١٥ – أعمالي عظيمة – كرسـي المسـيح

الفصـل الثاني
كرسـي المسـيح

 

ما أعظم وأمجد هذه اللحظة الفريدة حينما نلاقي الرب في الهواء ، ليس بأجسامنا الضعيفة هذه بل بأجسام روحانية في مجد ( ١ كو ١٥ : ٤٣ ، ٤٤ ) .. تصف الرسالة إلي تسالونيكي هذا الحدث العظيم قائلة :

« الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولاً . ثم نحن الأحياء الباقين سنُخطف جميعاً معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء . وهكذا نكون كل حين مع الرب » ( ١ تس ٤ : ١٦ ، ١٧ ) ..

ويقول لنا الرسول بولس « عزوا بعضكم بعضاً بهذا الكلام » ( ١ تس ٤ : ١٨ ) ، فما أعظمه وعد الذي أعلنه لنا الرب في آخر أصحاح من كتابنا المقدس العظيم :

« وها أنا آتي سريعاً وأُجرتي [ مكافأتي my reward ] معي لأُجازي كل واحد كما يكون عمله » ( رؤ ٢٢ : ١٢ ) ..

نعم سنلبس الأجسام الممجدة ونلاقي الرب في الهواء ، ليس هذا فقط بل سننال منه الأُجرة ، المكافأة .. فمن محبته العظيمة لنا جعل لكل عمل عملناه طاعة لكلمته أو لأجل ملكوته أجر ، مكافأة.. فما هو هذا الأجر ، وفي أي مشهد سنناله ؟ .. كيف يتفاوت من عمل لآخر وكيف يؤثر على حالتك في الأبدية ؟ ..

لنعد إلي الكلمة فقد أخبرتنا بما هو كثير وثمين عن هذا الحق العظيم ..

إيماني وأعمالي

نعم لن أُطرح في بحيرة النار .. إنني بحسب وعد الرب أنتظر مع كل المؤمنين الحقيقيين السموات الجديدة والأرض الجديدة ( ٢بط ٣ : ١٣ ) لأقضي الأبدية في المجد الفائق مع ربي ومخلصي من تحبه نفسي .. يسوع ..وذلك ليس لأنني قمت بأعمال عظيمة في الماضي أو لأنني سأقوم بها في المستقبل بل لأن الله وهبني الخلاص مجاناً .. مجاناً بالنعمة لأنني آمنت بقلبي بالرب يسوع رباً ومخلصاً ، وصارت لي علاقة حية حقيقية معه ..

لكن ليس معني هذا أن أعمالي لن تؤثر على حالتي في الأبدية .. كلا فأعمالي ، هذه الأعمال التي فعلتها منذ أن آمنت وتلك التي سأفعلها طوال الزمن الباقي لي على الأرض هي التي ستحدد أي مجد سيكون لي وأنا مع الرب في الأبدية .. فكما ستوجد في بحيرة النار مسـتويات من العقـاب للهالكـين تُحَدَّد بحسـب آثامهـم ( مت ١١: ٢٣ ؛ ٢٣ : ١٤ ، رؤ ٢٠ : ١٣ ) هكذا أيضاً ستوجد درجات للمؤمنين في المجد « نجماً يمتاز عن نجم في المجد » ( ١كو ١٥: ٤١ ) تُحَدَّد بحسب أعمالهم ( رؤ ٢٢ : ١٢ ) .. يا لأهمية الأعمال ، فكل من وُلِد ثانية حتماً سيقف أمام كرسي المسيح كي ينال منه المكافآت الأبدية التي تحدد حالته وهو معه في المجد .. رجاء أصغ باهتمام إلي هذه الكلمات التي قالها الرسول بولس :

« فنثق ونُسر بالأولي أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب . لذلك نحترص أيضاً مستوطنين كنا أو متغربين أن نكون مرضيين عنده ]مُُسرين له (NKJV, YLT) [to be well pleasing to Him. لأنه لابد أننا جميعاً نُظْهَرُ[ to be manifested (YLT, DBY) ]

أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً » ( ٢كو ٥: ٨ -١٠ ) ..

تمسّك بما تقوله هذه الآية فهي تُعلن حقاً ثميناً يحرر من أي خوف من الموت .. إنها تقول ليس في الموت ما يخيف لأننا إذا تغربنا عن الجسد بالموت فسننطلق لنكون مع المسيح « نستوطن عند الرب » ، وهذا بكل تأكيد «أفضل جداً » ( في ١ : ٢٣ ) من حالتنا الآن على الأرض .. القاريء العزيز ، متي أكملت قصد الله من وجودك على الأرض وقلت كلمات بولس « أكملت السعي [ السباق the race ] » ( ٢ تي ٤ : ٧ ) ، فلتواجه الموت بالثقة والسرور « نثق ونُسرّ .. » .. هل في داخلك خوف من الموت ؟ .. ردد هذه الآية مراراً .. ولتردد أيضاً « فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة .. تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا» ( رو ٨ : ٣٨ ، ٣٩ ) ..

إن الانشغال بمثل هذه الآيات يحررك من الخوف من الموت لأنها تعلن أننا سنذهب لنكون مع الرب ، لكن التحرر من هذا الخوف لا يعني أن لا نحرص أن تكون أعمالنا حسنة فكما يقول الرسول بولس إلي مؤمني كورنثوس سيأتي حتماً اليوم الذي سنقف فيه جميعاً أمام كرسي المسيح ..

كرسي المسيح

لا شك أن الكورنثوسيين فهموا تماماً ما يقصده الرسول بولس من تعبير « كرسي المسيح » .. فكلمة « كرسي » هي ترجمة للكلمة اليونانية الشهيرة « بيما Bema » التي تطلق على المنبر العالي الذي كان رجال السلطة يستخدمونه في مخاطبة الشعب ولا سيما في أُمور القضاء (٢) ولهذا تُرجمت الكلمة في العديد من الترجمات إلي كرسي القضاء أو الحكم .. وكان « البيما » ( كرسي القضاء ) في كورنثوس واحداً من أروع معالم المدينة فقد أُُقيم في مركز ساحة سوقها التجاري وشيّد من الرخام المُطَعَّم بالحلي البديعة (٣).. وبالطبع لم ينس الكورنثوسيون ذلك اليوم الذي ثار فيه اليهود على بولس وأخذوه إلي هذا « البيما » وهم يتهمونه طالبين من الوالي غاليون أن يحكم عليه بالعقاب ولكن الأُمور انقلبت عليهم فلم يُعاقب بولس، وهم طُردوا من « البيما » كما ضُرِبَ رئيسهم ( أع ١٨ : ١٢ ـ ١٧ ) ..

وها هو الرسول بولس يحدثهم عن « بيما » آخر أعظم من « بيما » غاليون موجود في السماء ، هو « بيما » المسيح مُعلناً لهم هذا الخبر المثير أننا جميعاً ، كل المؤمنين ، سنقف أمام هذا « البيما » السماوي لكي ننال من المسيح بحسب أعمالنا على الأرض مكافآتنا التي ستحدد أي مجد سيكون عليه كل منا طوال الأبدية .. يقول بولس :

« لذلك نحترص .. أن نكون مرضيين [ euarestos ] عنده [ مُسرين له ] . لأنه لابد أننا جميعاً نُظْهَر أمام كرسي المسيح . لينال كل واحد .. بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً »

( ٢ كو ٥ : ٩ ، ١٠ )

الرسول بولس يدعونا أن نحترص أن نعمل الأعمال التي تُسرّ المسيح لأننا سنُظهر أمام « بيما » السماء .. والآن فكّر في كلمة « نحترص » إنها ترجمة للكلمة اليونانية « philotimeomai» التي تعني حرفياً أن نجعل هذا الأمر هو طموحنا واشتياقنا وموضع افتخارنا (٤) .. فإن كنت تريد أن يكون لك مجد عظيم في الأبدية أي أن تحظي بمكافآت عظيمة حينما تقف أمام كرسي المسيح فليكن طموحك الأول ورغبتك اليومية وافتخارك الدائم أن تُسِرّ قلب الرب.. اجتهد أن تفعل كل يوم الأُمور التي تُسِرّه ..

إن آيات كثيرة في الكتاب المقدس تحدثنا عن هذه المكافآت الأبدية لكي تشجعنا أن نبذل كل اجتهاد لفعل الأعمال التي تُسِرّ قلب الرب ، فهل يعني هذا أن دافعنا الداخلي وراء فعل هذه الأعمال ليس محبتنا القلبية للرب بلأنانيتنا ، رغبتنا أن ننال مكاسب لأنفسنا في الأبدية ؟ .. وهل نوالنا المكافآت بحسب أعمالنا أمر يتعارض مع النعمة التي يعاملنا الله على أساسها ؟ ..

المحبة أم الأنانية؟

كم من أقوال عديدة تكلّم بها الرب ، وكم من عبارات دوّنها الرسل تحدثت عن المكافآت الأبدية باعتبارها دافع قوي يحث المؤمن على فعل الأعمال التي ترضي الرب وتُسِرّ قلبه ، ومن غير المعقول إطلاقاً أن يكون الرب أو رسله قد شجعوا المؤمن على امتلاك دافع يمكن القول عنه إنه دافع أناني .. اقرأ الآية التالية من الأصحاح الشهير عن المحبة وستدرك أن أقصي ما يمكن للمؤمن أن يفعله لن يفيده في شيء إن خلا من المحبة ..

« إن أطعمت كل أموالي [ للفقراء ] وإن سلّمت جسدي حتي أحترق [ موتاً في خدمة الرب ] ولكن ليس لي محبة فلا أنتفع شيئاً » ( ١ كو ١٣ : ٣ ) ..

الدافع الأناني يعني غياب الحب ، وحين يغيب الحب عن أي عمل يصير عملاً بلا قيمة وكلا شيء ، لا فائدة منه ولا مكافأة عليه .. بكل تأكيد يجب أن يكون دافعنا في فعل الأُمور التي ترضي الرب وتُسِرّ قلبه هو أولاً محبتنا القلبية له لأنه أحبنا بلا حدود .. وليس من الأنانية أن ترغب في أن تري من تحبه يكافئك ، فهذا ليس أنانية بل تمتعاً بالحب .. إذا كنت تحب الرب فمن المؤكد أنك ستكون في قمة سعادتك حين تسمعه يثني عليك ويمدح ما فعلت ويعلن لك عما سيكافئك به قائلاً « نعمَّـا [ حسناً فعلت ] أيها العبد الصالح والأمين. كنت أميناً في القليل [ خلال وجودك على الأرض ] فأُقيمك على الكثير » ( مت ٢٥: ٢١ ) ..

ليس من الأنانية أن تعمل لكي تنال المكافآت في ذلك اليوم العظيم من يد من له محبتك الأُولي لكي تشاركه الفرح ، فليس أروع من أن تسمع منه هذه العبارة العظيمة « اُدخل إلي فرح سيدك» ( مت ٢٥ : ٢١ ) والتي وردت في إحدي الترجمات « اشترك في فرح سيدك » (٥) ..

هل تعلم أن مكافأة الرب الأبدية لنا هي أساساً أن نخدمه ، وكلما عظمت مكافآتنا كلما اتسعت في الأبدية خدمتنا له .. ولأنني أُحب الرب فسأعمل على الأرض بكل حماس لأنني أُريد أن أخدمه هناك خدمة أعظم لأنني أُحبه ..

نعم ، سنخدم الرب في الأبدية ، سنعمل في ملكوته المجيد ، سيقيمنا على وظائف هامة .. هل هذه تخيلات ؟ .. كلا فكلمة الله تقول بوضوح إن الرب يريدنا أن نملك معه في الأبدية ..

  • « وهم سيملكون إلي أبد الآبدين » ( رؤ ٢٢: ٥ ) ..
  • « إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه » ( ٢ تي ٢: ١٢ ) ..
  • « أُقيمك على الكثير .. » ( مت ٢٥: ٢١ ) ..
  • « نعمّا أيها العبد الصالح. لأنك كنت أميناً في القليل فليكن لك سلطان على عشر مدن » ( لو ١٩: ١٧ ) ..
  • « طوبي لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا. الحق أقــول لكـم إنـه يقيمـه علـي جـميع أمـوالـه » ( مت ٢٤: ٤٦ ، ٤٧ ) ..
  • « من يغلب ويحفظ أعمالي إلي النهاية فسأعطيه سلطاناً على الأُمم » ( رؤ ٢: ٢٦ ) ..
  • « ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم .. ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة » ( ١كو ٦: ٢ ، ٣ ) ..

يسـترعي الانتبـاه أن كلمتـي « يدينـون » و « سندين » في هذه الآية هما في الأصل اليونانـي من الفعل «krino » الذي يعنـي أيضـاً يحـكم govern , to rule over(٦) ( مت ١٩: ٢٨ ، لو ٢٢: ٣٠ ) .. نعم إن مكافأة الرب الأساسية للمؤمن هي إشراكه معه في مُلكه ، وكلما كانت المكافأة أعلى كلما كانت المشاركة أعظم والدور أكبر ( لو ١٩: ١٦-١٩ ) ..

هل تحب الرب ؟ .. من يحب شخصاً محبة حقيقية ستكون رغبته الملحة أن يكون دائماً قريباً منه وعاملاً معه .. ومن يحب الرب حقاً سيود أن يقضي الأبدية قريباً منه ، عاملاً معه في ملكوته .. وبكلمات أُخري أن يملك معه ..

لا ، ليس أمراً أنانياً أن نسعي لكي نحقق رغبة الرب يسوع حبيبنا الأعظم في أن نملك معه ، فكم يسره ذلك جداً .. فهل تعمل الآن وأنت على هذه الأرض من أجل أن تكون مُسِرّاً له طوال الأبدية ؟ .. « نحترص أيضاً مستوطنين [ عنده ] .. أن نكون مُسرين له [ NKJV ] » ..

النعمــة

إذا كنا سنُكافأ في الأبدية حسب أعمالنا فهل في هذا ما يقلل من قدر النعمة التي يعاملنا بها الرب ؟ .. الإجابة بحسب ما تقوله كلمة الله هي كلا ، ففي نوالنا المكافآت إظهار لغني نعمة الله الفائق :

  • فمن ناحية ، هذه الأعمال التي سنأخذ بسببها المكافآت هي نتيجة للنعمة ، لأنها ليست الأعمال التي نفعلها بقوتنا الطبيعية الذاتية بل التي يمنحنا الله القدرة على تنفيذها .. تقول رسالة فيلبي « الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة » ( في ٢ : ١٣ ) ، وتقول الرسالة إلي العبرانيين « ليُكمّلكم [ الله ] في كل عمل صالح لتصنعوا مشيئته عاملاً فيكم » ( عب ١٣: ٢١ ) ..

قال الرب يسوع بكل وضوح « بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً» ( يو ١٥: ٥ ) وبالطبع لا يقصد أننا بدونه لا نقدر أن نفعل أي شيء على وجه الإطلاق بل أننا بدونه لا نقدر أن نفعل شيئاً له قيمة تؤهلنا لنوال المكافأة ، لهذا نجد الرسول بولس يعترف بأنه بالنعمة عمل كل أعماله التي لأجل ملكوت الله « ولكن بنعمة الله أنا ما أنا [ عليه الآن ] ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلة [ بلا نفع ] بل أنا تعبت أكثر منهم [ من باقي الرسل ] جميعهم ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي » ( ١ كو ١٥ : ١٠ ) ..

فلنعترف مثل بولس أن الأعمال الحسنة التي نفعلها هي بالنعمة.. ولنثق أنه بالنعمة سنظل نعمل هذه الأعمال إلي أن نُظهَر أمام « بيما » المسيح ، عبّر الرسول بولس عن هذه الثقة فقال « لأنني عـالم بمن آمنت [ وليس بما آمنت ] وموقـن أنه قـادر أن يحفظ وديعتـي إلي ذلك اليوم [ يوم أن نُظهَر أمام كرسـي المسـيح] » ( ٢ تي ١ : ١٢ ) .. تأمل كلمة « وديعتي » ، لقد استودع بولس حياته كلها بما فيها من أعمال في يد إلهه الذي يعرفه ويثق فيه كل الثقة أنه سيحفظه عاملاً الأعمال الحسنة إلي ذلك اليوم ، يوم نواله المكافآت أمام « بيما » المسيح .. فلنثق كل الثقة في نعمة الله الحافظة أنها ستحفظنا باستمرار نعمل الأعمال العظيمة ذات المكافآت العظيمة.. لندع كلمات رسالة يهوذا تسكن في قلوبنا « القادر أن يحفظكم غير عاثرين ويوقفكم أمام مجده .. في الابتهاج [ هناك حين نبتهج به ويبتهج هو بنا ] » ( يه ٢٤ )..

  • ومن ناحية أُخري ، فإنه مهما فعلنا من أعمال لا يحق لنا أن نطالب بشيء ، يقول الرب يسوع « فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أُمِر به .. أنتم أيضاً متي فعلتم كل ما أُمِرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون. لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا » ( لو ١٧: ٩ ، ١٠ ) .. إنه واجب علينا وامتياز لنا أن نطيع الرب وأن نخدمه فلا يحق لنا أن نطالب بأي أجر ومع هذا يقول الرب إن « كأس ماء بارد فقط [ نقدمه لأحد خدام الرب ] .. لا يضيع أجره » ( مت ١٠: ٤٢ ) .. أليست هذه نعمة ؟ .. نعم وأية نعمة !! ..

الرب سيكافئنا لا لأننا نستحق بل لأنه هو سخي جداً في العطاء .. يعطينا « مئة ضعف ».. فإعطاؤه المكافآت لنا بسبب أعمالنا هو تماماً مثل تقديمه الخلاص لنا ، أمر يُظهر نعمته العجيبة.. إن غني نعمته الفائق وليس أي شيء آخر هو الذي جعله يعتبر نفسه ظالماً إذا لم يكافئنا « الله ليس بظالم حتي ينسي عملكم وتعب المحبة التي أظهرتموها نحو اسمه » ( عب ٦: ١٠ ) ..

قارئي العزيز ، حينما تأتي إلي كرسي المسيح ، لن يكافئك لأن أعمالك تستحق بل لأنه يتعامل معك بالنعمة .. بالرحمة .. ها هو الرسول بولس يقول عن المكافآت التي سينالها خادم الرب الأمين أنيسيفورس بسبب خدمته في أفسس إنها نعمة ورحمة من الرب:

« الرب وهـبه [grant ] أن يجد رحمة من الرب في ذلك اليوم . أنت [ يا تيموثاوس ] تعرف كم كان يخدم في أفسس [DBY ] » ( ٢ تي ١ : ١٨ ) ..

« [ لقد ] أنعم الرب عليه بأن يلقي الرحمة لدي الرب في ذلك اليوم [ الترجمة اليسوعية ](٧) » ..

مقاييس الحكم

وقد تسأل بأي مقياس سيزن الرب أعمالنا حينما نقف أمام كرسيه ؟ .. إن دراسة كلمة الله تشير إلي ستة مقاييس رئيسية :

١ ـ الاستخدام .. مدي استخدامنا لما أعطاه الرب لنا من قدرات ومواهب ووقت ..

٢ ـ الدافع .. الدافع القلبي لما نعمله ..

٣ ـ التعب والتضحية .. مقدار التعب والتضحية في خدمة الرب ..

٤ ـ الأمانة .. في أداء الواجبات ..

٥ ـ المال .. في استخدامه من أجل ملكوت الله ..

٦ ـ الانتصارات .. في المعارك مع إبليس والخطية ..

سنكتفي في هذا الفصل بالحديث عن المقياس الأول الخاص بالاستخدام تاركين المقاييس الأُخري إلي الفصلين التاليين ..

الاستخدام

بقدر ما نستخدم ما أخذناه من إمكانات ومواهب ووقت لمجد الرب وتحقيق مشيئته بقدر ما تعظُم مكافآتنا الأبدية .. إن مَثَلْ الوزنات الذي ذكره الرب يسوع في متي ٢٥ يعلن هذا الأمر .. هذه الوزنات ( talents ) هي من الفضة أو الذهب وتعبر الوزنة عن كمّ من المال وفي هذا المثل استخدم الرب الوزنات كرمز للإمكانات والمواهب التي يعطيها لنا ..

تحدث الرب عن رجل أعمال أعطي ثلاثة من عبيده قبيل سفره أموالاً ليتاجروا بها لحسابه حتي يعود ، أعطي الأول خمس وزنات والثاني وزنتين والثالث وزنة واحدة .. استغل اثنان منهم الفرصة « فمضي الذي أخذ الخمس وزنات وتاجر بها فربح خمس وزنات أُخر. وهكذا الذي أخذ الوزنتين ربح أيضاً وزنتين أُخريين. وأما الذي أخذ الوزنة فمضي وحفر في الأرض وأخفي فضة سيده » ( مت ٢٥: ١٦ ـ ١٨ ) .. فلما عاد الرجل لمحاسبتهم ، قال للأول« نعمّا [ حسناً فعلت ] أيها العبد الصالح والأمين. كنت أميناً في القليل فأُقيمك على الكثير. اُدخل إلي فرح سيدك » (مت ٢٥: ٢١ ) ، وقال هذه الكلمات نفسها للعبد الثاني .. أما الثالث الذي لم يتاجر بالوزنة فقال له « أيها العبد الشرير والكسلان » وأمر أن يطرحوه « إلي الظلمة الخارجية. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان » ( مت ٢٥: ٢٦ ، ٣٠ ) ..

والآن لاحظ معي هذه النقاط الهامة التي يظهرها هذا المثل :

أولاً .. الرب يتوقع منك أن تسعي لكي تجعل إمكاناتك ومواهبك أضعاف ما هي عليه الآن ، والهدف الأول هو أن يزداد ما تقدمه لأجل الملكوت .. كمثال أن تعمل باجتهاد كي يزداد دخلك المالي لتعطي أكثر وأكثر لعمل الرب ، ففي المثل اجتهد صاحب الخمس وزنات فأصبح في يديه عشرة منها ..

ثانياً .. لم يأخذ العبيد الثلاثة نفس عدد الوزنات .. فكل منا يختلف عن الآخر في الوزنات التي أعطاها الله له في هذه الحياة .. نحن نختلف في إمكاناتنا المادية ومواهبنا وأيضاً في العُمر الذي سنعيشه على الأرض .. والواقع يقول إن الله أعطي الأغلبية ( ذوي الطاقات العادية ) وزنتين بينما أعطي قليلين ( ذوي الطاقات الأدني ) وزنة واحدة وقليلين أيضاً ( ذوي الطاقات الأعلى ) خمس وزنات .. لقد أعطي « كل واحد على قدر طاقته » ( مت ٢٥ :١٥ ) .. فهل يعني هذا أن ذوي الطاقات الأعلى ( أصحاب الخمس وزنات ) سينالون مكافآت أكبر من التي سينالها الأغلبية ( أصحاب الوزنتين ) ، بينما ينال ذوو الطاقات الأقل ( أصحاب الوزنة الواحدة) مكافآت أصغر ؟ ..الإجابة نجدها في النقطة التالية ..

ثالثاً .. كانت مكافأة صاحب الوزنتين الذي ربح وزنتين تساوي المكافأة التي نالها صاحب الخمس وزنات !! .. الله لن يكافئك بمكافأة أقل من غيرك بسبب أن طاقتك أصغر وعدد الوزنات التي أخذتها لتتاجر بها أقل .. فالذي سيحدد المكافأة ليس حجم ما أعطاه الرب لك بل أمانتك وإخلاصك في استخدام ما أُعطي لك قليلاً كان أم كثيراً ، لا فرق ..

  • قال الرب عن الأرملة الفقيرة التي ألقت في خزانة الهيكل فلسين قيمتهما زهيدة جداً إنها « ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا في الخزانة » ( مر ١٢: ٤٣ ) بما فيهم الأغنياء الذين كانوا « يلقون كثيراً ».. لماذا ؟.. لأنها تصرفت في المال القليل الذي في يديها أعظم من تصرف الأغنياء في الكثير المتوفر لديهم « الجميع [ بما فيهم الأغنيـاء ] من فضلتهم ألقوا. وأما هذه فمن إعوازها ألقت كل ما عندها كل معيشتها » ( مر ١٢: ٤٤ ) ..
  • وفي المَثَلْ الذي قاله الرب في ( مت ٢٠: ١ ـ ١٦ ) نال العمال الذين عملوا ساعة واحدة في الكرم نفس الأجر ( المكافأة ) الذي ناله الذين عملوا طول اليوم!! فقد يكافىء الله مؤمناً كانت مدة حياته على الأرض صغيرة كيوحنا المعمدان مكافأة أعظم من التي سينالها آخرون عاشوا سنوات طويلة لأنه في المدة الصغيرة التي عاشها كان أكثر إخلاصاً وأمانة منهم ..

رابعاً .. العبد الذي لم يتاجر بالوزنة الواحدة التي أخذها بل دفنها في الأرض يحدثنا عن المؤمن الذي لا يستخدم إمكاناته القليلة لمجد الرب وتحقيق مشيئته .. فأحياناً يقارن المؤمن صاحب الوزنة الواحدة نفسه بأصحاب الوزنتين والخمسة وزنات فيستسلم للشفقة على النفس ويصبح لسان حاله « بما أنني لست قائداً للمجموعة الـمُسبِّحة فلن أكون مُسبّحاً على الإطلاق » أو « بما أنني لن أقود هذا المؤتمر فلن أقوم بمساعدة القائد » .. إن كثير من المؤمنين يدفنون إمكاناتهم ويحرمون أنفسهم من المكافآت الأبدية بسبب هذا الكبرياء والشفقة على النفس .. وكثيرون يفعلون مثلهم ولكن بسبب آخر هو الخوف من الفشل ، فيفضلون دفن الوزنة على المتاجرة بها ، فهذا بالنسبة لهم أكثر أماناً .. كما قد يستسلم صاحب الوزنة الواحدة للإحساس بالمرارة نحو الله لأنه أعطاه أقل من غيره فيرفض أن يخدمه .. في المَثَلْ قال صاحب الوزنة الواحدة لسيده « يا سيد عرفت أنك إنسان قاس » ( مت ٢٥ : ٢٤ ) ، والحقيقة أن السيد أعطاه وزنة واحدة لرحمته به وليس لقسوته عليه ، لقد أعطاه على قدر طاقته ( مت ٢٥ : ١٥ ) حتي ينجح ولا يفشل في العمل ..

وماذا يحدث للذين يرفضون هذه الرحمة ولكل الذين يدفنون وزناتهم ولا يستثمرونها لمجد الله حينما ىُظهَرون أمام كرسي المسيح؟ .. لنتأمل ما جري لصاحب الوزنة الواحدة فهو صورة معبرة لما سيحدث معهم :

  • التوبيخ .. على عكس العبدين الآخرين لم يحظَ هذا العبد بمدح سيده أو مكافآته بل سمع منه كلمات موبخة جداً .. فقد قال له « أيها العبد الشرير » ، فهو أمر شرير أن يأخذ إنسان من سيده وزنة ولا يستخدمها.. هكذا أُولئك الذين لم يستخدموا وزناتهم لن يكون وقوفهم أمام كرسي المسيح للمدح أو المكافأة .. لن يكون لسرورهم كما لن يكون لسرور مخلصهم .. وما أقسي هذا ..
  • الحرمان من المُلك .. لم يقل له سيده كما قال لكل من زميليه « أُقيمك على الكثير » ، وهؤلاء المؤمنون الذين دفنوا كل وزناتهم لن يعطيهم الرب مسئوليات متميزة في الحكم في ملكوته الآتي ، وكم سيكون هذا صعباً جداً عليهم ..
  • المعاناة .. لقد طُرِح هذا العبد « إلي الظلمة الخارجية. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان » ، ويري بعض المفسرين(٨) أن هذه صور تعبيرية عن الحزن الشديد الذي سينتاب هؤلاء المؤمنين بعد وقوفهم أمام كرسي المسيح بسبب إدراكهم أنهم حرموا أنفسهم من مديح الرب ومن مكافآته وفقدوا فرصة أن يقيمهم على الكثير في الأبدية لأنهم رفضوا استخدام الوزنات التي أُعطيت لهم ..

يصف سفر دانيال حالة المؤمنين في الأبدية قائلاً :

« الفاهمون يضيئون كضياء الجلد والذين ردوا كثيرين إلي البر كالكواكب إلي أبد الدهور » ( دا ١٢ : ٣ ) ..

سنُضيء في الأبدية ولكن بدرجات متفاوتة بحسب استخدامنا لوزناتنا من أجل ملكوت الله ..

لنقل : لا للمقارنات مع الآخرين ..

ولا للكسل ودفن الوزنات ..

بالنعمة سنتاجر بوزناتنا إلي أن يأتي سيدنا من السماء..

لنقل « آمين . تعال أيها الرب يسوع .. » ( رؤ ٢٢ : ٢٠ ) ..

 

Start typing and press Enter to search