١٧ – أعمالي عظيمة – أكاليــل أبديـة

 الفصـل الرابع
أكاليــل أبديـة

 

إبليس يحارب المؤمن تارة كأسد ( ١ بط ٥ : ٨ ) وتارة أُخري كحية ( ٢ كو ١١ : ٣ ) .. كأسد يفعل كل ما في وسعه لكي يخيف المؤمن حتي يتراجع عن تبعية الرب وخدمته ، لقد اضطهد هذا الأسد الزائر بولس ، حاربه بكل ضراوة، حرّك كثيرين لمضايقته بل وقتله ، مع هذا قال بولس عن هذا الاضطهاد الشرس والمستمر إنه « ضيقة خفيفة »!! .. لماذا ؟ .. لقد قارنه بالمكافأة الأبدية التي سينالها لأنه انتصر بقوة الروح في هذا الاضطهاد ولم يفقد فرحه في خدمته للرب ، لنسمع ما قاله بولس :

« لأن خفة ضيقتنا الوقتية تُنشيء لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً »

( ٢كو ٤ : ١٧ )

ثقل المجد المتكاثر هذا هو لك أيضاً إذا اعتمدت على قوة الروح القدس في مواجهتك لأي اضطهاد تتعرض له من هذا الأسد الزائر كي تترك خدمة الكلمة أو تكسر أحد وصاياها ، فستنتصر كما انتصر بولس ولن تفقد فرحك ..تعرّض المؤمنون من العبرانيين إلي اضطهاد قاس بسبب أنهم اعتنقوا الإيمان المسيحي إلا أن فرحهم لم ينقص بل ازداد ، فقد كان لهم اليقين بأن ثباتهم في الاضطهاد يُربحهم مكافآت أبدية عظيمة ، كتبت الرسالة تقول:

« قبلتم سلب أموالكم بفرح عالمين في أنفسكم أن لكم مالاً أفضل في السموات وباقياً » (عب ١٠ : ٣٤ ) ..

افرح وتهلل كثيراً إن كنت تُقاسي الآن بسبب إيمانك بالرب أو طاعتك لوصاياه وليس لأنك تتصرف بعدم حكمة ، ثق في حماية الرب لك .. ثق أيضاً أن هذه المواجهات ستزيد من مكافآتك الأبدية ، من أمجادك هناك .. اقرأ هذه الآيات جيداً :

  • « إن كنا نتألم معه [ مع الرب يسوع حينما نُضطهد بسببه ] لكي نتمجد أيضاً معه » ( رو ٨ : ١٧ ) ..
  • « إن كنا نصبر [ نثبت في احتمال هذه الضيقات ] فسنملك أيضاً معه » ( ٢ تي ٢ : ١٢ ) ..
  • « طوبي لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي [ من أجل الرب يسوع ] كاذبين . افرحوا وتهللوا . لأن أجركم عظيم في السموات » ( مت ٥ : ١١ ، ١٢ ) ..
  • « إني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا » ( رو ٨ : ١٨ ) ..

آه أيها المؤمن يا من تختار أن تترك عملاً يدر عليك مالاً وفيراً لأنه يضطرك إلي غش وخداع الناس ، إن مالاً تعويضياً أفضل بكثير ينتظرك عند « بيما » المسيح .. وأنتِ أيتها الأخت التي تتعرضين لمعاملة قاسية وظلمواضح من مديرك في العمل بسبب تمسكك بالنقاوة إن ثقل مجد أبدي مُعد لكِ وستسمعين من مخلصك الحبيب في هذا اليوم العظيم كلمات المدح والثناء التي لا تُقدر بثمن .. وأنت يا من تتعرض في كل يوم إلي تعيير زملائك لك لأنك لا تشاركهم التهرب من دفع الضرائب ، الرب سيكافئك بكل تأكيد مئة ضعف ولن يعوزك شيء .. وهذا الطبيب الذي يخسر أموالاً كثيرة في كل يوم لأنه يمتنع عن إجراء عمليات الإجهاض ( الاسم المهذب للقتل ) ، طوباه فهو مؤمن منتصر غلب بريق المال وسينال مكافآت المنتصرين العظيمة.. وتلك الفتاة التي تمسكت بعدم الزواج من شخص متميز ومرموق لأنه غير مؤمن حتي لا تكسر وصية كتابية واضحة فتعرّضت للعقاب من أُسرتها .. شتائم وقيود .. يا لسعادتها فإن أجرها عظيم في السموات .. وكل هؤلاء الذين يسمعون ملاحظات النقد والسخرية باستمرار من الأقارب والأصدقاء لأنهم يتخذون موقفاً حاسماً تجاه المشاركة في النميمة وأحاديث العالم وطرقه ، نعمّا لهم فهذه الاضطهادات لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فيهم ..

الحـيّة

كما يحارب إبليس المؤمن كأسد زائر ، فهو يقترب منه في مرات كثيرة كحيّة مخادعة محاولاً أن يغويه كي يُسقطه في فخ خطايا كالنجاسة والسرقة وغيرهما .. أيها الحبيب لا تستسلم لإبليس ، تذكّر أن الله وهبك القدرة أن تقـاومه بل أن تجبره على الهـروب من أمامك ( يع ٤: ٧ ) .. لا تستسلم له وثق أن كل معركة تجوز فيها لها مكافآتها الأبدية الخاصة .. الرب لن ينسي كل موقف رفضت فيه أن تستمر منهزماً وقمت بقوته من سقطتك ، لن ينسي إصرارك أن تتحرر كاملاً من كل قيود الإثم وصراعك مع قوي الظلمة من أجل ذلك .. سيكافئك بكل تأكيد في ذلك اليوم حينما تُظهَر بجسدك الممجد أمام الـ « بيما » بمكافآت عظيمة « ثقل مجد أبدي » ..

انتصر على الخطية

إن الحياة المنتصرة على الخطية لها مكافآتها الأبدية ، ليست فقط الخطايا التي في مجال النجاسة أيضاً تلك التي في مجال المحبة .. فالحياة التي تتسم بالحب والاتضاع ترفع الإنسان في الملكوت ..

ذات يوم أتت إلي الرب أُم يوحنا ويعقوب تلميذيه وقالت له « قُل أن يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك» ( مت ٢٠ : ٢١ ) فاغتاظ بقية الرسل الاثني عشر فكانت فرصة مناسبة لهم لكي يعلمهم الرب درساً هاماً .. المجد في الملكوت نناله بخدمة الآخرين .. قال لهم :

« مَن أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً . ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً » ( مت ٢٠ : ٢٦ ، ٢٧ ) ..

هل تود أن تكون عظيماً في ملكوت الرب الأبدي .. إن كلماته تقول لنا إن بلوغ قمم المجد في ملكوته هي بالنزول .. أن ننزل إلي مستوي الخدم والعبيد ، لا بمعني أن نترك الناس يحققون قصد إبليس في سلبنا وإيذائنا وتدمير معنوياتنا بل أن نكون مثله وهو على الأرض ، نخدم الآخرين عن حب حقيقي واتضاع غير مزيف وليس عن ضعف أو إحساس بالمذلة ..

لا تطلب السيطرة والتحكم في الآخرين وفرض الرأي ، كن متضعاً واخدم في دائرة أسرتك وبين المؤمنين في كنيستك بل وكل إنسان له احتياج يقودك الرب لمساعدته فتكون عظيماً في الأبدية ..

  • فهل تخدم بكل قوتك زوجتك وأولادك وأفراد أُسرتك أم تريد أن تسيطر عليهم ؟ ..
  • هل تخدم رفقاءك في العبادة والخدمة في الكنيسة مطيعاً كلمة الله القائلة « بالمحبة اخدموا بعضكم بعضاً.. احملوا بعضكم أثقال بعض » ( غل ٥ : ١٣ ، ٦ : ٢ ) ..
  • وهل حين يقودك الرب لمساعدة شخص تساعده كخادم له أم كمن يتفضل عليه ؟ ..

إن الخدمة باتضاع تأتي لك بالرفعة والمجد في الأبدية ، يقول الرسول بطرس « تواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه » ( ١ بط ٥ : ١٦ ) .. والرب يسوع بنفسـه قـال مرتـين للتأكيـد « مَن يضـع نفسـه يرتفـع » ( لو١٤ : ١١ ؛ ١٨ : ١٤ ) ، وحياته كإنسان على الأرض هي أعظم مثال لنا فقد أتي إلي أرضنا ليخدمنا « لم يأتِ ليُخدَم بل ليخدِم » ( مت ٢٠ : ٢٨ ) سالكاً بكل تواضع « تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب » ( مت ١١ :٢٩ ) .. سمعناه يقول لتلاميذه « أنا بينكم كالذي يخدم » ( لو ٢٢ :” ٢٧ ) ورأيناه وهو يغسل أقدامهم ويمسحها بمنشفة ( يو ١٣ : ٥ ) ، ثم بلغت خدمته أعلى مظاهرها في ذهابه إلي الصليب ليصلب عنا .. تدعونا رسالة فيلبي في أصحاحها الثاني أن نتشبه بالرب ، فالذي سيتبع الرب في اتضاعه وخدمته للآخرين هنا على الأرض سيشاركه في الأبدية المجد والرفعة والمُلك ..

كن خادماً اليوم وإلي آخر يوم في حياتك .. قاوم خطايا الأنانية والكبرياء وفرض الرأي والعناد لكي تكون لك مكافآت عظيمة في السماء ..

قاوم وانتصر

اقرأ الأصحاح الرابع عشر من رسالة رومية وستجد الرسول بولس يطلب من كل مؤمن أن يرفض ويقاوم خطيتي الإدانة والازدراء بالغير مُذكّراً بالوقوف أمام « بيما » المسيح :

« فلماذا تدين أخاك . أو أنت أيضاً لماذا تزدري بأخيك . لأننا جميعاً سوف نقف أمام كرسي [ بيما ] المسيح » ( رو ١٤ : ١٠ ) ..

قاوم أيضاً أي مرارة في داخلك تجاه شخص أساء إليك .. قاومها بأن تصلي من أجله ، والروح القدس سيهبك أن تحبه برغم كل ما فعل لك .. إن محبة الأعداء لها مكافأة عظيمة ، يقول الرب يسوع « إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم » ( مت ٥ : ٤٦ ) .. « أحبوا أعداءكم .. فيكون أجركم [ مكافأتكم ] عظيماً » ( لو ٦: ٣٥ ) ..

اقرأ الأصحاحين الثاني والثالث من سفر الرؤيا وستري الرب مرة تلو الأُخري يعلن أنه سيهب المؤمن المنتصر مكافآت سامية والمدهش أنه لم يكن يتحدث فقط إلي مؤمنين منتصرين بل أيضاً إلي منهزمين .. يا لمحبته ، يلوح لهم بالمكافآت التي سيمنحها للمنتصرين ليشجعهم أن يحولوا هزائمهم إلي انتصارات ..

يمكنك إن كنت منهزماً أن تحوّل هزيمتك إلي انتصار وانتظار للمكافآت!! وما أعظمها مكافآت .. ستملك مع الرب فسيهبك الامتياز أن تخدم في ملكوته بسلطان ، سيقيمك على الكثير ..

أعظم مكافأة

لقد وعد الرب المؤمن المنتصر بأن يملك معه « من يغلب ويحفظ أعمالي إلي النهاية فسأعطيه سلطاناً على الأُمم » ( رؤ ٢ : ٢٦ ) .. ثم بعد هـذه الآيـة مباشـرة أضـاف قائلاً « وأُعطيـه كوكـب الصـبح » ( رؤ ٢ : ٢٨ ) ..ماذا يقصد الرب بهذا الكوكب المنير الذي يهبه للمؤمن المنتصر ؟ .. في آخر أصحاح من سفر الرؤيا نسمع الرب يقول :

« أنا يسوع .. أنا أصل وذرية داود . كوكب الصبح المنير » ( رؤ ٢٢ : ١٦ ) ..

نعم إن أعظم مكافأة للمؤمن المنتصر هي الرب نفسه .. قديماً قال الله لإبراهيم في رؤيا « لا تخف .. أنا ترس لك. أجرك كثير [ الأدق الكثير ] جداً » ( تك ١٥ : ١ ) .. الرب المنير هو هذا الأجر الكثير جداً للمؤمن المنتصر ، فهو سيتمتع بعلاقة خاصة حميمة وعميقة معه طوال الأبدية .. انظر كيف عبّر الرب بصور متنوعة عن هذه العلاقة المتميزة التي سيُكافيء بها المؤمن المنتصر :

  • « من يغلب فسأُعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله » ( رؤ ٢: ٧ ) ..
  • « من يغلب فسأُعطيه أن يأكل من المن المخفي وأُعطيه حصاة بيضاء وعلى الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ » ( رؤ ٢: ١٧ ) ..

فشجرة الحياة والمن المخفي ليسا شيئاً آخر سوي الرب نفسه!! ..

الأكاليـل

لن تقتصر مكافآت الرب لنا بسبب انتصاراتنا على أن نملك معه ونتمتع به في علاقة متميزة وفريدة ، أيضاً سيهبنا أكاليلاً متنوعة.. لقد استخدمت كلمة الله في أسفار العهد الجديد كلمتين بمعني إكليل .. الأُولي هي « stephanos» واستُخدمت للإكليل الذي كان يتوَّج به قديماً الشخص الذي يحصل على المركز الأول في سباقات الجري وأيضاً المصارع الذي يلحق بخصمه الهزيمة .. والثانية « diadema » وهو الإكليل الذي يرتديه الملوك فوق رؤوسهم(٢١).. وفي الحديـث عن مكافـآت المؤمنين استخدم الروح القدس الكلمـة الأُولي « stephanos » ، فعندما نُظهَر أمام الـ « بيما » السماوي ، سيعطي الرب لكثيرين منا أكاليلاً بسبب الانتصارات التي حققوها باسمه وهم على الأرض ..وبالطبع ليس المقصود الإكليل المادي لكنه تعبير عن امتيازات خاصة عظيمة يحظي بها المؤمن طوال الأبدية ..

تحدثنا كلمة الله أيضاً عن أنواع من هذه الأكاليل ، أحدها ذكره الرسول بولس في رسالته الأُولي إلي كورنثوس :

« ألسـتم تعلمـون أن الذين يركضـون [ يجـرون ] في الميـدان [ مكان السباق ] جميعهم يركضون ولكن واحداً يأخذ الجعالة [ المكافأة ] . هكذا اركضوا [ اجروا ] لكي تنالوا . وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء . أما أُولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفني وأما نحن فإكليـلاً [ stephanos ] لا يفنـي . إذاً أنا أركـض هكـذا كأنه ليس عن غير يقين . هكذا أُضارب كأني لا أضرب الهواء . بل أقمع جسـدي وأسـتعبده حتي بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً [ غير متأهلاً disqualified (NKJV) ] » ( ١ كو ٩ : ٢٤ ـ ٢٧ ) ..

يشبّه الرسول بولس حياة المؤمن على الأرض بالشخص الذي يتنافس في سباق الجري لكي يفوز بالمركز الأول وينال الإكليل ، ويقول إن كل ما هو ضروري للمتسابق لكي يكسب السباق ويفوز بالإكليل هو ضروري للمؤمن كي ينال من الرب أكاليل المجد .. ويحدد بولس أمرين هامين للغاية :

• التركيز على الهدف

« أنا أركض هكذا كأنه ليس عن غير يقين [ هدف ] .. أُضارب [ كالملاكم ] كأني لا أضرب الهواء [ بل الخصم ] » .. فالذي يلاكم ولا يوجه لكماته للهدف أي الخصم يخسر طاقته .. يقول بولس أيضاً:

« أفعل شيئاً واحداً إذ أنا أنسي ما هو وراء وأمتد إلي ما هو قدام أسعي [ أجري في السباق ] نحو الغرض [ الهدف] لأجل جعالة [ جائزة ] دعوة الله العليا في المسيح يسوع »

( في ٣ : ١٣ ، ١٤ )

كلمات بولس واضحة .. إنه كإنسان يحيا لخدمة الرب لا يشتت نفسه ولا ينشغل بأُمور حدثت في الماضي .. عيناه أبداً لا تحيدان عن الهدف ، أن ينال حينما يُظهر أمام « بيما » المسيح الجعالة أي الجائزة ، المكافأة وهي الإكليل الذي لا يفني والذي لأجل نواله دعاه الرب هذه الدعوة العليا للكرازة ..

• ضبط النفس

يقول بولس إن « كل من يجاهد [ في السباق لكي يفوز ] يضبط نفسه » ( ١ كو ٩ : ٢٥ ) .. أي أنه لا يسمح لنفسه أن يفعل شيئاً يؤذي لياقته البدنية ، فهو يأكل بحساب وينام بانضباط ليس طويلاً أو قليلاً ويواظب على تمرين عضلاته .. فإن كان الذي يبغي الفوز بالإكليل المادي الزائل يُخضِع جسده لهذا الهدف فكم يجب على الخادم المتطلع للفوز بالإكليل الذي لا يفني أن يُخضِع هو أيضاً جسده لكل ما تتطلبه خدمة الرب من تعب ونشاط..تأمل ما يقوله الرسول بولس عن معاملته لجسده « أقمع جسدي وأستعبده.. » أي أنه لا يترك جسده يتحكم فيه بل هو الذي يتحكم في جسده ويجعله عبداً له .. وانتبه فليس القصد مطلقاً أن تؤذي جسدك أو أن تعتبره شراً مثلما نادت بعض الفلسفات كالأفلاطونيـة الجـديدة ( New Platonism ) والغنوسـية ( Gnosticism) ، فالرسول بولس نفسه يقول في ذات الرسالة إلي كورنثوس عن الجسد إنه هيكل للروح القدس ( ١كو ٦: ١٩ ) مؤيداً ضرورة الاعتناء به «لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه » ( أف ٥: ٢٩ ) ..

لا، لا تؤذِ جسدك لكن أيضاً لا تتركه يتحكم فيك ويجعلك خادماً له .. تحكّم في جسدك بقوة الروح ، فقصد الله أن يكون جسدك دائماً عبداً لك .. لا تستجب له إذا طلب منك أن تأكل بإفراط كما لا تطعمه أبداً ما يضره كي يظل سليماً لا يعوق خدمتك للرب بإعيائه .. اُرفض أيضاً أن يتعود الكسل ، فإذا أرادك أن تتخلف عن اجتماعات الصلاة أو السير لافتقاد النفوس أو أن تترك دراسة الكلمة ، أخضعه بقوة الروح وسيتحول من الكسل إلي النشاط .. وإذا حدث وقاوم وجودك في مكان دعاك الرب للخدمة فيه بسبب ظروف معيشية صعبة فلا تستسلم له، حتماً سيخضع ولن يسبب لك المشاكل..

كما لا تسمح لجسدك أبداً أن يكون مجالاً لعمل طبيعتك القديمة ( رو ٦ : ١٣ ) كي لا تُحزِن الروح القدس .. اُنظر الرسول بولس يقول « أقمع جسدي وأستعبده حتي بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً [adokimos] » .. والسؤال مِن ماذا يُرفض؟.. إن سياق الحديث يُظهِر المعني أنه إذا لم يقمع جسده لن يتحرك كما يريده الرب ، ستُعاق خدمته وبالتالي لن ينال الإكليل، أي أن سعيه لنوال هذه المكافأة العظيمة سيُقابَل بالرفض ..

تُطلق كلمة « adokimos» على الأشياء التي لا تثبت في الامتحان وبالتالي لا تصلح للاستخدام أي تصبح « غير مؤهلة disqualified» .. وهذه الكلمة تتكون من جزئين حرف النفي « a » والفعـل « dokimos » الذي معناه «يمتحن » .. ولهذا فالترجمة الأدق لعبارة الرسول بولس ليست « لا أصير مرفوضاً » بل « لئلا أُمتحن وأصير غير مؤهلاً [ لنوال الإكليل ] »(٣١) ..

يُظهِر لنا نص الرسالة باللغة اليونانية بكل وضوح أن هذا هو حقاً ما يقصده الرسول بولس ، فالفعل « dokimos » « يمتحن » هو نفسه الذي استخدمه في الأصحاح الثالث في حديثه عن النار التي ستمتحن أعمال كل مؤمن يوم أن يُظهََر أمام « بيما » المسيح :

« وستمتحن [ dokimos ] النار عمل كل واحد »

( ١ كو ٣ : ١٣ )

هكذا الرسول بولس يقول إنه يقمع جسده ويستعبده لكي عندما تأتي النار لتمتحن خدمته لا يظهر أنه غير مؤهل لنوال الإكليل .. ولهذا فالترجمة الأدق هي التي نقرأها في ترجمة NIVالشهيرة (٤١) :

« أقمع جسدي وأستعبده لئلا أكون غير مؤهلاً للجائزة » ..

أكاليل أُخري

بجانب هذا الإكليل الذي لا يفني الذي سيُقدم لأُولئك المؤمنين الذين خلال حياتهم على الأرض عاشوا مثل بولس مخضعين أجسادهم وغير سامحين لها أن تعطل خدمتهم للرب فقد ذكرت كلمة الله ثلاثة أكاليل أُخري :

  • إكليل البر لمن يحيون في البر انتظاراً لمجيء الرب ، كتب بولس في نهاية حياته قائلاً « قد جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان وأخيراً قد وُضِع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً » ( ٢ تي ٤: ٧ ، ٨ ) ..
  • إكليل المجد لمن يرعون الآخرين ويطعمونهم بكلمة الله ، كتب بطرس لهم قائلاً « ارعوا رعية الله .. ومتي ظهر رئيس الرعاة تنالون إكليل المجد الذي لا يبلي » ( ١بط ٥: ٢ ، ٤ ) ..
  • إكليل الحياة للذين يحتملون التجارب بنجاح « طوبي للرجل الذي يحتمل التجربة. لأنه إذا تزكي ينال إكليل الحياة » ( يع ١: ١٢ ) .. ونفس هذا الإكليل سىُعطي لمن يبقون أُمناء للرب برغم الاضطهاد « كن أميناً إلي الموت فسأُعطـيك إكليل الحياة » ( رؤ ٢: ١٠ ) ..

هل سنفقد أكاليلنا؟

من المناظر بديعة الجمال التي شاهدها يوحنا في رؤياه منظر العرش الإلهي وحوله الأربعة والعشرون شيخاً يخرون لله « ويطروحون أكاليلهم أمام العرش » ( رؤ ٤ : ١٠ ) .. فهل هذا يعني أنهم فقدوا الأكاليل ؟ .. لا يمكن أن نفسر ما شاهده يوحنا على نحو حرفي ، فالأكاليل ليست مادية بل هي تعبير عن امتيازات أبدية .. إنهم لا يطرحون الأكاليل لكي يفقدوا امتيازات المجد التي تُعبر عنها بل لكي يقولوا له إننا نمجدك بكل الأمجاد التي أعطيتها لنا ، إنها منك ولك ..

إن زمن الفعل المستخدم في جملة « يطرحون أكاليلهم » باللغة اليونانية يدل على أن الطرح ليس لمرة واحدة بل مرات (٥١) ، ويا للمعني العظيم !!.. سنظل نطرح الأكاليل طوال الأبدية تعبيراً عن شكرنا العميق لمن وهبنا هذه الأمجاد الفائقة .. سنظل نطرحها أمام العرش إلي الأبد ، فلن نفقدها إلي الأبد .. هللويا ..

إنسي ما وراء .. تشجع

القاريء العزيز .. دعني أختم هذا الفصل بهذه الكلمات المشجعة ، أنه مهما كان ما فقدته من أكاليل ومكافآت أبدية في سباقات السنوات التي مضت فلتثق أن الوقت الباقي لك على الأرض هو وقت تعويضي عظيم لأعمـال عظيمـة ليس فقط لمكافآت تنالها هنا في هذا الزمـان على الأرض ( مر ١٠: ٢٩ ، ٣٠ ، ٢ كو ٩: ٦ ـ ٨ ، ١ بط ٣: ١٣ ـ ١٧ ، رؤ ٣: ١٠ ) بل للمكافآت الأبديـة الأعظـم .. كن كأصحـاب الساعة الحادية عشر، لقد عملـوا في هذه السـاعة الأخـيرة من اليوم فقط فكانت لهم ساعة تعويضية ، عوضتهم عن ساعات اليوم التي ظلوا فيها بطالين لا يعملون .. لقد عملوا في هذه الساعة الأخيرة فقط لكنهم أخذوا أجر عمل يوم كامل ( مت ٢٠ : ٩ ـ ١٢ ) .. يا للنعمة الغنية !! ..

رجاء لا تُضيّع فرصة الساعة الحادية عشر .. تذكّر أن أعظم أعمال شمشون كانت في اليوم الأخير من حياته وبسبب ما فعله في هذا اليوم صار له مكاناً بين أبطال الإيمان المسجلة أسماؤهم في الأصحاح الذهبي الحادي عشر من رسالة العبرانيين ( عب ١١ : ٢٣ ) ..

فمهما كان طول الوقت الذي مضي ومهما كانت الأكاليل والمكافآت التي خسرتها ، إله « كل نعمة » قد وهبك ساعة تعويضية .. نعم إن الوقت الباقي لك على الأرض هو وقت تعويضي مقدم لك من الله لأعمال عظيمة لها مكافآت وأكاليل عظيمة .. فلتنسَ ما وراء وتنخرط في السباق الآن ولتركز عينيك على الهدف .. على لقائك بالرب وهو يقدم لك المكافآت ويضع على رأسك الأكاليل ..

هيا اعتمد على النعمة ولن تفشل فلقد جعلك الله أميراً لتعمل الأعمال العظيمة ذات المكافآت والأكاليل الأبدية العظيمة .. لقد جعلك الله أميراً لتظل أميراً في الأبدية .. لتملك مع المسيح وتتمتع بعلاقة متميزة معه وتحظي بالأمجاد وتلبس الأكاليل ..

 

Start typing and press Enter to search