١٦ – أعمالي عظيمة – ادخار في السماء

الفصـل الثالث
ادخار في السماء

 

هل تعلم أن الرب يُعدّ لك الآن منزلك الأبدي؟.. أصغ جيداً إلي هذا الوعد العظيم الذي قدّمه لنا في ليلة الصلب ضمن خطابه الوداعي الأخير:

« في بيت أبي منازل كثيرة .. أنا أمضي لأُعد لكم مكاناً. وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتي أيضاً وآخذكم إلىَّ حتي حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً » ( يو ١٤: ٢ ، ٣ )..

ودعني أستوحي لك من هذا الوعد صورة مُعبّرة عن المكافآت الأبدية.. الرب هو المهندس الأعظم الذي يشرف الآن على تشييد منزلك الأبدي ، أما مواد بناء هذا المنزل فتأتي إليه من الأرض ، أنت الذي تمده بها.. هل تريد أن يكون منزلك بديع الجمال وكبير الحجم ؟.. أرسل إلي الرب في كل يوم مواداً غالية وبكميات كبيرة..

القاريء العزيز ، الأعمال التي تفعلها لمسرة الرب في كل يوم هي هذه المواد .. ولكن تُري أي أعمال منها تجعل منزلك الأبدي أكثر روعة وأكبر حجماً ؟ .. وبكلمات أُخري أي أعمال هي التي تزيد من مكافآتك الأبدية ؟ ..

رأينا في الفصل السابق أننا حينما نُظْهَر أمام « بيما » المسيح سيُقيّم الرب أعمالنا بحسب مقياس الاستخدام .. مدي استخدامنا لما أعطاه لنا من قدرات ومواهب وسنوات قضيناها على الأرض .. ونستكمل الدراسة بالحديث عن المقاييس الباقية ، أربعة منها في هذا الفصل ثم المقياس الأخير الخاص بالانتصارات في الفصل المُقبل ..

١ ـ الدافع الداخلي

سيُقيّم الرب كل عمل فعلناه بحسب الدافع الذي كان بداخلنا حين قمنا به ، لنقرأ مرة أُخري كلمات رسالة كورنثوس الثانية القائلة :

« لأنه لابد أننا جميعاً نُظْهَر [ نُعْلَن to be manifested ] أمام كرسي المسيح » (٢كو ٥: ١٠) ..

إن فعل « نُظْهَر » هو الكلمة اليونانية «phaneroo » التي تُطلق على تعرية الشيء من أي مظاهر خادعة وإظهاره على حقيقتـه (٩) .. وهذا الفعل يرد في هذه الآية في صيغة المبني للمجهول « passive» فلسنا نحن الذين سنُظهِر حقيقة كل عمل قمنا به بل الرب هو الذي سيُظهِر إذا كان هذا العمل بحسب مشيئته أم لا ومـاذا كان الدافع «motive » وراء إتمامه .. هل الحب أم الأنانية ؟.. هل عملناه بإيمان متكلين على الله أم معتمدين على ذواتنا ؟.. هل أتممناه بقوة الروح أم بالجسد بقوة الإنسان الطبيعي ؟ .. في هذا اليوم سيعلم كل مؤمن الحقيقة الصادقة تماماً عن كل ما عمله على الأرض منذ أن نال الخلاص.. نعم ستظهر أمامك حقائق حياتك.. تُري هل ستكون حقائقمخجـلة لك ( ١ يو ٢ : ٢٨ ) أم ستُفرّحك فرحـاً عظيماً ( ١ تس ٢ : ١٩ ) ؟.. إن كل عمل قمنا به بحسب مشيئة الرب وبدافع محبة قلبية خالصة له وباتكال على نعمته سيكافئنا عليه كثيراً بل وسيمدحنا.. تحدث الرسول بولس عن مدح الله للمؤمن في ذلك اليوم في رسالته الأُولي إلي كورنثوس ، كتب إلي مؤمنيها يحذرهم من التسرع في الحكم على إخلاص خدام الرب فقال :

« لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتي يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهِر آراء القلوب. وحينئذٍ يكـون المدح لكل واحد مـن الله » ( ١كو ٤: ٥ ) ..

الرسول يقول لهم لا تحكموا قبل أن يأتي الرب لاختطاف المؤمنين ، فبعد الاختطاف مباشرة سنقف أمام « بيما » المسيح وستظهر لكل خادم حقيقة خدمته ، سيعلن له الرب خفاياه وآراء قلبه في كل خدمة قام بها ، أي دوافعه الداخلية وأفكاره التي لم يُظهِرها للناس .. ولأن الرب يحبنا جداً وحبه لنا لن يتغير أبداً لذا فهو سيبحث في كل عمل قمنا به عن أي شيء يقدر أن يثني عليه لكي يمدحنا « يكون المدح لكل واحد من الله » ..

النار الفاحصة

الآن اقرأ باهتمام هذا المقطع من رسالة كورنثوس الأُولي الذي يتحدث عن إظهار الدوافع الحقيقية للمؤمنين في هذا اليوم العظيم :

« إن كان أحد يبني على هذا الأساس [ الذي هو يسوع المسيح ] ذهباً فضة حجارة كريمة خشباً عشباً قشاً فعمل كل واحد سيصير ظاهراً لأن اليوم [ يوم الوقوف أمام كرسي المسيح ] سيُبَيّنه . لأنه بنار يستعلن وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو. إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أُجرة [ مكافأة ]. إن احترق عمل أحد فسيخسر وأما هو فسيخلص ولكن كما بنار » ( ١كو ٣: ١٢ ـ ١٥ ) ..

الرسول بولس يتكلم عن إظهار الدوافع الحقيقية للخدام الذين يبنون الكنائس .. في آية سابقة لهذا الجزء يذكر الأساس الذي يبنون عليه ، فلا يوجد سوي أساس واحد هو يسوع المسيح ( ١كو ٣: ١١ ).. لكن هناك اختلاف في البناء بين خادم وآخر كما يقول بولس ، فواحد يستخدم مواداً رخيصة للبناء كالخشب والعشب والقش وآخر مواداً ثمينة كالذهب والفضة والحجارة الكريمة .. الأُولي تصنع أحجاماً ضخمة لكن قيمتها قليلة جداً على عكس الثانية التي أثمانها باهظة للغاية أما أحجامها فصغيرة .. فالأمر الأهم ليس حجم ما تفعله لخدمة الرب ، بل قيمته الحقيقية .. والذي يحدد هذه القيمة ليس ما يراه الناس بل ما يراه الله في قلبك من دافع إذا كان محبة حقيقية له ورغبة مخلصة في أن تخدمه وتمجده ، وإذا كنت تخدمه عن رغبة في طاعته أم لتحقيق أفكارك الخاصة ..

حينما يكون دافعك للقيام بخدمة معينة للرب هو طلب إعجاب الناس أو الرغبة في الشهرة أو اقتناء المال أو ممارسة السلطة على الآخرين أو نتيجة لوجود غيرة مُرّة في قلبك من أحد ما أو رغبة في الاستعراض أمام الناس لإشعارهم بأنهم أدني منك فأنت تبني بالمواد الفقيرة ، الخشب والعشب والقش .. نعم قد يبدو ما تفعله كبيراً وعظيماً وقد ينال إعجاب الناس وتصفيقهم وقد يتحدثون عنه بإطراء لكن حينما تأتي النار عليه سيحترق وسيتلاشى ..ولكن حينما يكون الدافع هو محبة مشتعلة للرب تملأ قلبك فحتي لو رآه الآخرون عملاً صغيراً أو لم يروه كصلاتك وأصوامك في الخفاء لأجل ربح النفوس فأنت تبني بالمواد الثمينة ، الذهب والفضة والأحجار الكريمة التي لن تحترق وتتلاشي حين تأتي النار عليها بل ستبقي لكي تُكافأ عليهـا « ستمتحن النار عمل كل واحد » .. هذه النار هي عينا المسيح الفاحصة « عيناه كلهيب نار » ( رؤ ١: ١٤ ) التي ستحرق الخشب والقش والعشب حينما نُظْهَر أمام كرسيه لننال المكافآت ..

كان الرسول بولس يتحدث أساساً للخدام الذين يبنون في بيت الرب ( الكنيسة ) لكن هذه الكلمات هي أيضاً لكل المؤمنين ، فكل مؤمن في كل يوم يبني نفسه وعائلته المسئول عنها .. القاريء العزيز ، يوم أن تقف أمام كرسي المسيح سيتحول ما فعلته على هذه الأرض من أعمال بعد نوالك الخلاص إلي ذهب أو خشب .. فضة أو عشب .. أحجار كريمة أو قش ، بحسب الدافع الذي كان وراءها ، ثم ستأتي النار لتمتحن أعمالك .. وفقط الذي لن يحترق هو الذي سيكافئك الرب عليه ، كلما كثرت أعمالك التي وراءها رغبات الطبيعة القديمة ، كلما ازدادت كمية الخشب والعشب والقش كثيراً وتعاظمت خسارتك من المكافآت .. وكم سيكون وقتاً بالغ الصعوبة على المؤمن الذي ستتحقق معه هذه الآية :

« إن احترق عمل أحد فسيخسر [suffer loss ] وأما هو فسيخلص ولكن كما بنار » ( ١كو ٣ : ١٥ ) ..

سيخلص نعم .. سينجو من بحيرة النار نعم .. وسيدخل السماء نعم ، لأن النار لن تحرق إيمانه وهي تحرق أعماله « سيخلص ولكن كما بنار » سيخلص وسيدخل السماء ولكن وهو يقاسي إحساسه المرير بخسارة الكثير مما فعله خلال مدة حياته على الأرض .. اقرأ الموعظة على الجبل وستجد الرب يؤكد بكل وضوح أن أي صلوات أو أصوام أو صدقات تفعلها بهدف أن تنال المجد والمديح من الناس ليس لها مكافآت على الإطلاق ( مت ٦ : ١ ـ ١٨) ..

آه كم هو قاس على المؤمن أن يسمع الرب يقول له في ذلك اليوم لقد كنت مشغولاً كثيراً بما يقوله الناس عنك بدلاً من أن تنشغل بعلاقتك بي .. لقد علّق البعض على كلمات سفر الرؤيا التي تحدثت عما سيفعله الله للمؤمنين في الأبدية « سيمسح الله كل دمعة من عيونهم » ( رؤ ٢١: ٤ ) بأنه لولا محبة الله العجيبة والرقيقة ومسحه دموع أُولئك الذين سيبكون بسبب إحساسهم بالخسارة وندمهم على حياتهم التي عاشوها على الأرض لما توقفوا أبداً عن النوح في السماء .. لكن لا تفهم هذا بمعني حرفي ، فالحقيقـة أن كل المؤمنين حتي الذين يخسـرون المكافآت ستكون لهم أجساد ممجدة حين يقفون أمام كرسي المسيح ( ١ كو ١٥ : ٤٣ ) ..

هل تود أن تتجنب هذا الموقف المخجل؟ .. هل ترغب أن يزداد جداً ذهبك وفضتك وأحجارك الكريمة ؟ .. فليكن مجد الرب هو دافعك لكل عمل تقـوم به ، ليس فقط حـينما تعبـده وتخـدمه بل أيضـاً في أدائـك أُمـور الحياة العادية :

« فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا

كل شيء لمجد الله » ( ١ كو ١٠ : ٣١ ) ..

٢ـ مقدار التعب

سيزن الرب أعمالنا المتبقية التي لم نخسرها بعد دخولها امتحان النار بمقدار التعب الذي فيها ، فالرسول بولس يقول :

«كل واحد سيأخذ أُجرته [ reward ] بحسب تعبه »

( ١كو ٣: ٨ )

وأُقدّم لك توضيحاً على ذلك من كلمة الله من خلال مثالين الأول من العهد القديم والثاني من الجديد ..

  • من القديم .. « ورمم [ سور أُورشليم ] .. عازر بن يشوع .. قسماً ثانياً .. وبعده رمم بعزم [ بالعبرية charah التي تعني بغيرة مشتعلة ] (٠١) باروخ بن زباي قسماً ثانياً » ( نح ٣: ١٩ ، ٢٠ ) ..
  • ومن الجديد .. « سلموا على تريفينا وتريفوسا التاعبتين في الرب . سلموا على برسيس المحبوبة التي تعبت كثيراً في الرب » ( رو ١٦: ١٢ ) ..

اثنان رمما السور إلا أن الوحي خصّ الثاني بإبراز حماسه واجتهاده غير العاديين في العمل .. رمم بغيرة مشتعلة لخدمة الرب .. وثلاث أخوات تعبن في خدمة الرب ، لكن الوحي سجل لنا تميُّز الثالثة في درجة التعب عن الأُولي والثانية .. فهي تعبت كثيراً .. الرب يميز بين تعب وآخر ، وعلى هذا الأساس يحدد المكافأة .. شرح الرب أيضاً هذه الحقيقة في المَثَلَْ المذكور في لوقا ١٩ .. لقد أعطي صاحب العمل منا ( ١٠٠ دينار ) لكل واحد من عبيده العشرة ليتاجر بها فالذي ربح عشرة أَمناء أعطاه سلطاناً على عشر مدن بينما الذي ربح خمسة أعطاه أقل ، خمس مدن ( لو ١٩: ١٦ – ١٩ ) .. فبقدر تعبنا واجتهادنا لأجل الرب ستكون مكافآتنا الأبدية ، سنحظي بمسئوليات أكبر في الُملك والحكم مع الرب في ملكوته القادم ..

وانتبه إلي هذه الملاحظة ، في هذا المَثَلْ نري صاحب العمل يمدح العبد الذي ربح العشرة أمناء قائلاً له « نعمّا [ حسناً فعلت ] أيها العبـد الصالح » ( لو ١٩ : ١٧ ) بينما لم يوجه هذه العبارة للذي ربح خمسـة أمناء فما السبب ؟ .. لقد كان يعلم أن في مقدور هذا العبد أن يربح أكثر من خمسة لكنه لم يبذل كل ما في وسعه ليفعل ذلك.. هل تبذل قارئي كل ما عندك من طاقة حينما تعمل عملاً للرب ؟ .. هل تتعب لأجل إتمام عمله بغيرة مشتعلة لمجده ؟.. هل تتعب كثيراً ؟.. تطلّع إلي المكافأة .. إن مسئوليات عظيمة في المُلك مع الرب تنتظرك مكافأةً لك .. فكّر كم سيفرح الرب بك وهو يقدم لك هذه المكافأة في هذا اليوم العظيم الذي ستقف فيه أمام كرسيه ..

٣ ـ الأمانة في تنفيذ الواجبات

تأمل ما كتبه الرسول بولس إلي العبيد ( الخدم ) طالباً منهم أن يؤدوا واجباتهم بكل قلوبهم ، لقد ذكّرهم بما سينالونه من مكافآت أبدية عن أمانتهم في العمل :

« وكل ما فعلتم فاعملوا من القلب كما للرب ليس للناس عالمين أنكم من الرب ستأخذون جزاء [ مكافأة KJV ] الميراث » ( كو ٣ : ٢٣ ، ٢٤ ) ..

وبالطبع ليس هذا النوع من المكافآت قاصراً على العبيد دون غيرهم ، في الرسالة إلي أفسس بعد أن تحدّث بولس إلي العبيد طالباً منهم أن يكونوا أُمناء في عملهم أردف قائلاً لنا جميعاً :

« مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبداً كان أم حراً » ( أف ٦ : ٨ ) ..

تُري هل تؤدي عملك بكل جدية ونشاط ؟ .. كن أميناً ، اعمله بكل قلبك بلا كسل أو تراخي .. لا تحصر تفكيرك في العائد المادي ، تطلع إلي ما هو أعظم بكثير ، أن تكون أمانتك في عملك لسرور الرب حينما تقف أمام كرسيه .. فهو يريد أن يكافئك بكل تأكيد كهؤلاء العبيد عن أمانتك اليومية في العمل ..

وأنتِ أيتها الأم يا من تخلصين في رعاية أبنائك تُصلين وتضحين كثيراً من أجلهم .. إن لكِ مكافآت عظيمة ليس فقط أنك ستسعدين برؤية أولادك يسيرون مع الرب ويتميزون في نجاحهم ورغم أن هذه مكافأة لا تُقدّر بثمن ، إلا أنه لا يوجد ما يضاهي ما ستنالينه حينما تقفين أمام « بيما » المسيح وتسمعين ثناءه عليكِ وتقديره لكِ وتتسلمين من يده مكافآت أبدية مجيدة ..

وإن كانت الأمانة في مجال العمل والدراسة والمسئوليات الأُسرية لها مكافآتها الأبدية فلا شك أن هناك مكافآت عظيمة تنتظر أيضاً الأُمناء في خدمة الرب الذين يجتهدون في إتمام ما يكلفهم به لبنيان جسده (الكنيسة).. لقد ذكّر الرسول بولس مؤمني كورنثوس أن « خدام المسيح» هم « وكلاء سرائر الله » ( ١ كو ٤ : ١ ) أي أنهم وكلاء الله في إعلان هذه السرائر للناس كأسرار ملكوت السموات ( مت ١٣: ١١ ) وسـر المسـيح ( أف ٣: ٤ ) وسر التقوي( ١ تي ٣ : ١٦ ).. ثم قال بولس « يُسأل في الوكلاء لكي يوجد الإنسان أميناً » ( ١ كو ٤ : ٢ ) أي مطلوب في الوكيل أن يكون أميناً ..

بعد انتهاء بناء سور أورشليم أراد نحميا أن يكافيء حناني فأقامه على المدينة وذكـر السـبب « لأنه كان رجـلاً أمينـاً يخـاف الله أكـثر من كثيريـن » ( نح ٧ : ٢ ) .. كما كافأ نحميا حناني بحسب أمانته هكذا الرب أيضاً سيكافيء كل خادم طبقاً لأمانته ، فلتكن أميناً سواء أكانت خدمتك صغيرة أم كبيرة فقد نبّه الرب أكثر من مرة إلي ضرورة أن نكـون أُمنـاء في القليـل ( مت ٢٥ : ٢١، لو ١٦ : ١٠ ؛ ١٩ : ١٧ ).. كُن أميناً في خدمتك للرب في الأعمال الصغيرة غير الملحوظة من أحد تماماً مثلما يجب أن تكون في الخدمات البارزة التي يراها الناس .. على سبيل المثال كُن أميناً وأنت تؤدي دورك في ترتيب المقاعد لجلوس الناس في الاجتماعات الروحية تماماً كما لو كنت تقود الناس في الترنيم ، فالمكافأة ستكون بحسب درجة الأمانة في أداء دورك في خدمة الرب وليس بحسب نوع الدور الذي تؤديه ..

كُن أميناً في خدمة الرب لكي تسمع في ذلك اليوم عند « بيما» المسيح كلماته العظيمة « نعمّا [ حسـناً فعلـت ] أيهـا العـبد الصـالح والأمـين » ( مت ٢٥ : ٢١ ) ، وليتعلم كل خادم للرب هذا الدرس الثمين من الرسول يوحنا الذي في خدمته للرب كان مُكلّفاً برعاية السيدة كيرية وأولادها فكتب لهم رسالة يقول فيها :

« اُنظروا إلي أنفسكم لئلا نُضيّع ما عمـلناه بل ننال أجـراً تاماً [ مكافأة كاملة ] » ( ٢ يو ٨ ) ..

إنه لا يقول اُنظروا إلي أنفسكم لئلا تُضيّعوا ما عملتموه بل لئلا نضيّع نحن ما عملناه ، فماذا يقصد ؟.. بالرجوع إلي الآيات التي سبقت هذه الآية نفهم أنه يطلب منهم أن يرفضوا كل تعليم غريب فلا يساوموا مطلقاً في حقائق الإيمان لأن ثباتهم في الحق لن يكون فقط لفائدتهم .. إنه لفائدته هو أيضاً ، سيجعله ينال من الرب أجراً تاماً، مكافأة كاملة غير ناقصـة حين يقف أمام « بيما » المسيح ..

لقد فعل يوحنا كل شيء باستطاعته وبكل أمانة لحفظ هذه العائلة من كل تعليم فاسد بما في ذلك كتابته هذه الرسالة ولم يخف عليهم دافعه أنه يريد أن ينال من الرب الذي يحبه مكافأة غير ناقصة .. ولذات السبب كتب يوحنا للمؤمنين في آسيا الصغري [ تركيا حالياً ] الذين سبق وبشّرهم ثم صار يرعاهم بعد إيمانهم رسالة يحثهم بها على الثبات في الرب :

« أيها الأولاد [ أولاد الله ] اثبتوا فيه [ في الرب ] حتي إذا [ متي ] أُظهِر يكون لنا [ وليس يكون لكم ] ثقة ولا نخجل منه في مجيئه » ( ١ يو ٢ : ٢٨ ) ..

إنه يفعل بكل قوته لأجل ثباتهم لكي لا يخجل حينما يُظْهَر هو أمام « بيما » المسيح.. وليس يوحنا فقط بل أيضاً بولس كان يخدم « في تعب وكد. في أسهار مراراً كثيرة » ( ٢ كو ١١ : ٢٧ ) لأنه كان يفكر في موقفه حينما يقف أمام الـ « بيما » في السماء ، اقرأ كلماته التي خاطب بها المؤمنين الذين كان يرعاهم في فيلبي طالباً منهم أن يتمسكوا بالكلمة :

« متمسكين [ أنتم ] بكلمة الحياة لافتخاري [ أنا ] في يوم المسيح بأني لم أسع باطلاً ولا تعبت باطلاً » ( في ٢ : ١٦ )

هكذا كل خادم يعمل في كرم الرب يجب أن يكون مثل يوحنا وبولس ، يخدم الرب بكل أمانة متمماً دوره حتي لا يخجل حينما يقف أمام كرسي المسيح بل تكون له الثقة والفرح والافتخار وينال من مخلّصه مكافآت كاملة ..

كن أميناً ..

  • أميناً في خدمتك للرب ، رافضاً أي شيء يجعلك غير قادر أن تقول كلمات بولس للتسالونيكيين « أنتم شهود والله كيف بطهارة وببر وبلا لوم كنا بينكم » ( ١ تس ٢ : ١ ) ..
  • أميناً في عملك ، فلا يقدر أحد أن يشير إلي عمل لم تؤده بكل أمانة ، حاول الوزراء العاملون مع دانيال أن يصطادوه في خطأ ففشلوا « لم يقدروا أن يجدوا علّة ولا ذنباً لأنه كان أميناً لم يوجد فيه خطأ ولا ذنب » ( دا ٦ : ٤ ) ..
  • أميناً في علاقاتك .. مثلما كان يوناثان مع داود ، وتعامل الجنس الآخر « بكل طهارة » ( ١ تي ٥ : ٢ ) ..
  • وأميناً في أُمورك الصغيرة كما في الكبيرة ( لو ١٦ : ١٠ ـ ١٢) ..

كن أميناً « في كل شيء » ( ١ تي ٣ : ١١ ) .. فالوعد « كن أميناً إلي الموت فسأُعطيك إكليل الحياة » ( رؤ ٢ : ١٠ ) ..

٤ ـ استخدام المال من أجل ملكوت الله

كلنا يعرف كلمات الرب الشهيرة التي قالها عن المال في موعظته الشهيرة على الجبل :

« لا يقدر أحد أن يخدم سيدين .. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال » (مت ٦ : ٢٤ ) ..

أيها الحبيب ، إذا لم تستخدم مالك كما يريده الله فأنت لا تخدمه، أنت تخدم المال وقد جعلته سيداً عليك ، وهو سيد شديد القساوة ومفاجآته موجعة للغاية .. اجعل من المال عبداً لك ، استخدمه كما يريد الله لتحقيق مشيئته في حياتك .. انفق منه بسخاء على خدمته وفي مساعدة الناس ، ولا تستعمله في أُمور ملوثة بالخطية كالنجاسة والتباهي ..

ذات مرة تحدث الرب يسوع عن استخدام المال في علاقته بالمكافآت الأبدية فقال :

« اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتي إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية . الأمين في القليل أمين أيضاً في الكثير

فإن لم تكونوا أُمناء في مال الظلم فمن يأتمنكم على الحق [ الغني الحقيقي KJV ] .

وإن لم تكونوا أُمناء في ما هو للغير فمن يعطيكم ما هو لكم » ( لو ١٦ : ٩ ـ ١٢ ) ..

لاحظ معي كيف وصف الرب المال في حديثه :

  • إنه قليل ، والكلمـة اليونانيـة المستخدمـة تعني صغيـر للغايـة [ a very little thing (TEV, NAS)] .. غير المؤمنين ينظرون إلي المال باعتباره أعظم الأشياء ، وهم يكذبون ويسرقون بل وقد يموتون من أجل الحصول عليه..أما المؤمن فالمال في عينيه أصغر الأشياء لأنه لا يُقارن بما سيمتلكه في الأبدية والذي قال عنه الرب إنه كثير.. كُن أميناً في استخدامك لهذا الصغير ( المال ) والرب سيقيمك على الكثير ( مت ٢٥ : ١٧) هناك ..
  • كما وصف الرب المال بأنه مال الظلم ، وبقراءة مثل وكيل الظلم الذي قاله الرب مباشرة قبل هذه الآيات نفهم أن سبب هذه التسمية يعود إلي الفترة التي عشناها قبل أن نتوب ونعرف الرب حين ارتبط حصولنا على المال أو تصرفنا فيه بالخطية .. ولكن إذا استخدمنا هذا المال بأمانة هنا على الأرض وأنفقنا منه بسخاء من أجل ملكوت الله فالرب سيكافئنا هناك في الأبدية بامتلاك الكنوز الحقيقية السماوية ..
  • وأخيراً وصف الرب المال بأنه « للغير » ، فنحن لا نملك المال لأن المالك الحقيقي هو الله أما نحن فلسنا سوي وكلاء عليه .. كن أميناً وتصرف فيما بين يديك من أموال بحسب فكر الله صاحبه وستكافأ في الأبدية بمكافآت وصفها الرب بقوله « ما هو لكم » لأنك لن تفقدها أبداً ..
اصنع لك أصدقاء

الرب يقول « اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتي إذا فنيتم [ من الحياة بالجسد على الأرض ] يقبلونكم في المظال الأبدية » ( لو ١٦ : ٩ ) .. استثمر أموالك من أجل الأبدية .. أنفِق منها بسخاء على خلاص الخطاة ، عضد الكارزين وساهم في طبع كلمة الله ونشرها وفي عقد الاجتماعات الكرازية .. أنفِق أيضاً من أموالك في مساعدة المؤمنين على تحقيق ما يريده الله منهم .. بهذا كما يقول الرب تجعل من هؤلاء الخطاة الذين خلصوا والمؤمنين الذين ساعدتهم أصدقاء لك في الأبدية .. سيلاقونك هناك بالترحاب والشكر الكثير ، وكم سيكون فرحك آنذاك .. تحدث الرسول بولس إلي المؤمنين الذين خلصوا بواسطته في مدينة تسالونيكي فأشار إلي الفرح الذي سيكون له وقت مجيء المسيح حينما يراهم :

« لأن من هو رجاؤنا وفرحنا وإكليل افتخارنا . أم لستم أنتم أيضاً أمام ربنا يسوع المسيح في مجيئه » ( ١ تس ٢ : ١٩ ) ..

إن الأموال التي نقدمها عن حب وبفرح وسخاء لتعضيد خدام الرب الأُمناء تزيد بلا شك من مكافآتنا الأبدية .. لم يكن المؤمنون في مدينة فيلبي بمقاطعة مكدونية أغنياء ( ٢ كو ٨ : ٢ ، ٣ ) لكنهم مع هذا ساعدوا الرسول بولس مادياً ، ولما سُجِن في روما أرسلوا إليه أشياء لتعضيده ( في ٤: ١٥ ـ ١٨ ) .. لقد مدح ما فعلوه قائلاً :

« ليس أني أتطلع إلي العطية بل أتطلع إلي ما أُضيف لحسابكم [NIV ] » ( في ٤: ١٧ ) ..

بالطبع كانت هذه العطية مفيدة لبولس لكن فائدتها كانت أعظم بالنسبة للفيلبيين ، تقول الآية السابقة إنها أضافت الكثير إلي حسابهم الذي في السماء .. أكثرت من مكافآتهم التي سينالونها حين ىُظهَرون أمام كرسي المسيح ..لنتحرر باسم الرب يسوع من أي اتجاه للبخل ولنقدم من أموالنا بسخاء لخدمة الرب ولأعمال المحبة ومساعدة المحتاجين غير ناسين كلمات الرب القائلة :

« اكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون » ( مت ٦: ٢٠ ) ..

« أحسنوا وأقرضوا [ الفقراء ] وأنتم لا ترجون شيئاً [ استرداد القرض ] فيكون أجركم عظيماً » ( لو ٦ : ٣٥ ) ..

كتب بولس لتيموثاوس يقول له في حديثه عن تقديم التوجيه للأغنياء :

« أوصِ الأغنياء .. أن يكونوا أسخياء في العطـاء كرماء في التوزيع مُدخـرين لأنفسـهم أساساً حسناً للمستقبل [أساس يقيني] لكي يمسكوا بالحياة الأبدية [ الأدق بالحياة الحقيقية true life ( TEV ), which is life indeed ( RSV )]»(١١) ( ١ تي ٦ : ١٧ ـ ١٩ ) ..

نعم يجب أن يدرك الأغنياء أنهم عندما يعطون بسخاء ويوزعون بكرم من مالهم لتسديد احتياجات خدمة الرب والفقراء لن يتناقص رصيدهم لأنهم يدخرون !!.. نعم يدخرون أموالهم في السماء كي ينتفعوا بها طوال الأبدية ..

حيث الحياة الحقيقية في الأبدية هي الحياة المملوءة بأمجاد المكافآت .. فهل ترغب فيها وتستعد لها ؟..

ادخر كثيراً في السماء !!

 

Start typing and press Enter to search