١٨ – اعترف بلا وسطاء – فى كلا العهدين

 الفصـل الأول
فى كلا العهدين

ماذا يحدث للمؤمن إذا ارتكب خطية ما ؟ هل لا يعامله الله بعد كأمير ؟ هل يفقد بنوته له ، هل يفارقه الروح القدس ؟.. والإجابة المؤكدة هى لا .. فبرغم أن الخطية ظلمة بينما « الله نور وليس فيه ظلمة البتة » ( ١ يو ١ : ٥ ) .. وبرغم أنها تُفقدنى بهجة الشركة مع الله كما تُحزِن روحه مما يحرمنى من السلام والفرح لكنها أبداً لا تُغَيِّر من كونى ابناً ( لو ١٥ : ١٨ ) ولا تجعل روحه يفارقنى ( أف ٤ : ٣٠ ) ..

لا ، لن أحتاج أن أُولد من الروح مرة أُخري ، الرب يقول « الذى قد اغتسل [ بالميلاد الثانى ] ليس له حاجة إلا إلي غسل رجليه بل هو طاهر كله » ( يو ١٣ : ١٠ ) ، فبرغم سقوطى فى الخطية لازلت أميراً يرانى الله « فى المسيح » طاهراً لا أحتاج إلا إلي غسل رجلىَّ .. إن قبوله لى لا يتغير بسبب آثامى لأننى لست مقبولاً فى ذاتى بل « فى المحبوب » المسيح ( أف ١ : ٦ ) .. تأمل كلمات الرسول بولس فى رسالته إلي مؤمنى كورنثوس ، لقد شاب حياتهم خطايا كثيرة ( ١ كو ٣ : ٣ ) مع هذا خاطبهم بصفتهم « المقدسين فى المسيح يسوع المدعوين قديسين » ( ١ كو ١ : ٢ ) .. وأنا أيضاً يرانى الله فى كل أحوالى قديساً فى المسيح .. طاهراً كلى ولا أحتاج عندما أرتكب الخطية إلا إلي غسل رجلىّ .. فعندما أتوب وأرفض من القلب الاستمرار فى الخطية وأعترف لإلهى بما فعلت يغسل الرب رجلىّ بعمل خاص من الروح القدس ، فأسترد بهجة الشركة معه ويعود إلىّ السلام والفرح وأتمتع بامتيازاتى كابن لله ..

أما إذا تماديت فى استسلامى للخطية ، فسيؤدبنى الله لأنه أبى الذى يحبنى وسيزيد من قسوة تأديبه تدريجياً ( ١ كو ١١ : ٣٠) حتي أرفض الخطية رفضاً حقيقياً من القلب وآتى إليه باتضاع معترفاً له بإثمى .. لكن اعترافى لن يكون اعتراف المتهم للقاضى الذى يحاكمه أو العبد للسيد الذى يُُرعبه بل اعتراف الابن لأبيه المتلهف لعودته ، لن أعترف وهناك مسافة تفصلنى عنه أو وسيط بينى وبينه .. سأعترف له مباشرة فلا مسافة ولا وساطة بين الابن وأبيه وبين الأمير وملكه ..

لا بديل عن اعتراف المؤمن المباشر لله بما فعل من خطايا وهو تائب عنها إن أراد أن يسترد الشركة معه كما لا بديل عن اعتراف الخاطىء بأنه ارتكب الخطايا إن أراد أن يولد من فوق ابناً لله .. كلاهما المؤمن ( ابن الله )والخاطىء ( الذى لم ينل الميلاد الثانى ) يحتاجان إلي أن يعترفا اعترافاً مباشراً لله كى تُغفر لهما خطاياهم ..

  • غفران الله لخطايا المؤمن ( من نال الميلاد الثانى ) يعنى أن الله كأب سيرد إليه بهجة الخلاص والسلام القلبى ودفء الشركة ..
  • أما غفران الله لخطايا الخاطىء ( من لم ينل الميلاد الثانى ) فيعنى أن الله باعتباره القاضى الأعظم سيرفع عنه العقوبة الأبدية لخطاياه .. سينجيه من الهلاك الأبدى ويهبه الحياة الأبدية ..

تعال ندرس معاً موضوع الاعتراف بالخطايا من أجل نوال الغفران لنري من كلمة الله أولاً أن اعترافنا بخطايانا لله هو أمر ضرورى حتي يغفرها لنا وثانياً أن اعترافنا هو اعتراف مباشر له وليس إلي شخص يمثله .. اعتراف بلاوسطاء .. اعتراف الأبناء ..

أولاً : ضرورة الاعتراف لله

لابد من الاعتراف بخطايانا لله حتي يغفرها لنا ، هذا الحق نراه واضحاً فى كل من أسفار العهدين القديم والجديد ..

  • فى سفر اللاويين نقرأ أنه كان علي المخطىء أن « يقـر بمـا قـد أخطـأ به . ويأتى إلي الـرب بذبيحة لإثمه عـن خطيته » ( لا ٥ : ٥ ، ٦ ) ..
  • ويسجل هذا السفر أيضاً وعد الرب القائل « إن أقـروا بذنوبهم وذنوب آبائهـم فى خيانتهـم التى خانونى بهـا وسـلوكهم معى الذى سلكـوا بالخـلاف .. أذكـر ميـثاقى مع يعقوب » ( لا ٢٦ : ٤٠ ، ٤٢ ) ..
  • ويقول سفر العدد « إذا عمل رجل أو امرأة شيئاً من جميع خطايا الإنسان .. فقد أذنبت تلك النفس فلتُقِرّ بخطيتها التى عملت .. » ( عد ٥ : ٦ ، ٧ ) ..
  • وفى مزمور ٢٣ يقول داود لله « أعترف لك بخطيتى ولا أكتم إثمى. قلت أعترف للرب بذنبى » ( مز ٣٢ : ٥ ) ..
  • أما سـفر الأمثـال فيحـوى كلمــات الوحـى الشـهيرة « من يـكـتم خطـاياه لا ينـجح ومـن يُقِرُّ بهـا ويتركهـا يـُرحم » ( أم ٢٨ : ١٣) ..

وفى العهد الجديد :

  • نري بطرس يعترف للرب يسوع بـأنه خـاطىء « خَرَّ [ بطرس ] عند ركبتى يسـوع قائلاً اُخرج من سفينتى يا رب لأنى رجـل خاطىء » ( لو ٥ : ٨ ) ..
  • وفى مَثَلْ الفريسى والعشار نقرأ « أما العشار .. قرع علي صدره قائلاً اللهم ارحمنى أنا الخاطىء » ( لو ١٨ : ١٣ ) ..
  • وتقول رسالة يوحنا الرسول الأُولي للمؤمنين « إن قلنا إنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا . إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتي يغفر لنا خطايانا ويُطهرنا من كل إثم » ( ١ يو ١ : ٨ ، ٩ ) ..

ونشير هنا إلي أحد جوانب الاعتراف الهامة التى تبرز من خلال الآية السابقة .. فكلمة « اعترفنا » هى الكلمة اليونانية « homologeo» التى تعنى شخص يقول عن أمر نفس ما يقوله شخص آخر(١) ، فلكى يكون اعترافك لله حقيقياً يجب أن تقول عن خطاياك نفس ما يقوله الله عنها فلا تقلل من بشاعتها .. تعترف بها وأنت تراها كما يراها الله ظلمة دامسة كلّفته أن يُسلّم ابنه المحبوب يسوع إلي آلام الصلب التى تفوق الوصف وإلي الموت الكفارى بسفك الدم الثمين .. تري خطاياك كما يراها الله فتدينها كما يدينها ..

ثانياً : الاعتراف لله بلا وسطاء

الآن نجد أنفسنا أمام هذا التساؤل الهام : إذا كان الاعتراف بالخـطايا لله من أجل نوال الغفران هو اعتراف مباشـر بلا وسطاء ، فما هو المقصود بما قاله الرب يسوع فى هذه الآيات :

  • « أنت بطـرس .. وأُعطيـك مفاتيح ملكوت السموات . فكل مـا تربطـه علي الأرض يكـون مربوطـاً فى السـموات . وكـل مـا تحله علـي الأرض يكـون محلولاً فى السموات » ( مت ١٦ : ١٨ ، ١٩ ) ..
  • « الحق أقول لكم كل ما تربطونه علي الأرض يكون مربوطاً فى السماء . وكل ما تحلونه علي الأرض يكون محلولاً فى السماء » ( مت ١٨ : ١٨ ) ..
  • « قال لهم [ يسوع ] اقبلوا الروح القدس . مَن غفرتم خطاياه تُغفر له . ومَن أمسـكتم خطـاياه أُمسـكت » ( يو ٠٢ : ٢٢ ، ٢٣ ) ..

سندرس هذه الآيات الثمينة فى الفصلين الثالث والرابع من هذا الباب ، أما صفحات هذا الفصل والفصل التالى فنخصصها للتأكيد علي أن كلمة الله لم تجعل اعتراف المؤمن لأحد القسوس شرطاً لنواله الغفران .. سنري هذا بكل جلاء فى كل من أسفار العهد القديم والجديد ..

أولاً : فى أسفار العهد القديم

إن دراسة هذه الأسفار تؤكد أن الاعتراف بالخطايا فى العهد القديم كان اعترافاً مباشراً لله ولم يكن يُقدم للكهنة .. فنحميا لم يذهب إلي رئيس الكهنة ليعترف بخطاياه .. تأمل كلماته :

« صلّيت أمام إله السماء وقلت .. فإنى أنا وبيت أبى قد أخطأنا . لقد أفسدنا أمامك » ( نح ١ : ٤ ـ ٧ ) ..

ودانيال النبى اعترف هو أيضاً بآثامه مباشرة لله :

« وصلّيت إلي الرب إلهى واعترفت وقلت .. أخطأنا وأثمنا .. وبينمـا أنا أتكلـم وأُصلى وأعتـرف بخطيتى .. إذا بالرجل جبرائيل .. » ( دا ٩ : ٤ ، ٥ ، ٢٠ ، ٢١ ) ..

وحزقيا الملك حينما مرض وعرف أنه سيموت لم يلجأ إلي وسيط بينه وبين الرب بل وجّه وجهه إلي الحائط ليتحدث مباشرة إلي الله ، والنتيجة أنه نال غفراناً لخطاياه .. لقد سبح الرب قائلاً « أنت تعلقت بنفسى من وهدة [ جب ]الهلاك [ الموت ] فإنك طرحت وراء ظهرك كل خطاياى » ( إش ٣٨ : ١٧ ) ..

لكن قد يعترض البعض قائلاً :

  • ألم يعترف داود بخطيته إلي ناثان النبى ( ٢ صم ١٢ : ١٣)؟..
  • وألم يطلب يشوع من عخان أن يعترف له ( يش ٧ : ١٩ )؟..

اعتراف داود

بعد أن سقط داود فى خطية الزنا مع بثشبع وتخلّص من زوجها أُوريا الحثى ظلّ قرابة العام يُسكِت ضميره محاولاً أن يتجاهل ما فعل هارباً من الله ومن الاعتراف له .. وماذا كانت النتيجة ؟.. يقول داود «لما سَكَتُّ [ عن الاعتراف لله بخطيتى ] بليت عظامى من زفيرى اليوم كله [ من ثقل الإحساس بالذنب والخوف من نتائج ما فعل ] .. تحولت رطوبتى إلي يبوسة القيظ » ( مز ٣٢ : ٣ ، ٤ ) .. لكن الله فى محبته لم يترك داود فى معاناته بل أرسل إليه ناثان النبى .. حكي ناثان لداود عن إنسان فقير كان يمتلك نعجة واحدة صغيرة ، فإذا برجل غنى يغتصبها منه ليُطعم بها ضيفه .. فكيف كانت إجابة داود ؟.. لقد حمى غضبه علي هذا الغنى وقال لناثان « حى هو الرب إنه يُقتل الرجل الفاعل ذلك ويرد النعجة أربعة أضعاف » ( ٢ صم ١٢ : ٥ ، ٦ ) .. هنا واجه ناثان داود بحقيقته قائلاً له « أنت هو الرجل » ، ثم أخبره بما يقوله الرب « هكذا قال الرب .. أنا مسحتك ملكاً .. وأنقذتك ..وأعطيتك .. لماذا احتقرت كلام الرب لتعمل الشر فى عينيه » ( ٢ صم ١٢ : ٧ ـ ٩ ) ..

لمست هذه الكلمات قلب داود فأدرك حقيقة أن الخطية احتقار لكلمة الله ، واستسلم لتوبيخ الروح القدس فأجاب علي ناثان قائلاً « قد أخطأت إلي الرب » ( ٢ صم ١٢ : ١٣ ) .. ثم تحوّل من الحديث مع ناثان إلي مخاطبة الرب حيث اعترف له بخطيته مباشرة قائلاً له :

« ارحمنى يا الله حسب رحمتك . حسب كثرة رأفتك اُمح معاصىَّ . اغسلنى كثيراً من إثمى ومن خطيتى طهّرنى.. إليك وحدك أخطأت … » ( مز ٥١ : ١ ـ ٤ ) ..

وقد تسأل هل من دليل علي أن هذه الكلمات صلي بها داود إلي الله بعد حديثه مع ناثان ، والإجابة هي نعم ، فالكلمات كما نري هى الآيات الأُولي من مزمور ٥١ الشهير الذى تقول مقدمته :

« مزمور لـداود عندما جاء إليه ناثان النبى بعد ما دخل إلي بثشبع » ..

كما تؤكد أيضاً صلاة داود فى مزموره البديع ٢٣ أنه لم يوجه اعترافه بخطيته إلي ناثان النبى بل إلي الله .. يقول داود :

« قلت أعترف للرب بذنبى وأنت رفعت أثام خطيتى »

( مز ٣٢ : ٥)

أضف إلي ذلك أن ناثان كان نبياً ، ووظيفة النبى هى أن يخبر الناس بما يود الله أن يقوله لهم ، وقد أدت كلمات الله التى أرسلها إلي داود من خلاله إلي توبة داود واعترافه المباشـر إلي الله ( مزمور ٥١ ) .. وسمع الله اعتراف داود وفَحَصَ قلبـه ورأي أن توبته صادقة وأن اعترافه يصاحبه ندم حقيقى وإدراك لبشاعة الخطية ، فاستخدم ناثان النبى مرة أُخري فى إبلاغ داود بأن خطيتـه قد غُفرت :

« الرب أيضاً قد نَقَلَ عنك خطيتك » ( ٢ صم ١٢ : ١٣ )

وهكذا يمكننا تلخيص قصة مقابلة داود مع ناثان بالتسلسل التالى :

١ـ داود يرتكب الخطية ويهرب مـن الاعـتراف للرب قرابة العام ( مز ٣٢ : ٣ ، ٤ ) ..

٢ ـ الرب يرسـل إليه ناثان النبـى برسالة موبخة فيسـتجيب داود ( ٢ صم ١٢ ) ..

٣ ـ يتحـول داود إلي الـرب ( مز ٣٢ : ٥ ) ويعترف له بما فعـل ( مز ٥١ : ١ ـ ٤ ) ..

٤ ـ يكلّف الرب ناثان النبى أن يخبر داود بالغفران ( ٢ صم ١٢ : ١٣) ..

من الواضح أن هذه القصة تخلو من وجود أى دليل علي وجوب الاعتراف لشخص وسيط من أجل نوال الغفران .. ودعنا نفترض جدلاً أنه كان يجب علي المؤمنين فى العهد القديم أن يعترفوا بخطاياهم أمام وسطاء من البشر لكى يغفرها لهم الرب ، فمن كان سيقوم بسماع اعترافات الشعب الكهنة أم الأنبياء ؟.. الكهنة بالطبع وليس الأنبياء أمثال ناثان وذلك لسببين :

أولاً : لأن الكهنة وليس الأنبياء هم الذين ارتبطت وظيفتهم بغفران خطايا المؤمنين فى العهد القديم .. فقد كانوا هم المكلّفين من الله بتقديم ذبائح الحيوانات كى تُغفر الخطايا ( سفر اللاويين ) ، وفى ذلك كانوا رمزاً للكاهن الحقيقىالرب يسوع ( عب ١٠ : ٢١ ) الذى قدّم نفسه ذبيحة لغفران خطايانا ..

وثانياً : لم يكن ممكناً من الناحية العملية أن يقوم الأنبياء بسماع اعترافات جميع الشعب الذى كان يبلغ عدده بضعة ملايين ، فعدد الأنبياء كان محدوداً جداً بل كان يحدث أن يمضى وقت طويل علي بعض المناطق دون أن يظهر نبى واحد فيها ..

ينبغى علينا الإشارة أيضاً إلي ملاحظة أُخري لها أهميتها وهى أن داود لم يذهب إلي كاهن لكى يقص عليه تفاصيل سقطته بل أن نبياً من الأنبياء هو الذى أتي إليه ليخبره برسالة من الرب تحثه علي التوبة وليس لكى يسمع منه اعترافاً بخطاياه ..

وهكذا ليس فى قصة داود أى دليل علي أن الاعتراف بالخطايا كان يُقدَّم للكهنة أو لأى فئة أُخري بهدف نوال الغفران .. إنما فى هذه القصة ما يدل علي أن الله يستخدم أشخاصاً كناثان لحثّنا علي التوبة والاعتراف بخطايانا حين نرتكب إثماً ونتجاهل ما فعلناه كداود ..

مرة ثانية

لم تكن هذه هى المرة الوحيدة التى ارتكب فيها داود خطية عظيمة عرّضته لتأديب قاسٍ من الرب .. فلقد نجح إبليس فى أن يُسقطه فى خطية الكبرياء عندما أغواه بأن يأمر بإحصاء عدد الشعب القادر علي القتال ( ١ أى ٢١: ١) ليري نفسه ملكاً عظيماً يمتلك جيشاً ضخماً ، وكان هذا الفعل غير مرضياً أمام الرب .. فى هذه المرة أيضاً تاب داود عن خطيته ، فهل قالت كلمة الله إنه ذهب إلي ناثان النبى ليعترف له بما فعل ؟.. كلا .. هل قالت إنه تقابل مع رئيس الكهنة كى يخبره بخطيته حتي تُغفر له ؟ .. أيضاً كلا .. الكلمة تقول :

« فقال داود للرب لقد أخطأت جداً فى ما فعلت والآن يارب أزل إثم عبدك لأنى انحمقت جداً » ( ٢ صم ٢٤ : ١٠ ) ..

وهكذا فليس فى حياة داود ما يدل مطلقاً علي أن المؤمن فى زمن العهد القديم كان يعترف بخطاياه أمام كاهن أو نبى كى يحظي بالغفران بل تؤكد أنه كان يعترف بما ارتكب مباشرة إلي الله ..

اعتراف عخان

« قال يشوع لعخان يا ابنى أعطِ الآن مجداً للرب إله إسرائيل واعترف له وأخبرنى الآن ماذا عملت . لا تُخفِ عنى »

( يش ٧ : ١٩ )

لا مجـال إطـلاقاً للاستناد علي هذه الآية كدليل علي وجوب الاعتراف بهدف نوال الغفران أمام شخص مُعَيَّن من الله ، فلم يطلب يشـوع من عاخان أن يعترف بهـدف أن تُغفَر خطيته ، كما لم يكن يشوع كاهناً بل قائداً وقاضياًللشعب ..

لقد تعرَّض الشعب بقيادة يشوع للهزيمة فى مواجهة بلدة صغيرة تُسمي عاى ، فذهب يشوع بانسحاق قلبى حقيقى وسقط علي وجهه حاملاً مرارة الهزيمة أمام الرب .. فسمع الرب وأظهر له سبب هذه الهزيمة .. لقد عصي أحد أفراد الشعب أوامر الرب وارتكب جريمة سرقة فى الخفاء دون أن يتوب .. ثم كشف الرب ليشوع أن هذا الشخص هو عخان .. عندئذ طلب يشوع من عخان أن يُظهِر سره ويعترف علانية أمام الجميع بما فعل ، أراد أن يمجد الله أمام الشعب مُظهراً لهم :

  • أنه الإله القدوس الذى يريد قداستهم ولا يمكن له أن يتغاضي عن أى شر يفعلونه بل يتدخل بقوة لينقيهم ..
  • وأنه الإله القدير الذى يعجز الشر أن يختبىء منه ، فقد أظهر عخان من وسط مئات الآلاف من الرجال ..

تأمل كلمات يشوع لعخان « أَعطِ الآن مجـداً للرب .. واعترف له وأخبرنى الآن ماذا عملت » ( يش ٧ : ١٩ ) ، فالهدف من دفع عخان إلي الاعتراف ليس غفران خطاياه بل إعطاء المجد للرب .. كما لم يكتفِ يشوع باعتراف عخان العلنى لكنه أمر أيضاً بإحضار كل ما سرقه ليراه الجميع ( يش ٧ : ٢٢ ، ٢٣ ) .. فلم يكن هدفه فائدة عخان بل أن يتمجد الله فى أعين الشعب بفضح الشر ..

بكل تأكيد لم يكن اعتراف عخان اعترافاً فى حجرة مغلقة مع كاهن لكى ينال الغفران بل اعترافاً علنياً أمام الشعب مُدعماً بدليل ملموس ( المسروقات ) بهدف تمجيد الله ..

هكذا لا نجد فى هذه القصة أيضاً أى دليل علي أن غفران الخطايا يتطلب الاعتراف بها لشخص اختاره الله لهذا الغرض ، بل إنها تعلمنا أننا إذ نأتى إلي الرب متضعين مثل يشوع حين ننهزم أو تقل البركة من حياتنا فإن الربسيُظهر لنا سبب الهزيمة لكى ينقينا منه ..

ثانياً : فى الأناجيل الأربعة

مثلما لا يوجد فى أسفار العهد القديم أى دليل علي أن نوال غفران الخطايا كان يستوجب الاعتراف بالخطايا لأشخاص أقامهم الله كالأنبياء أو الكهنة هكذا أيضاً الأمر فى أسفار العهد الجديد .. ولنبدأ أولاً بكلمات الرب يسوع المسجلة فى الأناجيل الأربعة ، فهى تخلو تماماً من أية دعوة موجهة للخطاة كى يذهبوا إلي كهنة الهيكل أو إلي رسله أو تلاميذه حتي يعترفوا لهم بخطاياهم كى تُغفر .. لا ، لن تجد مطلقاً مثل هذه الدعوة فى عظاته أو فى أمثاله أو أحاديثه الفردية مع الأشخاص .. فالرب لم يقل للخطاة « اذهبوا إلي رُسلى .. تلاميذى .. خدامى .. لتعترفوا لهم » بل قال « تعالوا إلىّ .. وأنا أُُريحكم » ( مت ١١ : ٢٨ ) .. إنه يدعوهم إلي لقاء مباشر معه بلا وسطاء ..تأمل أيضاً فإن اللص الذى كان مصلوباً بجوار الرب تحدَّث إليه مباشرة دون وسطاء طالباً منه الخلاص :

« اذكرنى يا رب متي جئت فى ملكوتك » ( لو ٢٣ : ٤٢ )

فى ذلك الحين كان يقف أمام الصليب اثنان مِن أكثر مَن أحبوا الرب وكانت لهما مكانة خاصة عنده ، مريم أُمه ويوحنا تلميذه الحبيب ، لكن اللص لم يلتفت إلي أى منهما طالباً منه الوساطة له لدي الرب بل تحدث إليه مباشرة« قال ليسوع اذكرنى يارب .. » ( لو ٢٣ : ٤٢ ) .. أبداً لا يحتاج الخاطىء أن يعترف بخطاياه إلي أى إنسان لكى ينال الخلاص وغفران الخطايا ، ولا يحتاج أن يلجأ إلي أى إنسان أياً كان ليكون له وسيطاً عند الرب حتي تُغفر خطاياه فهو كهذا اللص لا يحتاج سوي أن يأتى بإيمان مباشرةً إلي الرب ..

ولنتذكر ما قاله الرب يسوع فى مَثَلْ الابن الضال وهو يصف لنا توبة الابن وعودته لأبيه .. هل قال إن الابن كان محتاجاً إلي وسيط بينه وبين أبيه ؟ أو إنه حتي طلب مساعدة أخيه الأكبر لكى يحصل علي غفران أبيه ؟ .. كلا بل اعترف مباشرة إلي أبيه بلا وسطاء « فقال له الابن يا أبـى أخـطأت .. قدامك .. » ( لو ١٥ : ٢١ ) ، فلا وساطة بين الابن وأبيه ..

أيضاً فى مَثَلْ الفريسى والعشار تحدث الرب عن تبرير العشار من خطاياه لكنه لم يذكر أن العشار اعترف بها لكاهن من كهنة الهيكل فى أُُورشليم أو لأى إنسان ما .. لقد قال إن العشار اعترف مباشرة لله بأنه خاطىء:

« قرع [العشار] علي صدره قائلاً اللهم ارحمنى أنا الخاطىء. أقول لكم إن هذا نزل إلي بيته مبرراً دون ذاك [أى الفريسى]»

(لو ١٨ : ١٣ ، ١٤)

هللويا ، لقد نال العشار ( من أشر الخطاة ) الغفران فى الحال بمجرد اعترافه المباشر لله ..

عزيزى القارىء ، إن لم تكـن واثقاً أن كل خطاياك قد غُفرت ، فلماذا تتواني ؟ .. تعال الآن إلي الله مثلما أتي إليه العشار .. اعترف له هو وحده بآثامك .. ثِقْ أنه سيمحوها فى الحال علي حساب دم الجلجثة الثمين .. ستنال الغفران فى الحال وتتوهج أمامك كلمات الله القائلة :

« خطاياك لا أذكرها » ( إش ٤٣ : ٢٥ ) ..

قد يقول أحدهم ولكن ألم يطلب الرب يسوع من الأبرص بعد أن شفاه أن يذهب ليُرِ نفسه للكاهن « امض وأَرِ نفسك للكاهن وقدم عن تطهيرك كما أمر موسي شهادة لهم » ( لو ٥ : ١٤ ) ، كما طلب من العشرة رجال البُرَّص نفس الشىء « اذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة» ( لو ١٧ : ١٤ ) ؟.. لا يجب أن تفوتك ملاحظة أمرين .. أولاً أن الرب فى الحالتين لم يقل اذهبوا لتعترفوا للكهنة بخطاياكم لكى تُغفر .. ثانياً أنه طلب إليهم فى كلتا الحالتين أن يذهبوا ليروا أنفسهم للكهنة بعد أن نالوا التطهير وليس قبله ..

  • « فللوقت وهو [ يسوع ] يتكلم [ مع الأبرص ] ذهب عنه البرص وطهر » ( مر ١ : ٤٢ ) ..
  • « وفيما هم منطلقون [ العشرة البُرَّص للذهاب إلي الكهنة] طهروا [ أى قبل وصولهم للكهنة ] » ( لو ١٧ : ١٤ )..

من الواضح أن الرب لم يرسلهم للكهنة فى أُورشليم كى ينالوا غفراناً لخطاياهم أو تطهيراً من برصهـم .. كـلا ، تقـول كلمـة الله إنه أرسـلهم « شهادة لهم » أى ليقدموا بشفائهم شهادة قوية للكهنة أن معجزات الرب حقيقية ، أنه هو المسيا المنتظر ، المخلص .. ولما نال العشرة شفاءهم من البرص وهم فى طريقهم لرؤية الكهنة فى الهيكل ، قرر أحدهم ألا يواصل السير مع الباقين بل عاد إلي الرب كى يشكره علي الشفاء « خرَّ علي وجهه عند رجليـه شـاكراً له» ( لو ١٧ : ١٦ ) فلم يوبخه الرب علي عدم الذهاب إلي الكهنة بل قال له « قُم وامض . إيمانك خلصك » ( لو ١٧ : ١٩ ) ..

ويا لها من كلمات تؤكد بما لا يترك أى مجال للشك أن خلاص الخاطىء وغفران خطاياه هو بالإيمان واللقاء المباشر مع الرب يسوع..

قارئى العزيز ، ليس فى أسفار العهد القديم أو أقوال الرب يسوع المسجلة فى الأناجيل الأربعة أو بقية أسفار العهد الجديد ( ما سنراه فى الفصل التالى ) ما يدل علي أننى أحتاج أن أعترف بآثامى لشخص وسيط بينى وبين الله كى تُغفر لى .. إننى ابن لله وفى أمر المغفرة لا مجال للوساطة بين الابن وأبيه .. لا أنسي مكانتى العظيمة أننى « قديس فى المسيح » ( فى ٤ : ٢١ ) .. الله يرانى ويقبلنى تماماً كما يري الرسل العظماء بطرس ويوحنا وبولس لأنه يرانى ويقبلنى مثلما يراهم ويقبلهم « فى المحبوب » ( أف ١ : ٦ ) المسيح يسوع ..

يقول لنا الرســول يوحــنا « أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله » (١ يو ٣ :٢)، ويا له حقاً من امتياز لنا جميعاً لا فرق بين مؤمن وآخر .. نحن جميعاً أولاد الله .. أُمراء معه ..

 

Start typing and press Enter to search