١٤ – أعمالي عظيمة – لخدمته ولمجده

الفصـل الأول
لخدمته ولمجده

بينما كان نحميا يقود الشعب في إعادة بناء سور أُورشليم مرة أُخري ، أرسل إليه اثنان من أعدائه طالبين منه أن ينزل للقائهما في بلدة أُونـو التي تقع في منتصف المسـافة بين أُورشليم والسامرة .. لقد تظاهرا بالرغبة في مساعدته والتعاون معه بينما كانا يدبران له شراً .. فكانت إجابة نحميا لهما هي :

« إني أنا عامل عمـلاً عظيمـاً فلا أقدر أن أنـزل [ إلي أونو ]. لماذا يَبطـل [ يتوقف ] العمـل بينما أتركه وأنزل إليكما »

( نح ٦ : ٣ )

ولم ييأس هذان العدوّّان فقد أرسلا نفس الرسالة إلي نحميا أربع مرات متلاحقة وفي كل مرة كانت إجابة نحميا لا تتغير :

« إني عامل عملاً عظيماً »

لقد رأي نحميا أن العمل الذي كلّفه به الله هو عمل عظيم ولهذا لن يسمح لأحد أن يعوقه عن إتمامه .. القاريء العزيز ، ليس نحميا فقط هو الذي يستطيع أن يقول عما يعمله إنه عمل عظيم بل أنت وأنا وكل مؤمن حقيقي يخضع للرب عاملاً الأعمال التي يريده أن يفعلها .. فقد جعلنا الله أُمراء في علاقتنا به ، ولهذا فإن أعمالنا هي أعمال عظيمة تليق بأُمراء الله ..

إن كل عمل يريدك الرب أن تفعله هو عمل عظيم أياً كان مجاله سواء في داخل الأسرة أو العمل أو الكنيسة ، ببساطة لأن الله العظيم هو الذي يريدك أن تفعله وهو الذي يؤيدك بالقوة التي تُمكّنك من إتمامه بنجاح ، وبهذه الأعمال نحقق قصد الله العظيم من وجود كل منا على الأرض .. إننا نخدمه بها ولكن ليست خدمة العبيد لسيّد يذلهم ، بل خدمة الأبناء لأبيهم الذي يحبهم كثيراً ويعاملهم كأُمراء .. تأمل معي هذه الآية التي ذكرتها الرسالة إلي العبرانيين ضمن حديثها عن فاعلية دم المسيح الثمين:

« دم المسيح .. يُطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحىّ » ( عب ٩ : ١٤ ) ..

هذه الآية تشير إلي التحول العجيب الذي حدث لطبيعة أعمالنا الصالحة .. فقبل أن ننال الخلاص ونتطهر بالدم الثمين كنا نقوم بأعمال عن اعتقاد أنها صالحة ، بينما في الحقيقة هي أعمال ميتة شأنها شأن أعمالنا الشريرة لأنها كانت تصدر عن الطبيعة الفاسدة التي ورثناها عن آدم .. فأي إنسان قبل أن ينال الخلاص هو شخص ميت لانفصـاله عن الله الحي « وإذ كنتم أمواتاً في الخطـايا [ قبل نـوال الخـلاص ] .. أحيـاكم معه [ مع المسيح ] » ( كو٢ : ١٣ ) ، لهذا فإن كل أعماله هي أعمال ميتة في نظر الله حتي وإن كانت تبدو حسنة في عيون الآخرين كإنفاق الأموال على الفقراء .. أما بعد أن ينال الخاطيء الخلاص فإن أعماله الصالحة تصدر من طبيعته الجديدة التي نالها في الميلاد الثاني وبدافع من الروح القدس الذي فيه ، لهذا فهي أعمال ليست ميتة بل عظيمة يخدم بها إلهه الحي ..

هل أدركت هذه الحقيقة الهامة أن حياتك الآن على هذه الأرض هي لأعمال عظيمة تخدم بها إلهك الحي ؟ .. هذا هو موضوع هذا الفصل ، فتعال معي نرفع هذه الصلاة بإيمان :

إلهي العظيم ..

لتكن كل أيام حياتي علي

الأرض لخدمتك ولمجدك ..

باسم الرب يسوع سأعمل

الأعمال العظيمة ولن يقدر

إبليس أن يعوقني ..

أدعوك الآن قارئي لنتأمل معاً في هذا المقطع الشيّّق من رسالة أفسس الأصحاح الثاني :

« لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم. هو عطية الله . ليس من أعمال .. لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها » ( أف ٢ : ٨ – ١٠ ) ..

في الجزء الأول من هذا المقطع تلمع أمامنا هذه الكلمات « بالنعمة.. بالإيمان .. عطية .. ليس من أعمال » ، التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن نوالنا الخلاص لم يكن بسبب أي أعمال قمنا بها ، إنما هو هبه الله المجانية لنا بسبب إيماننا القلبي بالرب يسوع.. أما الجزء الثاني فيحثنا نحن الذين نلنا الخلاص أن نمارس الأعمال الصالحة مبرزاً هذه الحقيقة الثمينة أننا « نحن عمله » .. وكلمة « عمله » باليونانية « poieema » تشترك في الأصل اللغوي مع كلمة « poieesos » التي تعني عملاً فنياً وبالأخص كتابة الشعر( ١ ) ومنها جاءت كلمة قصيدة بالإنجليزية « poem » ..

القاريء العزيز ، يا من حظيت بالخلاص ونلت الميلاد الثاني ، هل تدرك أنك عمل القدير ؟.. أنت عمل الله .. أنت عمله الفني الرائع .. أنت قصيدته المبهرة .. وهو لا يريدك عملاً لا يراه أحد أو قصيدة لا يتلذذ بها الآخرون.. بل عملاً فنياً يتعرف من خلاله الكثيرون على صانعه العظيم .. سيحدث ذلك كما تقول رسالة أفسس حين تسلك في الأعمال الصالحة التي سبق الله وأعدها لكي تسلك فيها ..

لكن انتبه ، فليس المراد بالأعمال الصالحة فقط العمل على خلاص الآخرين ومساعدة الفقراء وزيارة المرضي بل كل الأعمال التي تفعلها طاعة لكلمة الله وتعملها لمجده بما فيها عملك وتصرفاتك وسط أهل بيتك ..

كم تحثنا كلمة الله مراراً على السلوك في الأعمال الصالحة ، فرسالة تيطس تقول إننا قد افتُدينا من كل إثم وتطهرنا لنكون « شعباً خاصاً [ للرب ]غيوراً [ متحمساً ] في أعمال حسنة » ( تي ٢: ١٤ ) .. والرسالة الثانية إلي تيموثاوس تذكر أن المؤمن يتعلم من الكتاب المقدس لكي يكون « متأهباً لكل عمل صالح » ( ٢ تي ٣ : ١٧ ) ، كما تطالبنا الرسالة الأُولي أن نكون « أغنياء في أعمال صالحة » ( ١تي ٦ : ١٨ ) ..

إن الأعمال الصالحة هي أعمال عظيمة لخدمة الرب ولمجده لذلك تدفعنا الكلمة أن نكون غيورين فيها متأهبين لها وأغنياء فيها ، وتشرح لنا هذه الحقيقة الهامة في صورتين تعبيريتين وصفت بهما المؤمن ، وهما :

  • سراج غير مُخبأ
  • وملح غير فاسد

أولاً : سراج غير مُخبأ

إن أشهر جزء من كلمة الله تحدَّث عن أهمية أعمال المؤمن الصالحة هو تلك الآيات التي قالها الرب يسوع خلال الموعظة الشهيرة على الجبل :

« أنتم نور العالم. لا يمكن أن تُخفي مدينة موضوعة على جبل. ولا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيُضيء لجميع الذين في البيت. فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات »

( مت ٥: ١٤ – ١٦ )

يقول الرب إن أعمالنا الحسنة تجعل الناس يمجدون الآب .. يا للفارق ، فحينما يصنع الخطاة أعمالاً حسنة يمدحهم عليها الناس ، فإن ذلك يمجدهم وليس الله .. أما نحن فحتي ولو امتدحنا الناس على أعمالنا الحسنة فيجب أن يظل إيماننا ثابتاً بأن هذا سيؤدي إلي تمجيد الله .. لنتذكر دائماً كلمات الرسالة الأُولي إلي كورنثوس التي تقول لنا :

« افعلوا كل شيء لمجد الله » ( ١كو ١٠: ٣١ )

ليست أعمالنا الحسنة أعمالاً عادية كتلك التي يفعلها غير المؤمنين وإلا لاكتفي الناس بمدحنا وتمجيدنا وليس الله .. إن وراء أعمالنا الروح القدس ، هو الذي يصبغها بالمحبة غير العادية والإخلاص الشديد والأمانة المدققة في كل شيء .. نعم الروح هو الذي يجعل أعمالنا أعمالاً عظيمة تؤثر في الناس تأثيراً غير عادياً كتأثير النور في الموضع المظلم .. الروح يجعلها أعمالاً مضيئة تُظهِر للناس عظمة إلهنا .. لاحظ أن الرب لم يقل « أضيئوا نوركم »بل « فليضيء نوركم » فلسنا نحن الذين نضيء النور بل الروح القدس هو الذي يضيء من خلالنا حينما نخضع له ولا نحزنه باستسلامنا لأية خطية ..

الروح القدس يُضيء أعمالنا لتصبح أعمالاً شاهدة للرب والروح هو أيضاً الذي يعمل في الناس فيرون أن أعمالنا الحسنة مختلفة عن أعمالهم ويدركون أن سبب هذا الاختلاف هو إيماننا بالرب يسوع .. تذكّّر كلمات الرب عن الروح القدس « هو يشهد لي » ( يو ١٥ : ٢٦ ) ، « ستنالون قوة متي حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهوداً » ( أع ١ : ٨ ) ..

لكن هل دائماً ما تتجاوب النفوس التي تري أعمالنا مع الروح القدس وتمجد الله الذي غيّر سلوكنا ؟ .. لنقرأ ما قاله الرسول بطرس في هذا الأمر :

« أطلب إليكم .. أن تكون سيرتكم بين الأُمم [ غير المؤمنين] حسنة لكي يكونوا في ما يفترون عليكم كفاعلى شر يمجدون الله في يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التي يلاحظونها » ( ١بط ٢ : ١٢ ) ..

من هذه الكلمات نفهم أنه قد يحدث أحياناً أن تغالط بعض النفوس الحقيقة وترفض أن تعترف بالنور أنه نور فلا تقر بأن أعمالنا حسنة متميزة عن أعمالهم بل وقد تفتري علينا واصفة إيانا بصفات رديئة كالتي يوصف بها فاعلو الشر .. هل سيستمر الأمر هكذا ؟.. كلا ، فإن افتري البعض علينا فسيأتي حتماً اليوم الذي سيقرون فيه بالحقيقة وعندئذ سيمجدون الله من أجل ذات أعمالنا الحسنة التي كذبوا من قبل في حكمهم عليها ..

ما هو هذا اليوم ؟ .. الرسول بطرس يقول إنه يوم الافتقاد ( لو ١٩ : ٤٤ ) ، يوم افتقاد الله لهم سواء افتقاده بالرحمة أو بالقضاء :

  • بالرحمة.. حينما يفتقدهم بمعاملات خاصة يُظهِر لهم بها حبه ونعمته واستعداده لقبولهم فيتوبون ويقبلون خلاصه ..
  • أو بالقضاء .. في اليوم الذي يزورهم فيه لكي يعاقبهم على رفضهم نعمته فيضطرون إلي الاعتراف بالحقيقة التي أنكروها ..

كن حريصاً على السلوك في الأعمال الحسنة بإيمان أن الروح القدس يضيئها لتكون أعمالاً عظيمة تشهد للرب وتمجده ..

لقد شبّه الرب المؤمن في الموعظة على الجبل بالسراج الموقد [ المشتعل ] « لا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت » ( مت ٥: ١٥ ) .. كما تحدَّث عن يوحنا المعمدان في إحدي المناسبات قائلاً عنه « كان هو السراج الموقد [ المشتعل ] المنير [ المضيء ] » ( يو ٥ : ٣٥ ) .. الرب يريدنا جميعاً أن نكون سراجاً مشتعلاً مثل يوحنا المعمدان نضيء للناس فيعرفون الرب ..

كان السراج في ذلك الوقت يشتعل بالزيت ولن نشتعل سوي بزيت الروح القدس .. هو الذي يجعل قلوبنا ملتهبة بمحبة الرب فتشهد أعمالنا وكلماتنا عنه بقوة لنحقق كلمات رسالة فيلبي القائلة :

« في وسط جيل معوج وملتو تضيئون بينهم كأنوار في العالم »

( في ٢ : ١٥ )

أنت سراج مضيء بالروح القدس فلا تحجب نور هذا السراج بأن تضعه تحت مكيال أو سرير:

  • « لا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال » ( مت ٥ : ١٥ )
  • « هل يُؤتي بسراج ليوضع تحت المكيال أو تحت السرير »

( مر ٤: ٢١ )

احذر المكيال

كان المكيال يُستخدم قديماً كوحدة قياس أساسية في تجارة الغلال ، ولهذا فهو يُذكّّرنا بالمعاملات المالية .. فما معني أن تضع السراج تحت المكيال؟ .. معناه أن تعطي لأُمورك المالية الأولوية الأولي قبل أُمورك الروحية وأن يصبح لها اهتمامك الأول وتعطيها أفضل أوقاتك .. تنشغل بها أكثر مما ينبغي فيقل الوقت الذي تصرفه مع الرب ومع كلمته ويتعذر عليك المشاركة في خدمته وتتناقص عدد المرات التي تحضر فيها اجتماعات المؤمنين الحيّّة للعبادة أو التعليم ، والنتيجة يتعطّل نموك الروحي وتبرد تدريجياً محبتك لله وللآخرين ويزداد إهمالك لواجباتك العائلية وباختصار تُحزِن الروح القدس .. وهكذا شيئاً فشيئاً يسيطر عليك الهم والارتباك ولا يعود الناس يرونك فرحاً بل حتماً سيلاحظون هبوط معنوياتك وستفشل في أن تخفي هذه الحقيقة عنهم ..

لقد حذرتنا كلمة الله من أن نجعل أُمور العمل تطغي على حياتنا وتستنفذ من أوقات راحتنا وتمتعنا بحياتنا العائلية ، فمزمور ١٢٧ يقول :

« إن لم يبن الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون. إن لم يحفظ الرب المدينة فباطلاً يسهر الحراس. باطل هو لكم أن تُبكّّروا إلي القيام مؤخرين الجلوس [ العمل لأوقات طويلة ] آكلين خبز الأتعاب [ خبز الأعمال المضنيةNAS ] . لكنه يعطي حبيبه نوماً [ الأصـل العبري يسمح بالترجمة : يعطي حبيبه حتي وهو نائم ( NAS, TEV, NJB )] » ( مز ١٢٧ : ١ ، ٢ ) ..

هذه الكلمات تقول لك :

  • لن يُبني عملك ولن يُحفظ إن لم يبنه الرب ويحفظه .. فإن لم يكن له المكانة الأُولي في قلبك فلن يؤدي عملك إلي الازدهار بل الإنهاك .. كما سيتعطل ويُسلب ..
  • لن يفيدك أن تعطي عملك وقتاً أكثر على حساب راحة جسدك [ النوم ] أو مشاركة أهل بيتك في مجالات الشركة الرئيسية ..
  • لن يسمح الرب بأن تصيبك خسارة إذا أعطيت لجسدك الوقت الذي يحتاجـه للراحة والنوم أو لعائلتك كي تتمتع بالشركة معها ، فهو يعمـل لنجاحـك حتي وأنت نائم.. لا تنسَ أنه أعطي هؤلاء وهم نائمون آدم ( تك ٢ : ٢١، ٢٢) وإبراهيم ( تك ١٥ : ١٢ ـ ١٦ ) وسليمان ( ١ مل ٣ : ٥ ـ ١٣).. إنه يريدك متزناً في حياتك ، تتمتع بالراحة دون كسل وتجتهد في العمل دون إعياء ..

هل تود أن تظل نوراً للعالم كمدينة قائمة على الجبل يراها الجميع؟.. ارفض أن تضع السراج تحت مكيال الأُمور المالية :

  • ارفض أن تضع عملك قبل علاقتك مع الرب ..
  • أَخْضِع كل ما تفعله في العمل لكلمة الرب ..
  • لا تستسلم للهم بل في كل مرة يحاول أن يمتلكك أسرع بإلقائه على الرب كما هو مكتوب « ملقين كل همكم عليه لأنه هو يعتني بكم » ( ١ بط ٥ : ٧ ) ..

وأخيراً إن كنت من رجال الأعمال تذكّّر أن الرب يحتاج إلي رجال أعمال ناجحين يضيئون في العالم شاهدين له بأعمالهم ..

لا .. لا تخبيء سراجك تحت أي مكيال ..

واحذر السرير

الرب يقول « هل يؤتي بسراج ليوضع .. تحت السرير » ( مر ٤ : ٢١ ) .. السرير هنا يتحدث عن التراخي ، يمكننا أن نري فيه تعبيراً عن الحياة الكسولة التي لا تُقدّّر قيمة الوقت ولا تستثمر الفرص المتاحة .. لنرفض أن يوضع سراجنا المنير تحت هذا التراخي « الرخاوة لا تُمسك صيداً. أما ثروة الإنسان الكريمة فهي الاجتهاد » ( أم ١٢ : ٢٧ ) .. ولنمارس أعمالنا الحسنة باجتهاد ونشاط « كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك » ( جا ٩: ١٠ ) .. « لا ترخِ يدك » ( جا ١١ : ٦ ) .. « غير متكاسلين في الاجتهاد. حارين في الروح » ( رو ١٢ : ١١ ) .. ولنسعي بجدية من أجل أن يهبنا الرب من مواهب الروح ما يساعدنا على الشهادة الفعالة للرب «جدوا للمواهب الحسني » ( ١كو ١٢: ٣١ )..

ارفض أن يوضع سراجك تحت سرير يحجب ضوءه :

  • ارفض أن تنام أكثر من القدر الذي يحتاجه جسدك .. ارفض أن تنام في وقت يجب أن تعمل فيه « إلي متي تنام أيها الكسلان. متي تنهض من نومك » ( أم ٦ : ٩ ) ..
  • توقف عن تصور الأُمور المخيفة والمبالغة في تقدير الأخطار بما يجعلك تفقد معنوياتك وتستسلم للكسل « قال الكسلان الأسد في الخارج فأُقتل في الشوارع » ( أم ٢٢: ١٣ ) ..
  • أغلِق المجال أمام أية أفكار تُصوّّر لك أن طريقك مليء بالأشواك التي تأتي بالفشل .. اُرفض الأفكار التي تُصعّّب الأُمور أمامك مما يفقدك الحماس ويُسلمك للكسل.. « طريق الكسلان [ يراه ] كسياج من شوك وطريق المستقيمين منهج [ يرونه ممهداً ] » ( أم ١٥ : ١٩ ) ..

لا تخـبيء سراجك تحت السرير .. اُرفض الاستسلام للكسل وامتليء بالإيمان مردداً كلمات كالب رجل الإيمان إننا قادرون عليها ( عد ١٣ : ٣٠ ) .. لا ، لم يُعدّ الله لك أعمالاً لتسلك فيها لكي تفشل.. كلا بل لتنجح نجاحاً عظيماً كواحد من أُمراء مملكة الرب ..

ثانياً : ملح غير فاسد

قال الرب للمؤمنين « أنتم ملح الأرض » ( مت ٥: ١٣ ) .. أي أننا للأرض كالملح للطعام .. فما هي سمات وخصائص الملح ؟ ..

١- ملح للحفظ

عندما قال الرب « أنتم ملح الأرض » لم تكن المبرِّدات (الثلاجات) قد عُرفت بعد ، وكان الملح هو المادة المستخدمة لحفظ الأطعمة سليمة أطول فترة ممكنة لما فيه من خصائص تحميها من الفساد .. لهذا السبب أيضاً كان أي شخصين يقطعان عهداً معاً يأكلان الملح سوياً إشارة إلي إيمانهما بأن العهد بينهما سيدوم ( عد ١٨: ١٩ ) ..

عندما يعيش المؤمنون أُمناء للرب ويسلكون في الأعمال التي أعدها لهم فإنهم يكونون كالملح يعطلون انتشار الفساد في المكان الذي يعيشون فيه ، كما يساعدون على حفظه من الأذي .. وإليك أمثلة على ذلك :

  • سَلَكَ إبراهيم في الأعمال التي أعدها الله فكان ملحاً حفظ لوط مرة من السبي والسلب وأيضاً من الموت ( تك ١٤: ١٦ ؛ ١٩ : ٢٩ ) ..
  • وفي مصر سار يوسف مع الرب فكان ملحاً لمصر حفظها من المجاعة المدمرة سبع سنوات ( تك ٤١ ) ..
  • أما أليشع فكان يخدم الرب في مدينة السامرة فحفظها من اقتحام جيش آرام لها ( ٢مل ٧ ) ..
  • وفي سفر أعمال الرسل نقرأ عن بولس أن وجوده في السفينة التي كانت توشك على الغرق حَفَظَ طاقمها وركابها الذين يقاربون الثلثمائة من الموت ( أع ٢٧: ٢٤ ) ..
  • كما لا ننسي أنه لو كان يوجد في مدينة سدوم عشرة مؤمنين فقط يفعلون البر لما احترقت ومات كل من عاش بها ( تك ١٨ : ٣٢ ) ..

أنت أيضاً إذا رفضت الاستسلام للخطية وعشت بأمانة للرب سالكاً باجتهاد في الأعمال التي يريدها منك فبكل تأكيد ستكون ملحاً حافظاً للذين تعيش بينهم .. بسببك سيحفظهم الرب من نكبات عديدة .. وبصلاتك تُنجي أُسرتك ومدينتك ووطنك من الكوارث ..

٢ـ ملح للمذاق الحسن

إذا تم إعداد الطعام بكل عناية ومهارة لكن غاب عنه الملح ، لا يعود للمجهود أو المهارة أية فائدة ، يقول سفر أيوب « هل يؤكل المسيخ [ الذي بلا طعم ] بلا ملح » ( أي ٦ : ٦ ) ..

إذا أطعت الله ورفضت الخطية وعملت الأعمال الحسنة التي يريدها فبكل تأكيد ستكون ملحاً يأتي بالنكهة الطيبة والرائحة الذكية ( ٢ كو ٢ : ١٥ ) .. وأينما ذهبت لتقيم ستضيف للمكان مذاقاً أحلي .. لن يكون وجودك أبداً لزيادة أحمال الناس .. لن تكون شوكة تؤذيهم بل بركة لخيرهم وسيباركهم الرب من أجلك .. ستظل مصدراً لتخفيف أحمالهم ولعلاج مشاكلهم ولمساعدتهم في المحن وسيشعرون حتماً بالخسارة حينما تتغيب عنهم ..

٣ـ ملح يُسبب العطش

عندما نجتهد أن نعمل الأعمال التي أعدّها الله لنا فإن الروح القدس سيعمل فينا فيجعلنا ملحاً يخلق في الناس عطشاً لمعرفة الرب المُخلّص..

تذكّّر قصة إيمان حافظ سجن فيلبي ، ما الذي جعله يرغب في أن ينال الخلاص؟ .. هل لأنه رأي أبواب السجن قد انفتحت بطريقة إعجازية؟ .. كلا ، فقد استل سيفه لينتحر به ظاناً أن المسجونين قد لاذوا بالفرار من الأبواب المفتوحة .. لكن ما جعله يعطش لمعرفة الرب هو سماعه صرخة الرسول بولس تقول له « لا تفعل بنفسك شيئاً ردياً لأن جميعنا ههنا » ( أع ١٦: ٢٨ ) ..

لماذا لم ينتهز بولس فرصة انفتاح الأبواب ليهرب من السجن؟ .. ولماذا انشغل بإنقاذ حافظ السجن الذي عامله بقسوة ووضع رجليه في المقطرة بدلاً من أن يهرب ؟.. ليس سوي إجابة واحدة .. إنها المحبة المدهشة التي ملأ بها الروح القدس قلب بولس نحو مضطهديه.. نعم لقد كان ما فعله بولس بمثابة الملح الذي خلق في حافظ السجن وأفراد عائلته عطشاً شديداً لمعرفة من هو هذا الرب الذي أعطي بولس هذه المحبة المدهشة من نحوهم ..

قارئي العزيز .. اُطلب الآن أن تمتليء بالروح القدس لتمتلك هذه المحبة المدهشة كي تظهر بوضوح في أعمالك لتخلق العطش في القلوب لمعرفة الحق .. هيا أعلن إيمانك أنك ملح للأرض ..

  • سيقاوم وجودك أينما كنت انتشار الشر في هذا المكان كما ستحفظ حياتك الكثيرين من الدمار والأذي ..
  • وستضيف تصرفاتك مذاقاً أطيب للوسط الذي تتواجد فيه ..
  • وستخلق في نفوس عديدة عطشاً لمعرفة الرب الذي أحبك..

لـن يفسـد

يقول الرب يسوع « أنتم ملح الأرض . ولكن إن فسد الملح فبماذا يُملَّح . لا يصلح بعد لشيء إلا لأن يُطرح خارجاً ويُداس من الناس » ( مت ٥ : ١٣ ) ومرة أُخري نسمعه يقول « الملح جيد . ولكن إذا فسد الملح فبماذا يُصلح . لا يَصلُحُ لأرض ولا لمزبلة فيطرحونه خارجاً . من له أذنان للسمع فليسمع » ( لو ١٤ : ٣٤ ، ٣٥ ) ..

عندما يكون اتجاه المؤمن الاستسلام للخطية وعدم السير في الأعمال الصالحة التي أعدّّها الله له فإنه يصير ملحاً فاسداً مُضراً .. لا يقلل من انتشار الفساد ولا يحفظ من الأذي ولا يعطي المذاق الأطيب ولا يخلق العطش للرب.. وسيأتي الوقت الذي يفقد فيه تقدير واحترام الناس له ولن يروه أميراً كما رأي بنو حث إبراهيم ( تك ٢٣ : ٦ ) بل شخصاً مضراً لهم وثقلاً عليهم فيسيئون معاملته « يُداس من الناس » وقد يهينوه مثلما أهان أهل سدوم لوط المؤمن لأنه فَقَدَ ملوحته ( تك ١٩ : ٩ ) بل قد يسعون أيضاً للتخلص منه « يطرحونه خارجاً » .. كذلك لن يستخدمه الله في خدمته .. في سفر الرؤيا نقرأ تحذير الرب للمسئول عن خدمة كنيسة أفسس أنه إذا لم يتب ويعمل الأعمال الحسنة فسيحرمه من الخدمة « تُب واعمل الأعمال الأُولي [ التي كان وراءها قلب حبه الأول للرب ] وإلا فإني آتيك عن قريب وأُزحزح منارتك من مكانها [ لن تظل شاهداً لي ] » ( رؤ ٢ : ٥ ) .. وهكذا إن لم يتب خادم كنيسة أفسس ويعمل أعماله الحسنة فإن الملح سيفسد ولن يصلح بعد لشيء ..

فلنعلن إيماننا أننا لن نترك أعمالنا الحسنة مثل خادم كنيسة أفسس .. سيحفظنا الرب بنعمته ولن نكون أبداً ملحاً فاسداً .. وستظل أعمالنا تخدمه إلي آخر يوم من حياتنا على الأرض لنبقي دائماً مؤثرين في الآخرين لمجده ..

سيدي ..

احفظني سراجاً مشتعلاً بروحك ليسطع

في ظلام العالم شاهداً لك بقوة ..

احفظني بنعمتك ملحاً لا يفسد ..

يؤثر في العالم .. ولا يتأثر بشروره ..

ملحاً لخدمتك ولمجدك ..

 

Start typing and press Enter to search