أمام الله القدوس فهذا مستحيل تماماً .. لذا سأتحوّل من الانحصـار فى نفسى إلي الثقة فى إلهى ، إنه المبرر .. هو الـذى يهب البر .. سـأثق فيه أنه « يبرر الفاجر » ( رو ٤ : ٥ ) مجاناً بالنعمة .. أيها الحبيب ، أعلِن عجز أعمالك وثقتك أن الله سيبررك علي حساب ما فعله الرب يسوع فى الجلجثة ..

الخـلاصـة

ببساطة واختصار نقول إن الرسالة إلي رومية قاطعة فى إعلانها هذا الأمر .. إن إبراهيم لم يتبرر أمام الله علي حساب أعماله .. وفى كلمات محددة لا تترك مجالاً لأى لُبس تقول « لأنه بأعمال الناموس [ بطاعة أوامر الله ]كل ذى جسد [ حتي لو كان إبراهيم ] لا يتبرر أمامه » ( رو ٣ : ٢٠ ) .. فإذا كان إبراهيم لم يتبرر أمام الله بأعماله ، فماذا يكون المقصود من كلمات رسالة يعقوب القائلة :

« ألم يتبرر إبراهيم أبونا [ أُعلن أنه بار YLT ] بالأعمال إذ قدم إسحق ابنه علي المذبح» ( يع ٢ : ٢١ ) ..

والرد علي هذا السؤال هو أن إبراهيم تبرر ( أُعلن أنه بار ) بأعماله ليس أمام الله بل أمام الناس فقد أظهرت أعماله لهم أنه ليس إنساناً خاطئاً بل باراً يحب إلهه ويطيعه ..

  • فرسالة يعقوب ( يع ٢ ) التى كُتبت أولاً تقول إن إبراهيم تبرر بأعماله أمام الناس ، ظهر أمامهم أنه بار عندما قدّم إسحق ابنه للذبح ( تك ٢٢ ) ..
  • ثم تأتى رسالة رومية ( رو ٤ ) التى كُتبت بعدها بسنوات لتزيل أى لـُبس فى الفهم وتؤكد هذا الحق ، إن إبراهيم تبرر أمام الله ( صار باراً أمامه ) بالإيمان وليس بالأعمال .. أى ليس عندما قدّم إسحق ابنه للذبح فى تكوين ٢٢ بل قبل ذلك بنحو ثلاثين عاماً ، حين آمن بوعد الله أن نسله سيكون كنجوم السماء فى تكوين ١٥ ..

ليس إذاً من تناقض بين الرسالتين ، فإبراهيم تبرر [ ظهر باراً ] أمام الناس بأعماله كما تقول رسالة يعقوب ، وتبرر أمام الله [ حسبه باراً] بإيمانه كما تعلن رسالة رومية .. هكذا أيضاً أنا وأنت وكل مسيحى حقيقى تبررنا أمام الله مثل إبراهيم بالإيمان كما نتبرر مثله أيضاً أمام الناس بالأعمال الحسنة ..

قارئى العزيز ، سنقرأ معاً المزيد عن هذا الحق فى دراسة تفصيلية لكلمات رسالة يعقوب عبر صفحات الفصل التالى ، لكن دعنى قبل الانتهاء من هذا الجزء أن أُورد لك النقاط الأساسية الخاصة بالتبرير مع بعض الآيات المؤيدة لها ..

١ ـ واهب التبرير .. الله

الآية هى من الرسالة إلي رومية « من سيشتكى علي مختارى الله . الله هو الذى يبرر » ( رو ٨ : ٣٣ ) .. فالذى يُبرر المذنب هو الله البار القدوس ، القاضى العادل الذى يستحيل أن يبرر أى خاطىء ويكون فى هذا التبرير أى تجاوز لمطالب عدله الإلهى .. تذكر أنه هو القائل « مُُبَرِّىء المذنب ومُذَنِّب البرىء كلاهما مكرهة الرب » ( أم ١٧ : ١٥ ) ، فالله يُبرر الخاطىء عن عدل كامل ..

٢ ـ أساس التبرير .. الدم

الآية أيضاً من الرسالة إلي رومية « ونحن متبررون الآن بدمه [ دم الرب يسوع ] نخلص به من الغضب » ( رو ٥ : ٩ ) .. فالله يبرر الخاطىء الذى آمن دون أن يكون قد تجاوز عدله الكامل فى شىء لأنه يبرره علي أساسالدم الذى سُفك علي الصليب .. يري الله هذا الدم الذى يعلن أن الرب يسوع مات متحملاً بالكامل ما يستحقه الخاطىء من عقاب، فيبرره ولا يُحسب له خطية ..

٣ ـ سبب التبرير .. النعمة

وتتلألأ أمامنا هذه الآية « متبررين مجاناً بنعمته » ( رو ٣ : ٢٤ ) .. ما الذى جعل الله يدبر الصلب وسفك الدم كى يبررنا نحن الخطاة دون أن يتجاوز عدله الكامل فى شىء ؟ .. ليس من إجابة سوي أنها نعمته الغنية فلم يكن فينا أى شىء يستحق هذه المحبة .. كلمة « مجاناً » فى هذه الآية هى ترجمة للكلمة اليونانية « doorean » وهى ذات الكلمة التى استخدمها الرب يسوع حين قال « إنهم أبغضونى بلا سبب doorean » ( يو ١٥ : ٢٥ ) ..يا للنعمة الغنية نحن البشر أبغضناه بلا سبب فيه .. صلبناه !! أما هو فَقَبِلَ هذا الصلب [ لم يكن ممكناً أن نصلبه بدون إرادته ] لكى نتبرر نحن بلا سبب فينا .. نعم الله بررنا بلا سبب فينا .. الله بررنا مجاناً .. ليس لأننا أفضل من غيرنا بل لأننا قبلنا هذه النعمة الغنية ..

٤ ـ مُجرى التبرير .. الروح القدس

بعد أن سرد الرسول بولس قائمة بأسماء الخطايا فى الأصحاح السادس من رسالته الأُولي إلي كورنثوس اتجه بحديثه مباشرة إلي مؤمنى هذه المدينة قائلاً لهم « وهكذا كان أُناس منكم . لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا » ( ١ كو ٦ : ١١ ) .. الروح القدس هو الذى يعمل لكى يتبرر الخاطىء ، فهو الذى يُظهر للنفوس حقائق الإيمان الخاصة بالغفران والتبرير أنها حقائق حقيقية لها سلطان عليهم ( أف ١ : ١٧ ) .. وهو الذى يوبخهم علي خطاياهم « ومتي جاء ذاك [ الروح ] يبكت العالم » ( يو ١٦ : ٨ ) ، « فلما سمعوا نُخِسُوا فى قلوبهم » ( أع ٢ : ٣٧ ) .. وهو أيضاً الذى يجذبهم إلي الرب ( يو ٥: ٣٢ ) ليؤمنوا به ..

٥ ـ إعلان التبرير .. القيامة

« أُقيـم لأجـل تبريـرنا » ( رو ٤ : ٢٥ ) .. كما كـان الأبرص فى العهـد القديم يري فى العصفور الذى كان الكاهن يُطلقه حـرّاً إلي السـماء ( لا ١٤ : ٧ ) إعلاناً بأنه هو أيضاً قد صار حراً من كل نجاساته وبإمكانه أن يذهب مع العابدين إلي هيكل الرب .. هكذا المؤمن فى العهد الجديد يري فى الرب القائم إعلاناً مدوياً أن خطاياه جميعها لا يراها الله .. آه أيها الحبيب ، لقد حمل الرب جميع آثامى علي الصليب لكى يزيلها تماماً .. وكيف عرفت أنها أُزيلت ، إن قيامته من الأموات هى هذا الإعلان العظيم الذى يقول لى إنها بكل تأكيد مُحيت إلي الأبد فما كان ممكناً أن يقوم الرب من الموت لو كانت لا تزال باقية عليه لأن « أُجرة الخطية هى موت » ( رو ٦ : ٢٣ ) ..

٦ ـ اقتناء التبرير .. بالإيمان

فكما رأينا ، لقد تبرر إبراهيم الذى يُعتبر أبو كل المؤمنين ( غل ٣ : ٧ ) بالإيمان ، وهكذا الخاطىء لا ينال التبرير بطريق آخر غير إيمانه القلبى .. فى إنجيل يوحنا الذى كتب ليخبر الناس كيف يخلصون ( يو ٢٠ : ٣١ )تتكرر كلمة إيمـان حـوالى مئة مرة ، فالتـبرير هو عطـية الله الثميـنة التـى لا طريق لنوالهـا سـوي بالإيمان القلبى بالرب يسـوع « القلب يؤمن به للبر » ( رو ١٠ : ١٠ ) .. « ليس لى برى الذى من الناموس [ بطاعة الوصايا] بل الذى بإيمان المسيح البر الذى من الله بالإيمان » ( فى ٣ : ٩ ) ..

٧ ـ إثبات التبرير .. بالأعمال

أما الدليل الملموس الذى يقنع الناس أنك تبررت حقاً فهو أن أعمالك قد اختلفت تماماً عما كانت قبل تبريرك .. لقد صارت أعمال إيمان تشهد لحبك للرب ، سندرس هذه النقطة فى الصفحات التالية ..

القارئ العزيز اسمح لى أن أدعوك أن تختتم قراءتك لهذا الفصل وأنت ترفع صوتك ..

« أما أنا فبالبر أنظر وجهك » ( مز ١٧: ١٥ )

لا ليس البر بسبب أعمالك ..

بل البر الذى وهبه الله لك بسبب إيمانك ..

إيمانك بمن أحبك وأسلم نفسه لأجلك ..

 

Start typing and press Enter to search