١٣ – جعلني باراً – أتبرر بالأعمال
الفصـل الرابع
أتبرر بالأعمال
تقول رسالة رومية إن إبراهيم قد تبرر أمام الله « بدون أعمال » بالإيمان حينما صدق الوعد بأن نسله سيكون كنجوم السماء فى الكثرة ، ( رو ٤ : ٣ ) وهى الحادثة المدونة فى الأصحاح الخامس عشر من سفر التكوين .. أما عن تبرير إبراهيم بأعماله فتقول الرسالة إلي يعقوب « ألم يتبرر [ ألم يظهر باراً YLT ] إبراهيم أبونا بالأعمال إذ قدم إسحق ابنه علي المذبح » ( يع ٢ : ٢١ ) ، وهى الحادثة المذكورة فى سفر التكوين الأصحاح الثانى والعشرين ..
انظر ، إن تبرير إبراهيم بالإيمان سبق تبريره بالأعمال بسبعة أصحاحات بحساب السطور والصفحات وبنحو ثلاثين عاماً بحساب السنوات .. هل لم يكن إبراهيم خلال هذه المدة مبرراً من الله ؟ .. كلا، فقد أصبح مبرراً منذ الحادثة الأُولي فى الأصحاح الخامس عشر حين آمن بوعد الله ، بل وحَمَلَ فى جسده علامة لا تُمحي تعلن أنه تبرر أمام الله هى الأثر الذى تركه الختان فى جسده ( رو ٤ : ١١ ) ..
أيها الحبيب ، حصول إبراهيم علي التبرير [ أن يحسبه الله باراً] عندما آمن بالوعد قبل أن يذبح إسحق بنحو ثلاثين عاماً يؤكد أن التبرير أمام الله ليس بالإيمان والأعمال معاً ، بل بالإيمان فقط .. الإيمان الحى الذى يثمر أعمالاً.. ضع فى ذهنك هذه الحقيقة وتعال نتأمل ملياً فى حديث رسالة يعقوب الهام عن تبرير إبراهيم ( أن يظهر بـاراً ) بالأعمال .. ودعنا نُقسّم حديث الرسالة فى أصحاحها الثانى إلي أربعة مقاطع :
- « هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت » ( عدد ٢٠ ) ..
- « ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال إذ قدم إسـحق ابنه علي المذبـح [ تك ٢٢ ] » ( عدد ٢١ ) ..
- « فتري أن الإيمان عمل مع أعماله وبالأعمال أُكمِلَ الإيمان » ( عدد ٢٢ ) ..
- « وتم الكتاب القائل فآمن إبراهيم بالله [ تك ١٥ ] فحُسب له براً ودُعى خليل الله . ترون إذاً أنه بالأعمال يتبرر الإنسان لا بالإيمان وحده » ( عدد ٢٣ ، ٢٤ ) ..
المقطع الأول : الإيمان الميت
حينما تطرق إناءً فارغاً فهو يُحدث ضجيجاً عالياً ، والعكس تماماً لو كان الإناء ممتلئاً .. أليست هذه ظاهرة نجدها أحياناً داخل الكنائس أيضاً ؟ .. شخص ما يُكثر الحديث عن تدينه ، تضحياته ، أخلاقياته مُصوراً ذاته أنه رجل الإيمان الكبير ، بينما عملياً لا تصدر منه أعمال تدل علي إيمانه ومحبته .. يرتفع صوته فى الدعاية عن نفسه بينما الحقيقة أنه شخص فارغ ، لم يكن يمتلك فى أى وقت من الأوقات الإيمان الحقيقى ..
هذا المقطع الأول يوجه كلماته إلي مثل هذا الشخص ويُسمّيه « الإنسان الباطل » .. وكلمة « باطل » هى ترجمة للكلمة اليونانية « kenos » والتى معناها فارغ(١٠)..
« أيها الإنسان الباطل [ الفارغ ] .. الإيمان بدون أعمال ميت … كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان أيضاً بدون أعمال ميت » ( يع ٢ : ٢٠ ، ٢٦ ) ..
إذا تطلعنا إلي جسد ما ولم نجد فيه أية علامات للحياة فسنقول علي الفور إنه جسد ميت .. هكذا أيضاً إذا لم نجد ثماراً ( أعمالاً ) لإيمان شخص ما ، فهذا إنسان لا يمتلك إيماناً حقيقياً بل ميّتاً .. تؤكد الرسالة أيضاً قائلة :
« الإيمان .. إن لم يكن له أعمال [ كثمر له ] ميت فى ذاته» ( يع ٢ : ١٧ ) ..
كما توجه الرسالة نقدها للإنسان المظهرى الفارغ من الإيمان الحقيقى قائلة له :
« أرنى إيمانك بدون أعمالك [ لن تقدر ] وأنا أُريك بأعمالى إيمانى [ أقدر ] » ( يع ٢ : ١٨ ) ..
فحينما لا يكون إيمانك حقيقياً بل ميتاً ، لن تظهر فى حياتك أعمال حسنة حقيقية تبرهن علي أن إيمانك حقيقى .. أما عندما تمتلك إيماناً حقيقياً ، فالثمر سيتكاثر وأعمالك الحسنة ستتتابع لتشهد عن امتلاكك الإيمان الحقيقى مثلما تشهد الثمار الجيدة للشجرة التى خرجت منها أنها شجرة جيدة ..
أيها الحبيب ، الإيمان الذى لا يثمر أعمالاً هو إيمان مزيف ، ليس هو الإيمان الحى القلبى الذى يأتى بالغفران والخلاص والتبرير المجانى .. إنه إيمان ميت ، مجرد معلومات يُصدقها الذهن بينما القلب لا يحب الرب وغيرمشغول به بل بذاته والخطية .. أما الإيمان الذى يُخلّص الخاطىء ويبرره فهو إيمان القلب « إن .. آمنت بقلبك .. خلصـت . لأن القلب يؤمن به للبر » ( رو ١٠ : ٩ ، ١٠ ) .. وإيمان القلب هو إيمان حقيقى تصاحبه رغبة قلبية فى داخل الخاطىء للتحول عن خطاياه وقبول الرب يسوع المخلص ، انظر ماذا يقول إنجيل يوحنا « كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون باسمه » ( يو ١ : ١٢ ) .. من هذه الآية نري بوضوح أن الإيمان الحقيقى الذى يُخلّص هو قبول قلب الإنسان للرب بإيمان أنه المخلص ..
وهذا الإيمان إيمان القلب هو إيمان حىّ لابد وأن يثمر أعمالاً حسنة تدل علي وجوده .. تقول رسالة يعقوب :
« ما المنفعة يا إخوتى إن قال أحد إن له إيماناً ولكن ليس له أعمال . هل يقدر الإيمان أن يُخلصه . » ( يع ٢ : ١٤ ) ..
لا تقصد رسالة يعقوب فى هذه الآية إن الخاطىء ينال الخلاص بالأعمال ( أف ٢ : ٨ ، ٩ ) فقد سبقت وأعلنت بوضوح أن الخلاص هو عطية مجانية :
« كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هى من فوق نازلة من عند أبى الأنوار .. شاء فولدنا بكلمة الحق » ( يع ١ : ١٧ ، ١٨ ) ..
إنما ما تقصده رسالة يعقوب هو أن الخلاص لا يمكن أن يناله الخاطىء بالإيمان الميت الذى لا يثمر أعمالاً صالحة ، الإيمان الميت الذى هو مجرد معرفة للحقائق لا تصاحبه توبة عن الخطية وقبول قلبى للرب يسوع.. لقد شبهته الرسالة بإيمان الشياطين ، فالشيطان منفصل تماماً عن الله وهو لا يتحول عن كبرياءه ولا يقبل الرب بل يقاومه .. تقول رسالة يعقوب لصاحب هذا الإيمان الإدعائى الميت « أنت تؤمن أَن الله واحد . حسناً تفعل . والشياطينيؤمنون [ يصدقون بلا أى حب بل وهم مرتعدون ] ويقشعرون .. » ( يع ٢ : ١٩ ) ..
وهكذا تخبرنا آيات المقطع الأول أنه ليس لكل إيمان القدرة أن يُخلص ويبرر الخاطىء بل فقط الإيمان القلبى الحى والذى هو قبول الرب يسوع فى القلب .. الإيمان الذى يأتى بالسلام مع الله والفرح وليس الخوف ، والذى حتماً سيظهر ثمره واضحاً فى الأعمال الحسنة ولا سيما فى الأعمال التى نُظهِر بها محبة حقيقية للآخرين ، أما الإيمان الذى لا يُثمر أعمال المحبة فهو إيمان ميت لا يخلص ولا يبرر ( يع ٢ : ١٤ ـ ١٧ ) ..
المقطع الثانى : التبرير بالأعمال
« ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال إذ قدم إسحق ابنه علي المذبح » ( يع ٢ : ٢١ ) ..
آمن إبراهيم فى تكوين ١٥ بوعد الله بأن نسله سيكون كنجوم السماء فى الكثرة ولم يكن إيمانه ميتاً .. لا لم يكن إيمان الشياطين المصحوب بالخوف بل إيمان القلب المتجه بالحب إلي الله .. ورأي الله أن إيمان إبراهيم هو إيمان قلبى حىّ لهذا برّره فى الحال وحسب له هذا الإيمان براً .. ولأن إيمان إبراهيم كان حقيقياً لذا أثمر أعمالاً عظيمة مجّدت الله ومن أعظم هذه الأعمال أنه قدم إسحق ابنه علي المذبح..
لقـد أفهمتنـا الرسـالة إلـي روميـة بآيـات عـديدة يؤكـد بعضها الآخر أن إبراهيم تبرر أمام الله « بدون أعمال » ( رو ٤ : ٦ ) ، بل تبرر بالإيمـان ( رو ٤ : ٣ ، ٩ ، ١٦ ، ١٩ ـ ٢٢ ) .. وبالطبع لا يمكن أن تقول رسالة يعقوبشيئاً مخالفاً لأن كاتب الرسالتين الحقيقى شخص واحد هو الروح القدس ..
إن رسالة يعقوب لا تستخدم كلمة تبرير بنفس المعني الذى استخدمته رسالة رومية .. فالتبرير فى رسالة رومية يعنى أن الإنسان يصير باراً فى عينى الله فلا يعود يري خطاياه ، أما المعني المقصود به التبرير فى رسالة يعقوب فهو إظهار وإعلان أن الشخص بار .. وقد استخدمت كلمة الله هذا المعني الثانى بكل وضوح فى آيات أُخري مثل :
- « وجميع الشعب .. برّروا الله معتمدين بمعمودية يوحنا» ( لو ٧ : ٢٩ ) .. المقصود أن الشعب أظهر برفضه الخطية أن الله بار لا يطيقها ..
- « الحكمة تبرّرت من جميع بنيها » ( لو ٧ : ٣٥ ) .. من دراسة النص الذى وردت فيه الآية نعرف أن المقصود بالحكمة هنا هو « مشورة الله » ( لو ٧ : ٣٠ ) أى خطة الله لخلاص الخطاة، فأبناء هذه الحكمة أى الذين آمنوا بهذه الخطة قد برروها أى أظهروا بإيمانهم بها أنها حق تستحق إيمانهم ..
- « لكى تتبرّر فى كلامك » ( رو ٣ : ٤ ) .. هذه العبارة قالها داود لله فى مزمور ١٥ بعد أن سمع من النبى ناثان كلمات الرب التى تخبره أن الرب سيؤدبه بسبب الخطية التى ارتكبها .. يقول داود للرب « الشر قدام عينيك صنعت لكى تتبرر فى أقوالك » ( مز ٥١ : ٤ ) .. أى أننى أعترف بشرّى لكى أُظهرك باراً فى كل ما قلت إنك ستفعله معى تأديباً لى ..
- « تبرّر [ الرب يسوع ] فى الروح » ( ١ تى ٣ : ١٦ ) .. فالروح القدس كان يُظهر أن الرب يسوع بار ( مت ٣ : ١٧ ، رو ١ : ٤ ) ..
التبرير بهذا المعني هو الذى تتحدث عنه رسالة يعقوب ، إعلان وإظهار أمام الناس أن الإنسان بار .. وببساطة فهى لا تحدثنا عن تبرير الخاطىء أمام الله [ أن يحسبه الله باراً ولا يري خطاياه ] بل عن تبرير المؤمن أمام الناس [ أن يظهر أمامهم أنه شخص بار ] .. فالناس لا يمكن أن يروا الإيمان لأنه بداخل القلب لذا لا يقدر إيمان شخص أن يُظهره باراً أمام الناس .. لكن الناس يرون الأعمال لذلك هى التى تبرر الشخص وتُظهره باراً فى أعينهم.. هذه هى الأعمال التى تتحدث عنها الرسالة ، أى الأعمال التى يراها الناس « أرنى [ أنا وليس الله ] إيمانك بدون أعمالك وأنا أُريك [ أنت وليس الله ] بأعمالى إيمانى » ( يع ٢ : ١٨ ) .. هنا يتحدث الوحى عما يراه الناسوليس ما يراه الله .. لذلك بعدما قال « ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال إذ قدم إسحق ابنه علي المذبح » استطرد قائلاً « فتري [ أى أنت وأنا والناس وليس الله ] أن الإيمان عمل » ( يع ٢: ٢٢ ) ..
الله وحده هو الذى يري الإيمان فى القلب أما الناس فيرون فقط ثمر هذا الإيمان ، الأعمال الحسنة .. لقد رأوا أعمال إبراهيم العظيمة فتيقنوا أن إيمانه الكائن فى قلبه ليس ميتاً بل حياً وحقيقياً وهكذا اقتنعوا أنه إنسان بار..وبكلمات أُخري لقد تبرر إبراهيم أمامهم بأعماله التى هى ثمر إيمانه .. أما الله فيختلف عن الناس تماماً فهو لا يحتاج أن ينتظر حتي يظهر ثمر إيمان الشخص من أعمال حتي يحكم علي إيمانه إذا كان حقيقىاً أم لا .. إنه يحكم عليه فى الحال بمجرد وجوده فى القلب ..
ولاحظ أن رسالة يعقوب لم تقل « ألم يتبرر إبراهيم [ ألم يظهر باراً ] بعمل [ فى صيغة المفرد ] » بل « ألم يتبرر [ يظهر باراً ] .. بالأعمال [ فى صيغة الجمع ] » ، فثمر إيمان إبراهيم الذى أظهره باراً لم يكن عملاً واحداً بل أعمالاً عديدة إلا أن أعظمها جميعاً كان تقديمه إسحق ابنه علي المذبح طاعة للرب .. وأُذكرك بأن إبراهيم قَدَّمَ إسحق بعد نحو ثلاثين سـنة من وقت تبريره بالإيمان أمام الله .. خلال هذه السنوات نما إيمانه ، فالإيمان الحقيقى ينمو.. كتب الرسول بولس إلي مؤمنى تسالونيكى قائلاً لهم :
« ينبغى لنا أن نشكر الله كل حين من جهتكم أيها الإخوة كما يحق لأن إيمانكم ينمو كثيراً » ( ٢ تس ١ : ٣ ) ..
نما إيمان إبراهيم كثيراً ، ولما رأي الله أن إيمانه بلغ الذروة أراد أن يكشفه للجميع فأظهره بامتحان .. تُعلّق الرسالة إلي العبرانيين قائلة :
« بالإيمان قدم إبراهيم إسحق وهو مُجرَّب [ أى فى امتحان ] . قَدَّمَ الذى قَبِلَ [ صَدَّق ] المواعيد وحيده الذى قيل له إنه بإسحق يدعي لك نسل . إذ حسب [ إبراهيم ] أن الله قـادر علي الإقامـة من الأموات أيضاً » ( عب١١ : ١٧ ـ ١٩ ) ..
يقول سفر التكوين :
« حدث .. أن الله امتحن إبراهيم . فقال له يا إبراهيم .. خُذ ابنك وحيدك الذى تحبه إسحق واذهب إلي أرض المريا وأصعده هناك محرقة علي أحد الجبال الذى أقول لك » ( تك ٢٢ : ١ ، ٢ )
وأتخيل إبراهيم يفكر فى نفسـه ، ابنى لم يتزوج بعد .. لم ينجب.. كيف سيحقق الله وعده الذى قاله لى منذ سنوات « سارة امرأتك تلد لك ابناً وتدعو اسمه إسـحق . وأُقيم عهدى معه عهـداً أبديـاً لنسـله من بعـده » ( تك ١٧ : ١٩) ؟ .. كيف سيكون هناك نسل إذا أطعت الله وذبحت إسحق ؟ .. كان إيمان إبراهيم عظيماً فآمن أنه إذا قام بذبح إسحق طاعة لله فحتماً سيقيمه الله من الموت لكى يتمم وعده ويصبح لإسحق نسل .. كان يثق أيضاً فى محبة الله له أن كل مقاصده من نحوه عظيمة ..
آه قارئى العزيز ، الله هو أبونا لذا فهو لا يمتحنا لتعجيزنا بل لتعظيمنا.. لإظهار أفضل ما فينا .. أما إبليس فهو يجربنا بهدف أن نفشل ..
ولم ير أحد من الناس هذا المشهد العظيم .. إبراهيم وهو يرفع سكينه ليذبح إسحق وفى قلبه إيمان عظيم أن الله سيقيمه من الأموات .. نعم لم ير أحد هذا المشهد لكن الروح القدس أذاعه .. دوّنه فى الأصحاح ٢٢ من سفر التكوين وكل من قرأ هذا الأصحاح أدرك عظمة إبراهيم .. عظمته فى إيمانه .. وكل مَنْ عرف هذه الحادثة تيقن أن إبراهيم هو رجل من رجال الله .. أنه بار .. وهكذا تبرر إبراهيم أمام الناس حين ظَهَرَ أمامهم أنه بار بسبب عمل إيمانه بتقديم إسحق لله علي المذبح ..
المقطع الثالث : الأعمال تُكمِّل الإيمان
« فتري أن الإيمان عمل مع أعماله وبالأعمال أُكمل الإيمان »
( يع ٢ : ٢٢ )
ما المقصود هنا بالأعمال ؟ .. قطعاً أعمال الإيمان ، الأعمال التى هى ثمر الإيمان .. فالرسالة إلي العبرانيين كما رأينا تقول بوضوح إن أعمال إبراهيم فى إعداده لذبح إسحق كان وراءها الإيمان « بالإيمان قدم إبراهيم إسحق » ( عب ١١ : ١٧ ) .. لكن كيف يعمل الإيمان مع أعمال هى ثمرة له ، وكيف تُكَمِّل الأعمال الإيمان ؟ ..
• إيمان إبراهيم يعمل مع أعماله
قال الله « يا إبراهيم . فقال هأنذا . فقال خُذ ابنك وحيدك الذى تحبه إسحق واذهب إلي أرض المريا وأصعده هناك محرقة » ( تك ٢٢ : ١ ، ٢ ) .. فأطاع إبراهيم « فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه علي إسحق ابنه وأخذ بيده النار والسكين .. بني هناك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسحق ابنه ووضعه علي المذبح فوق الحطب . ثـم مـدّ إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه » ( تك ٢٢ : ٦ ، ٩ ، ١٠ ) ..
هذه أعمال يصعب للغاية أن يقوم بها أب طبيعى مع ابنه ، فما بالك إذا كان هذا الأب هو إبراهيم رجل الله المحب والابن هو إسحق ابن الشيخوخة المحبوب .. كيف استطاع إبراهيم أن يفعلها ، كيف ؟ .. تجيبنا الرسالة إلي يعقوب قائلة « الإيمان [ إيمان إبراهيم ] عمل مع أعماله » ( يع ٢ : ٢٢ ) .. كان بقلبه إيمان بأن الله سيقيم ابنه من الموت بعد أن يذبحه ، تقول الرسالة إلي العبرانيين « حسب أن الله قادر علي الإقامة من الأموات [ إقامة إسحق من الموت ] » ( عب ١١ : ١٩ ) .. آمن أن الله حتماً سيحقق وعده ويقيم نسل لإسحق الذى لم يكن قد تزوج بعد .. « قدّم .. وحيده الذى قيل له [ من الله ] إنه بإسحق يدعي لك نسل » (عب ١١ : ١٧ ، ١٨ ) ..
وكيف كان تأثير هذا الإيمان علي هذه الأعمال ؟ .. كيف عمل إيمان إبراهيم مع أعماله ؟ ..
إيمان إبراهيم بأن الله سيقيم إسحق من الموت بعد ذبحه جعله لا يقدم إسحق للذبح بنفس هزيلة محطمة تتحسر علي فقدان إسحق .. إيمانه أنه لن يفقد إسحق جعله يقوم بهذا العمل البطولى بلا خوف أو اضطراب أو تردد أو تذمر بل بحب لا يشوبه شىء مثل هذا .. يقول سفر التكوين إنه استيقظ مبكراً ليقوم بهذا العمل ( تك ٢٢ : ٣ ) ..
• الأعمال تُكمّل الإيمان
تقول رسالة يعقوب عن أعمال إبراهيم إنها أكملت الإيمان « بالأعمال أُكمِل الإيمان » (يع ٢ : ٢٢ ) .. إن مصدر هذه الأعمال هو الإيمان الذى بالقلب، والسؤال هو بأى معني تُكمِل الأعمال الإيمان إذا كان هو مصدرها ؟ ..إن الثمرة الجيدة لا تجعل الشجرة [ مصدر الثمرة ] جيدة بل تُظهِر إنها جيدة.. فالأعمال تُكمِل الإيمان بهذا المعني أنها تُظهر أنه إيمان حى حقيقى قلبى وليس إيماناً ميتاً ، أى مجرد معرفة ذهنية .. ولا يعنى اكتمال الإيمان أنه لم يعد قابلاً للازدياد فدائماً سيكون لسان حالنا كلمات التلاميذ للرب « زد إيماننا » ( لو ١٧ : ٥ ) .. كما لا يعنى أيضاً أنه لن يضعف فى أى وقت من الأوقات ، فكل مؤمن عُرضة أن يهتز إيمانه وإن كان الروح القدس سيساعده عندئذٍ لينهض سريعاً من ضعفه ..
إن المقصود بأن الأعمال تكمّل الإيمان هو أنها تُظهِر أنه حى حقيقى ، والهدف من ذلك أن نصبح شهوداً لله نمجده بأعمالنا «يروا أعمالكم الحسنة [ ثمر الإيمان الحقيقى ] ويُمجّدوا أباكم الذى فى السموات » ( مت ٥ : ١٦ ) ..
تأمل حينما آمن إبراهيم بالله فى تك ١٥ ، كان إيمانه هذا كافياً فى نظر الله لكى يبرره وحُسِب له هذا الإيمان براً .. لكن إيمانه لم يتوقف عند هذا المستوي ، فقد نما عبر السنين وكان إبراهيم خلالها يعمل أعمالاً مدفوعاً بهذاالإيمان الذى بقلبه .. وبهذه الأعمال تحقق هدف الإيمان الرئيسى وهو قيامه بأعمال تُمجد الله ..
هذا هو معني أن الأعمال تُكمِل الإيمان .. إنها تحقق هذا الهدف الرئيسى للإيمان وهو تمجيد الله .. لاحظ أن كلمة « أُكمِل » فى الأصل اليونانى هى الكلمة « teleiooo » التى تأتى من الاسم « telos » الذى معناه « الهدفgoal » (١١) .. فالمقصود بأن أعمال الإيمان أكملت الإيمان هو أنها حققت الهدف منه وهو تمجيد الله .. هكذا حينما تصرف إبراهيم مدفوعاً من إيمانه الذى كان قد نما كثيراً وقدّم إسحق علي المذبح فقد قام بأعظم عمل مجّد فيه الله لأن هذا العمل :
- أظهر أن الله يستحق أن نقدم له كل شىء حتي إسحق [ أثمن ما لدينا ] .. أن نقدمه بلا تردد أو تحفظ ..
- كما أظهر أنه إله يستحق ثقتنا .. فلا خوف من إعطائه إسحق إذا طلبه منا مؤمنين أنه سيرده لنا مصحوباً ببركات عظيمة ، وأنه سيفعل ذلك حتي وإن تطلَّب الأمر أن يصنع معجزة ..
ونؤكد مرة أُخري أن رسالة يعقوب لم تقل إنه بالأعمال صار إيمان إبراهيم حيّاً أو حقيقياً بل صار كاملاً لأنه بأعمال الإيمان ظَهَرَ أن إيمانه هو إيمان حقيقى كما بالأعمال تحقق هدف الإيمان .. تمجيد الله ..
نمـو الإيمـان
قارئى الحبيب ، هذه حقيقة هامة ينبغى أن تدركها جيداً : إن كل عمل يدفعك إليه إيمانك سيساهم فى نمو هذا الإيمان لكى يثمر أعمالاً أعظم تجعل شهادتك للرب أكثر تأثيراً فى الناس من حولك ..
هل تواجهك الصعاب ؟ .. هل تري جبالاً تعوق سعادتك أو نجاحك؟.. واجه هذه وتلك بإيمان بوعود الله المناسبة لها .. ولتكن أعمالك بحسب هذا الإيمان وليس العيان .. إعمل أعمالاً تنبع من إيمانك أن الجبال ستنتقل وستري أنك لن تنتصر فقط علي الصعاب وتزيل الجبال بل أن إيمانك نفسه سينمو ويثمر أعمالاً عظيمة مثلما حدث مع إبراهيم ، أعمالاً تمجد الله علي نحو أعظم وأعظم وتشهد له علي نحو أقوي وأقوي بأنه يستحق أن نعطيه الكل كما يستحق ثقتنا كاملة ..
نعم الإيمان ينمو ، ولكن أول درجاته وأساسه هو إيمان الإنسان القلبى الحى بالرب يسوع ، فبهذا الإيمان ينال الخاطىء الخلاص ويتبرر أمام الله ويصير ابناً له .. بعد ذلك يبدأ الإيمان فى النمو طالما استمر الإنسان فى علاقته مع الله ، ومن وقت لآخر يدفع الإيمان الإنسان أن يقوم بأعمال معينة من أجل نوال وعود الله المتعلقة بتسديد الاحتياجات والنجاح والشفاء والحرية ، وبهذه الأعمال يتمجد الله .. ومرة أُخري نؤكد أن الإيمان الذى يُبرر الإنسان أمام الله ليس إيمانه بعد أن ينمو وينضج ، وليس إيمانه بعد أن يُكمَل بالأعمال .. بل الإيمان وهو فى بدايته ، فالله يراه كافياً لتبريره.. لذلك فالخاطىء ليس مطالباً بإيمان كإيمان إبراهيم وهو يقدم إسحق فهذا مستوي لا يبلغه المؤمن إلا بعد سنوات من تبريره أمام الله ونواله الميلاد الثانى .. الخاطىء مطالب فقط بالإيمان القلبى لكى يُبرر أمام الله .. وهو إيمان حى منذ بدايته .. تأمل كلمات الرسول بطرس التى خاطب بها جموع المؤمنين :
« إلي الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لنا ببر إلهنا والمخلص يسوع المسيح » ( ٢ بط ١ : ١ ) ..
فالإيمان الذى يبرر الخاطىء أمام الله هو إيمان يتساوي فيه الجميع ، جميع المؤمنين الحقيقيين بما فيهم الرسل كبطرس لأنه إيمان البداية أو بكلمات أُخري إيمان الإنسان القلبى فى لحظة بدايته .. تقول رسالة رومية :
« بر الله بالإيمان … إلي كل [ مقدم لجميع الناس ]
وعلي كـل الذين يؤمنـون [ فقط من نصيب جميع الذين آمنوا ] . لأنه لا فرق » ( رو ٣ : ٢٢ ) ..
لا فرق فى هذا الأمر بين مؤمن وآخر .. فجميعهم كانوا خطاة وجميعهم آمنوا بهذا الإيمان الذى يتساوي فيه الجميع .. أما الفرق بينهم فهو فى المستوي الذى نما إليه هذا الإيمان فى كل منهم عبر السنين .. كم أثمر أعمالاً لمجد الله ؟ ..
المقطع الرابع : ليس بالإيمان وحده
تختتم رسالة يعقوب حديثها عن تبرير إبراهيم قائلة :
« وتـم [ بتقديم اسحق علي المذبح فى تك ٢٢ ] الكتاب القائل [ فى تك ١٥ : ٦ ] فآمن إبراهيم بالله فحُسب له براً ودُعى خليل الله . ترون إذاً أنه بالأعمـال يتبرر الإنسان لا بالإيمان وحده » ( يع ٢ : ٢٣ ، ٢٤ ) ..
هذا المقطع يقول إن تقديم إبراهيم لابنه إسحق علي المذبح كان له نتيجتان هامتان :
- تم الظهور الكامل لحقيقة أن إيمان إبراهيم بالله هو إيمان حى وأنه شخص بار ..
- أُطلق علي إبراهيم هذا اللقب العظيم ، خليل ( صديق) الله ..
١ ـ الظهور الكامل
تقول رسالة يعقوب « وتم [ بتقديم إسحق علي المذبح فى تك ٢٢] الكتـاب [ المقدس ] القائـل [ فى تك ١٥ : ٦ ] فـآمن إبـراهيم بالله فحُسـِب له بـراَ » ( يع ٢ : ٢٣ ) .. إن كلمـة « تم » هـى ترجمـة للكلمـة اليونـانيـة « pleroo »والتـى مـن معانيهـا إعـلان الأمـر كـامـلاً (to proclaim completely)(٢١) كما فى ( رو ١٥: ١٩ ، ٢ تى ٤: ١٧)..
- ففى ( رو ١٥ : ١٩ ) يقول الرسول بولس :
« إنى من أُورشليم وما حولها إلي إلليريكون قد أكملت التبشير [ إعلان ] [ pleroo ] [ I have fully proclaimed] بإنجيل المسيح [ NIV, NRSV, TEV ] » ..
- وفى ( ٢ تى ٤ : ١٧ ) يقول بولس :
« الـرب وقـف معى وقوانى لكى تتم [ تُعرف كاملاً ] [ pleroo ] [ might be fully known ] بــى الكـــرازة [ KJV, NIV, NRSV, ASV ] » ..
وهكذا فإن ما تريد رسالة يعقوب أن تقوله هو أن تقديم إبراهيم لإسحق ابنه علي المذبح فى ( تك ٢٢ ) كان إعلاناً كاملاً لما حدث فى الخفاء بين إبراهيم والله فى ( تك ١٥) حينما آمن إبراهيم بالله أنه قادر أن يعطيه نسلاً كنجوم السماء بالرغم من أن زوجته سارة كانت عاقراً ، وحسب الله هذا الإيمان براً لإبراهيم ..
- فإيمان إبراهيم فى ( تك ١٥ ) الذى رآه الله ولم يره الناس صار مرئياً بوضوح كامل فى ( تك ٢٢ ) .. وهل هناك دليل ملموس يُقدَّم للناس علي إيمان إبراهيم بالله أقوي من تقديم إبراهيم لابنه إسحق علي المذبح ؟ .. لقد أظهرت هذه الحادثة بما لا يترك أى مجال للشك أن إيمان إبراهيم بالله هو إيمان حى وحقيقى ومثمر ..
- لقد حسبه الله باراً فى ( تك ١٥ ) لأنه رأي إيمانه الذى فى قلبه .. أما الناس فلم يكن ممكناً أن يحسبوه شخصاً باراً إلا برؤيتهم لأعماله الحسنة المتميزة والتى لا شك أن أعظمها كان عندما قدم إسحق علي المذبح فى (تك ٢٥ ) ..
أيها الحبيب ، دعنا نلخص تبرير إبراهيم فى ثلاث نقاط :
- فى تكوين ١٥ .. آمن إبراهيم بالله .. آمن بوعده له بالنسل الكثير فحسب الله له هذا الإيمان براً .. تبرر إبراهيم أمام الله لأن الله رأي ما فى قلبه من إيمان ..
- وفى تكوين ١٧ .. بعد نحو خمسة عشر عاماً من تبرير إبراهيم طلب الله منه أن يختتن فحَمَلَ جسده علامة ثابتة تعلن دائماً أنه نال « بر الإيمان » .. علامة تعلن أنه سيظل مبرراً أمام الله بسبب أنه آمن فى تك ١٥« وأخذ [ إبراهيم ] علامة الختان ختماً لبر الإيمان » ( رو ٤ : ١١ ) ..
- وفى تكوين ٢٢ .. بعد نحو ثلاثين عاماً من تبرير إبراهيم أمام الله ونحو خمسة عشر عاماً من ختانه قَدَّمَ إبراهيم ابنه إسحق علي المذبح .. هذا العمل الإيمانى أظهر للجميع أن الله كان مُحقاً تماماً حين بَرَّرَ إبراهيم قبل ثلاثين عاماً ، فقد رأوا بجلاء فى هذه الحادثة ثمر إيمانه .. وكما تشهد الثمرة عن الشجرة التى أثمرتها هكذا تقديم إبراهيم لإسحق فى تكوين ٢٢ أعلن بوضوح أن إيمانه الذى برره فى تكوين ١٥ كان إيماناً حقيقياً وحياً ..وبتقديمه إسحق تبرر إبراهيم أمام الناس أى ظهر باراً أمامهم ..
٢ ـ خـليل اللـه
ولأن قصة تقديم إبراهيم لإسحق كشفت للناس أنه بار وأن إيمانه حى وحقيقى ، كما أظهرت علنياً العلاقة الحميمة بينه وبين الله .. فقد أُطلق عليه خليل الله ( ٢ أى ٢٠ : ٧ ) وهو اللقب الذى وصفه به الرب ( إش ٤١ : ٨ )..وهذه هى النتيجة الثانية لتقديم إبراهيم لإسحق ابنه علي المذبح ، تقول رسالة يعقوب « ودُعى خليل الله » مستخدمة لكلمة « خليـل » الكلمـة اليونانيـة « philos » التى تأتـى من الفعـل « phile-oo » الذى يعنى « يحب » ويُطلق علي الحب المتبادل بين شخصين لهما ذات الاهتمامات الواحدة (١٣) .. لقد أُطلق علي إبراهيم خليل ( صديق ) الله لعلاقة المحبة الحميمة التى كانت بينه وبين الله، كان صديق الله المحب له والمحبوب منه .. ولاحظ أن الرسالة تقول إن إبراهيم هو خليل ( صديق ) الله وليس أن الله هو صديق إبراهيم ، ومع أن هذا أيضاً كان حقيقياً إلا أن الوصف الأول أعظم ..
القارىء العزيز ، هل تعلم أنك كمؤمن من مؤمنى العهد الجديد لك امتياز أن تكون صديقاً للرب كإبراهيم ؟ .. لقد قدم الرب يسـوع نفسه للخطاة باعتباره صديقاً لهم ( لو ٧ : ٣٤ ؛ ١٩ : ٧ ) والذين قبلوه منهم صاروا أصدقاء له.. اسمعه وهو يقول لتلاميذه :
« أنتم أحبائى [ أصدقائى KJV ] .. لا أعود أُسميكم عبيداً .. لكنى .. سميتكم أحباء [ أصدقاء KJV ] » ( يو ١٥ : ١٤ ، ١٥ ) ..
أنت صديق الرب .. نعم لك امتياز العلاقة الشخصية الحية معه.. لك أن تسمع صوته متحدثاً إليك كصديق ولا سيما فى فترات قراءة الكلمة .. لكن لن يعرف الآخرون أنك صديق له إلا من خلال رؤيتهم لثمر إيمانك ، الأعمال التى تبرهن علي إيمانك به وعلي المحبة التى تربط بينك وبينه ..
وتنهى رسالة يعقوب حديثها عن إيمان إبراهيم قائلة :
« ترون إذاً أنه بالأعمال يتبرر الإنسان [ يُعـلن أن الإنسان بار YLT ] لا بالإيمان وحده » ( يع ٢ : ٢٤ ) ..
بما أن الإيمان لا يراه الناس ، لم يظهر إبراهيم باراً فى عيونهم بالإيمان بل بالأعمال .. لكن انتبه فهذه ليست أعمال التدين التى تُمجد الذات كأعمال الفريسيين بل أعمال الإيمان .. الأعمال التى مصدرها الإيمان وتمجد الله ، الأعمال التى هى ثمرة الإيمان القلبى بوعود الله كأعمال إبراهيم .. وهكذا فالمؤمن يُبرر أمام النـاس ( يُري فى عيونهم كشخص بار ) بالأعمال .. أعمال الإيمان .. ويتبرر أمام الله ( يكون باراً أمامه ) بالإيمان ، ولكن فقط الإيمانالحى القلبى الذى يُثمر أعمالاً تمجد الله ..
والآن لنلخص ما درسناه معاً فى شرح المقاطع الأربعة من الأصحاح الثانى لرسالة يعقوب :
- المقطع الأول يعلن أن الإيمان الذى يبرر الخاطىء أمام الله ويمنحه الخلاص ليس هو المعرفة الذهنية بالحق بل الإيمان القلبى الحى الذى حتماً يثمر مع الوقت أعمالاً حسنة وينتج عنه تغيُّر واضح فى سلوك الإنسان عما كان قبل أن يؤمن ..
- ويقول المقطع الثانى إنه بتقديم إبراهيم لإسحق علي المذبح وهو يؤمن أنه سيقوم من الموت بعد ذبحه قد تبرر أى ظهر أمام الجميع أنه شخص بار ..
- أما المقطع الثالث فيقول إن إيمان إبراهيم بأن إسحق سيقوم من الموت بعد أن يذبحه قد عمل مع أعماله .. فقد جعله يسير فى إتمام هذا الأمر بلا تردد أو كسل أو تذمر كما يقول إن أعمال إبراهيم وهو يطيع الله فى ذبح إسحق قد أكملت إيمانه .. أظهرت أنه إيمان حقيقى قلبى كما مجدت الله بإعلان أنه يستحق أن نقدم له أفضل ما لدينا وبثقة أننا لن نفقده ..
- وفى المقطع الرابع .. التأكيد علي أن المؤمن مثل إبراهيم لن يراه الناس شخصاً باراً وصديقاً لله إلا عندما يثمر إيمانه أعمالاً تُظهِر بوضوح ثقته فى إلهه وحبه له وطاعته لكلمته ..
إيمـان راحـاب
تواصل رسالة يعقوب حديثها عن هذا الإيمان الحى فتُقَدِّم مثالاً آخر تضعه جنباً إلي جنب بجوار مثلها الرئيسى « إبراهيم » .. إنها راحاب الزانية التى من مدينة أريحا ، المدينة الفاسدة ..
« كذلك راحاب الزانية … أما تبررت [ ظهرت بارة NIV، أُعلنت أنها بارة YLT ] بالأعمال إذ قبلت الرسل [جاسوسين من شعب الله ] وأخرجتهم فى طريق آخر» ( يع ٢ : ٢٥ ) ..
لا شك أنها النعمة الغنية التى جعلت من راحاب مثلاً للإيمان وهى التى أتت من أعماق الإثم كأشر امرأة فى أشر مدينة [ أريحا ] .. لقد وضعتها النعمة جنباً إلي جنب بجوار إبراهيم رجـل الله ، بطل الإيمان وأبو كل المؤمنين (غلا ٣ : ٧ ) ..
وما هى الأعمال التى بررتها ( أظهرتها بارة )؟ .. ليست صلواتها أو أصوامها أو عطاؤها المادى ، بل تبررت ( ظهرت بارة ) إذ فتحت باب بيتها للجاسوسين التابعين لشعب الله .. رفضت أن توشى بهما بل أخرجتهما إلي طريق آخر عن طريق نافذتها .. ولماذا فعلت ذلك معرضة حياتها لخطر محقق من شعبها ؟ .. لا إجابة سوي أنها آمنت إيماناً حقيقياً أن إله هذين الجاسوسين هو الإله الحقيقى الذى معه الأمان وبدونه الخطر كل الخطر .. لقد آمنت أنها إذا رحبت بجاسوسين من شعب الله الحقيقى فهى لن تُعرّض نفسها للخطر بل ستحظي بالحماية .. تقول الرسالة إلي العبرانيين :
« بالإيمان راحاب الزانية لم تهلك مع العصاة [ شعب مدينتها أريحا ] إذ قبلت الجاسوسين بسلام » ( عب ١١ : ٣١ ) ..
آه أيها الحبيب ، لو لم يكن وراء ما فعلته إيمان بالإله الحى لكان هذا الفعل عملاً بغيضاً تخون به شعبها .. ولا يمكن أن نغفل بالطبع أن عملها هذا لم يكن متوافقاً تماماً مع قداسة الله ، فقد كذبت علي شعبها ولم تخبرهم بالحقيقة .. لكننا لا ننسي أيضاً أن إيمانها كان لا يزال وليداً ، كما لم يكن لديها النور الكافـى لتعرف مدي بغض الله للكذب ( أف ٤ : ٢٥ ، تى ١ : ٢ ، عب ٦ : ١٨ ) .. إنه عمل غير نقى تماماً لذا لا يمكن أن يكون قد حوّلها من خاطئة إلي بارة أمام الله القدوس .. لا يمكن أن يكون هذا العمل قد بررها أمام الله .. لكنه بلا شك بررها ( أظهر أنها بارة ) أمام الناس لأنه كان دليلاً واضحاً أنها رفضت انتماءها إلي أريحا وآلهتها الوثنية وصار ولاؤها للإله الحى كواحدة من شعبه .. نعم لقد تبررت أمام الله من آثامها قبل هذا العمل حينما آمنت به بقلبها .. ولأن إيمانها هذا كان حقيقياً فقد صدر عنه أعمال وإن لم تكن كاملة فى حد ذاتها ، لكنها أظهرت أمام الناس أنها تؤمن بالإله الحى ولم تعد وثنية بل بارة ..
وأنت أيضاً إن كان إيمانك حقيقياً فلابد أن تصدر عنه أعمال تُظهر للناس أنك صرت إنساناً جديداً مختلفاً عن ذى قبل .. لا تقل إننى لست مثل إبراهيم .. لا تتوقع منى أعمالاً تبررنى أمام الناس .. أعمالاً تمجد الله .. قارئى العزيز إن لم تقدر أن تري نفسك فى إبراهيم فبإمكانك أن تجدها فى راحاب الآتية من عمق أعماق الخطية .. اُنظر كيف شهدت أعمالها وبقوة أنها تغيرت وصارت للرب ..
والآن بعد قراءتنا لهذا الفصل والفصل السابق نقول بكل ثقة أن الرسالتين رومية ويعقوب فى حديثهما عن إبراهيم تتحدثان عن موضوعين مختلفين تماماً :
- بالنسبة للتبرير .. تقصد به رسالة رومية تبرير الخاطىء أمام الله ، أى أن الله لا يحسب له خطية بل يحسب إيمانه براً له .. أما رسالة يعقوب فتقصد بالتبرير إظهار أن الإنسان بار أمام الناس ..
- بالنسبة للإيمان .. بينما تتحدث رسالة رومية عن الإيمان الابتدائى الذى كان لإبراهيم وعمره نحو ثمانين عاماً تركز رسالة يعقوب حديثها علي إيمان إبراهيم الناضج بعد نحو ثلاثين عاماً عندما قدم إسحق علي المذبح ..
وهكذا فمن رسالة رومية نعلم أن الإنسان يتبرر أمام الله أى يتحوّل من مذنب إلي بار أمامه بالإيمان فقط ، وليس بالإيمان والأعمال معاً ..
ومن رسالة يعقوب نتعلم أن الإيمان الذى يُبرر الإنسان أمام الله ليس الإيمان الميت ، مجرد المعرفة الذهنية ، الذى لا يغير اتجاه الحياة ولا تصاحبه توبة .. بل الإيمان القلبى النابع من قلب تحوَّل عن خطاياه إلي الرب ..الإيمان الذى ينمو والذى يثمر ويعمل .. أو كما تقول رسالة غلاطية « الإيمان العامل بالمحبة [ الذى يُظهر نفسه من خلال الحب NIV ] » ( غل ٥ : ٦ )..
وبهذه الأعمال ، أعمال المحبة التى يعملها الإيمان الحى نكون مثل إبراهيم نتبرر أمام الناس ..
إننا بالأعمال نظهر أمام الناس أبراراً .. وما هو الهدف ؟ هذا هو حديث الباب التالى ..
استمر فى القراءة ..



