٢٢ – اعترف بلا وسطاء – عبر التاريخ
الفصل الخامس
عبر التاريخ
نعم لا يعاملنا الله كعبيد بل كأُمراء .. إننا أبناؤه الأحباء لذا فلا وسطاء بيننا وبينه فى أمر مسامحته لنا ، نستطيع أن ندخل إلي أقداسه فى أى وقت نشـاء ( عب ٤ : ١٦ ) لنتحدث معه كبنين ونعترف له بما ارتكبنا من أخطاء وآثامفيَرُدُّنا إلي الشركة الحية الممتعة معه ..
قارئى العزيز ، أنت تنال الغفران باعترافك المباشر لله دون وسيط ولا تحتاج أن تجلس علي انفراد مع القس أو أي مؤمن آخر بهدف الاعتراف من أجل مغفرة خطاياك .. لكن قد يقودك الروح القدس إلي جلسة خاصة مع أحد المؤمنين المتقدمين روحياً والممتلئين من الروح لتعترف له لأهداف أُخري غير مغفرة الخطايا مثل كيفية التحرر من خطية معينة والشفاء من آثار أمر ما حدث فى الماضى وعلاج الأخطاء والنمو الروحي ..
فى هذا الفصل سنستعرض سوياً تاريخ الاعتراف السرى بالخطايا للقس الذى يُطلق عليه “« Auricular Confession » من الكلمة اللاتينية « auricula » التى تعنى الأُذن لأنه اعتراف لا تسمعه غير أُذنى القس لنجيب علي هذا السؤال الهام : كيف نشأ الاعتقاد بأن هذا الاعتراف شرط لنوال الغفران ؟ .. وسنركز علي ما كان يفعله المسيحيون فى القرون الأربعة التى تلت عصر الرسل ( العصر الأول).. فإن كنت من الذين يحبون قراءة التاريخ ويجدون لذة فى تَصَفُّح كتبه فهذا الفصل هو لك ..
ذهبى الفم
يُعتبر يوحنا الذى لُقِّبَ بذهبى الفم «Chrysostom » لأجل بلاغة أقواله واحداً من أشهر وأعظم معلمى الكنيسة فى القرن الرابع ( ٣٤٤ – ٤٠٧ ) وما حُفِظ إلي الآن مدوناً من عظاته وكتبه يُكوّن ستة مجلدات ضخمة تضم العديد من أقواله عن التوبة .. فكم دعا ذهبى الفم مراراً وتكراراً سامعيه وقارئيه إلي التوبة كى ينالوا الغفران ، فهل طلب أن يعترف كل منهم بآثامه إلي أحد القسوس فى جلسة علي انفراد ؟ .. يجيب العالم كواستنQuasten أستاذ التاريخ الكنسى بالجامعة الأمريكية الكاثوليكية فى العاصمة واشنطن بقوله :
- « لا توجد فقرة واحدة فى أقوال ذهبى الفم تقطع بأن الاعتراف للقس بالخطايا فى جلسة منفردة من أجل نوال الغفران كان موجوداً فى أيامه وفى كتبه الستة «De Sacerodotio » التى تحدّث فيها عن ستة عشر واجباً«obligations » للقس لم يذكر من بينها مطلقاً سماع الاعترافات » (٢٣) ..
- « لقد تحدث ذهبى الفم كثيراً عن الاعتراف بالخطايا لكنه كان يعنى إما الاعتراف العلنى بها أمام الآخرين أو سكب القلب فى محضر الله وحده ، وطالما شدّد علي النوع الثانى مرة تلو الأُخري مشيراً إلي ضرورته وفوائده، لكنه لم يُنَوّه مطلقاً بأن الاعتراف لله يتضمن اعترافاً أمام القس بصفته ممثِلاً لله بل علي العكس من ذلك كان ينفى مثل هذا التفسير بصورة مؤكدة فى مقاطع عديدة » (٢٤) ..
دعنى أقتبس لك بعضاً مما قاله ذهبى الفم :
« أُشجعك وأتوسل إليك مـرة تلـو الأُخـري .. اعـترف لله … لا أُرغمك أن تكشف خطاياك للبشر .. اكشف ضميرك لله وحده ، أظهِر له جروحك ، واسأله العلاج .. أظهِر نفسك لمن سيشفيك دون أن يعيّرك .. وحتي وإن بقيت صامتاً فهو يعرف كل شىء » (٢٥) ..
« الأمر المدهش ليس فقط أن الله يغفر خطايانا ، بل أنه يغفرها دون أن ىُُظهِرها للناس ، فهو لا يجبرنا أن نتقدم ونخبرهم بها بل يدعونا أن نتكلم معه وحده .. أن نعترف له .. فلو قُبِض علي لصوص وطُلِب منهم أن يقروا بجريمتهم مقابل إطلاق سراحهم فإنهم سيوافقون فوراً بكل حماس ولن يفكروا فى الخجل الذى سيعتريهم.. أما فى حالتنا فلا شىء من ذلك ، فالله إذ يغفر خطايانا لا يُرغمنا أن نعلنها للناس .. فهو لا يطلب سوي أمراً واحداً هو أن يُقدِّر الشخص الذى نال الغفران قيمة هذه العطية » (٢٦) ..
وفى عظته عن الأصحاح الثانى عشر من الرسالة إلي العبرانيين يقول :
« لا نكتفى بأن نقول إننا أخطأنا بل لنحدد أى نوع من الخطايا قد ارتكبنا .. لا أقول لك اعمل إعلاناً عنها أو دِنْ نفسك أمام الآخرين بل أدعوك أن تطيع كلمات النبى القائل “« سلّم للرب طريقك » ( مز ٣٧ : ٥ ) ..اعترف بهذه الخطايا لله إن لم يكن بلسانك فبقلبك وستنال الرحمة » (٢٧) ..
وفى عظته عن لعازر :
« لماذا تشعر بالخزى ولماذا تخجل من كشف خطاياك ؟ هل تكشفها لإنسان يمكنه معايرتك ؟ أم تعتـرف بها لعبدٍ مثـلك قد يخبر بها الآخرين ؟ كلا فأنت تكشف جُرحَك للسيد .. الطبيب .. إنه يقول لا أُجبرك أن تأتى وسط الساحة حيث يحيط بك شهود كثيرون بل أخبرنى أنا فقط بخطاياك سراً كى أشفى جُرحك وأُخلصك من آلامك » (٢٨) ..
وأنهى اقتباساتى من أقوال ذهبى الفم بهذا المقطع :
« ليس ضرورياً أن تعترف بخطاياك أمام شاهد ، افحص سقطاتك مع نفسك وليكن الحكم بدون شاهد . دع الله وحده يري اعترافك » (٢٩) ..
هذه الأقـوال تؤكد أن هذا المعلم العظيم ذهبى الفم نادي بما تقوله كلمة الله أن نوال الغفران هو بالاعتراف المباشر لله دون احتياج لشاهد من البشر ..
قصص الآباء
يدعونا تشنكوى Chiniquy وهو كاتب من القرن التاسع عشر فى أحد كتبه أن نصطحبه فى جولة سريعة فى سِيَرْ مُعلِّمى الكنيسة فى القرون الأُولي والذين يُطلق عليهم لقب آباء الكنيسة للإجابة علي هذا السؤال الهام : هل مارس أحد منهم الاعتراف السرى «Auricular Confession » أى الاعتراف بالخطايا للقس فى جلسة منفردة معه أم لا ؟.. قارئى العزيز إليك بعض مما أطلعنا عليه تشنكوى (٣٠) :
كبريانوس
كتب بونتياس Pontius the Deacon الذى كان رفيقاً للقديس كبريانوس من القرن الثالث سيرة حياة هذا القديس إلا أنه لم يذكر لنا أى شىء عن أن كبريانوس اعترف لأحد أو أنه استمع إلي اعترافات أحد ما فى جلسة خاصة ..
غريغوريوس وباسيليوس
دوّن لنا غريغوريوس أسقف نيصص الذى عاش فى القرن الرابع حياة القديس غريغوريوس صانع العجائب أسقف مدينة قيصرية الجديدة من القرن الثالث كما دوّن أيضاً حياة القديس باسيليوس الكبير من القرن الرابع .. وفى كتاباته لم يذكر عن أى منهما أنه اعـترف لأحد بخطاياه فى جلسة علي انفراد ..
أمبروسيوس
ويمكننا أن نقرأ قصة القديس أمبروسيوس من القرن الرابع كما كتبها بولينوس Paulinusشماس كنيسة ميلان والذى كان قريباً من أمبروسيوس وكذلك هذه القصة أيضاً تخلو من أية إشارة إلي أن أمبروسيوس اعترف بخطاياه لأحد علي انفراد ..
مـارتــن
أيضاً سيرة القديس مارتن أسقف تورز Tours من القرن الرابع والتى دوّنها سيلبيسيوس Severus Sulpicius الذى مات عام ٤٢٠ م هى شاهد علي أن الاعتراف السرى بهدف نوال الغفران الإلهى لم يكن ممارساً فى زمنه ..
جـيـــروم
من أهم ما بقى من كتابات هذه القرون الأُولي خمسة مجلدات دُوّنت فى القرن الخامس للدارس البليغ جيروم وهى تشمل عدداً كبيراً من رسائله التى وجهها إلي القساوسة والسيدات المسيحيات والعذاري الذين طلبوا منه المشورة فى حياتهم العملية .. هذه الرسائل تُظهِر سلوكيات المؤمنين فى عصره ، كما تتعمق كثيراً فى تفاصيل الحياة المسـيحية لكنها لا تحوى سطـراً واحـداً يؤكد عقيدة هذا الاعتراف السرى للقس « Auricular Confession » لنوال الغفران ..
أغسطينوس
سجل لنا بوسيديس Possidiusسيرة صديقه القديس أغسطينوس الشيقة من القرن الخامس ومن العبث أن نهدر الوقت بحثاً فيما رواه عن المكان أو الزمان الذى اعترف فيه هذا الأسقف الشهير بخطاياه لأحد فى جلسة منفردة أو حتي استمع فيه علي انفراد لخطايا أحد .. أضف إلي ذلك أن أغسطينوس نفسه كَتَبَ كتاباً من أروع الكتب بعنوان « الاعترافات » قدّم فيه قصة حياته وفى هذا الكتاب الفريد نتبعه خطوة بخطوة ، فنذهب معه إلي المدارس الشهيرة التى دمرت أخلاقياته ثم إلي الحديقة حينما غرق فى دموعه تحت شجرة التين وصرخ من قلبه يارب حتي متي أبقي فى إثمى .. لا تذكر آثامى السابقة .. فسمع صوتاً يقول له خُذ واقرأ ففتح الكتاب المقدس ليقرأ « لا بالبطر والسكر لا بالمضاجع والعهر لا بالخصام والحسد . بل البسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات » ( رو ١٣ : ١٣ ، ١٤ ) ..
يقول أغسطينوس « لم أكد أصل إلي نهاية هذه الكلمات إلا وكان نور الثقة قد غمر قلبى وبدَّدَ منه كل ظلمات الشك » .. وكانت تلك لحظة انتقاله من الظلمة إلي النور حيث يضيف قائلاً « ذهبت إلي أُمى وأخبرتها بما جري فقفزت من الفرح والهتاف وباركت الرب » (٣١).. وهكذا اخـتبر أغسطينوس السلام القلبى نتيجة نواله الغفران دون أن يجلس مع أحد ليعترف له بآثامه ..
هذا الكتاب « الاعترافات » يزيح الستار عن حياة أغسطينوس بكاملها ، يخبرنا أين ذهب ومع من أخطأ ثم مع من سبّح الله ، إنه يجعلنا نصلى ونرنم ونبارك الرب معه ، فهل من المعقول أن يكون أغسطينوس قد ذهب إلي شخص ليعترف له علي انفراد دون أن يخبرنا أين ومتي وإلي مَنْ اعترف ؟! .. هل يمكن أن يكون قد نال غفران خطاياه فى جلسة انفرادية دون أن يُشركنا فى ابتهاجه بهذا الغفران .. لكن لا طائل من البحث عن كلمة واحدة فى هذا الكتاب عن الاعتراف للقس فى جلسة خاصة ..
وهكذا جال معنا تشنكوى فى سِيَرْ آباء الكنيسة كما سجلها المعاصرون لهم ليقنعنا بأن الاعتراف السرّى بالخطايا للقس فى جلسة علي انفراد بهدف نوال الغفران لم يكن ممارساً حتي وقت أغسطينوس .. كما يحذرنا تشنكوى من فهم بعض أقوال الآباء فى هذه القرون الأُولي علي أنها تتحدث عن هذا الاعتراف السرّى مؤكداً أن القراءة الأمينة لهذه الأقوال ومعرفة تاريخ الكنيسة تدلان علي أنها لا تتحدث عن هذا الاعترف السرّى بل عما كان يجرى ضمنالاعتراف العلنى حين كان الشخص الذى ارتكب خطايا غير عادية ( كالارتداد والزني ) يأتى إلي الكنيسة مجتمعة لكى يعترف أمامها بما فعل ..
يقول تشنكوى إنه كان يُعَيَّن فى كل مدينة كبيرة قس للإشراف علي الاجتماعات التى كان يتعين علي الأعضاء الذين ارتكبوا خطايا علنية أن يعترفوا فيها علناً أمام الكنيسة ، وإن واجب هذا القس هو الإعلان أمام الجميع عن قبول هؤلاء التائبين مرة أُخري كأعضاء فى الكنيسة (٣٢) ..
إن عقيدة الاعتراف السرّى بالخطايا أمام أحد القسوس علي انفراد لنوال الغفران لم تكن معروفة فى القرون الأُولي ولم تصبح عقيدة مُلزمة حتي القرن الثالث عشر عندما فرض مجمع لاتـران الرابـع « Lateran ٤ » عام ١٢١٥برئاسة البابا إنوسنت الثالث « Innocent III» علي كل شخص أن يعترف بكل خطاياه إلي القس مرة كل عام علي الأقل .. فما الذى دفع هذا المجمع إلي تبنى عقيدة غريبة عن تعاليم الكتاب المقدس ، عقيدة تتناقض مع الإيمان بالعلاقة المباشرة بين المؤمن والله وتضع وسيطاً بينهما كما تتعارض تماماً مع الإيمان بأن الله أب للمؤمن والمؤمن ابن له لديه الامتياز أن يدخل إلي عرشه ويتحدث معه مباشرة بلا وسطاء ؟..
أشار الرب يسوع إلي نمو المسيحية الضخم الذي حدث عبر التاريخ مع أن البداية كانت نفراً قليلاً من المؤمنين فقال فى إنجيل متي :
« يشبه ملكوت السموات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها فى حقله . وهـي أصغر جميع البزور . ولكن متي نمت فهى أكبر البقول . وتصير شجرة حتي إن طيور “[Petinon] السماء تأتى وتتآوي فى أغصانها » ( مت١٣ : ٣١ ، ٣٢ ) ..
تُري ماذا يقصد الرب بطيور السماء فى الآية السابقة ؟.. ينبهنا بعض المفسرين (٣٣) إلي أن الرب استخدم نفس الكلمة « طيور petinon» فى العدد الرابع من ذات الأصحاح عندما تحدث بمَثَلْ الزارع.. ثم قدّم بنفسه شرحاً لما ترمز إليه فى العدد التاسع عشر عندما فَسَّرَ المثل مبيناً أنها تشير إلي نشاط إبليس فى مقاومة كلمة الله ( من خلال استخدام الأرواح الشريرة )..
إن طيور السماء فى عدد ٣٢ هى الطيور فى عدد ٤ ، وهى الأرواح الشريرة التى يستخدمها إبليس لمقاومة الكلمة كما نفهم من العدد ١٨.. وبالطبع يصعب الاعتقاد بأن الرب استخدم هذه الكلمة « طيور petinon » فى إشارة إلي رمزين مختلفين فى نفس الأصحاح..
حينما نما ملكوت السموات ( الكنيسة ) وصار شجرة ضخمة ، تزايد عدد المسيحيين جداً لكن لم يكن لجميعهم علاقة شخصية حقيقية مع الرب، فقد ضمت الكنيسة الكثير من المؤمنين المزيفين فوجدت طيور السماء ضالتها فى هؤلاء فأتت إليهم وتآوت فى أغصـانهم واستـخدمتهم لمقاومة الحق .. وقد كانت بداية ذلك مع إعلان الإمبراطور قسطنطين تحوله إلي المسيحية !! ..
قسطنطين
يُمثّل تحول قسطنطين من الوثنية إلي المسيحية منعطفاً بارزاً فى مجري أحداث التاريخ لما كان له من تأثير بالغ علي تغيّر الأحداث.. فقبل هذا الحدث الهام للغاية وَقَعَ اضطهاد عنيف علي المسيحيين لمدة ثلاثة قرون متعاقبة إلي أن أصدر قسطنطين بعد اعتناقه المسيحية إعلان ميلان الشهير Edict of Milan فى عام ٣١٣ م هو وليسينيوس Licinius الذى كان يقاسمه الحكم حينئذ ، وهو إعلان يقضى بوقف الاضطهاد واسترداد الكنائس لكل ممتلكاتها التى اغتُصِبت فى عهد دقلديانوس (٣٤) ..
وعلي الرغم من شراسة الاضطهاد الذى وقـع علي الكنيسة فى هذه القرون إلي أقصي حد إلا أنه كان اضطهاداً مثمراً إلي أقصـي حد أيضـاً ، فقـد كان عدد المؤمنين الحقيقيين يتزايـد مـع تعذيب كـل مسيحى حتي أن ترتليان (١٦٠ – ٢١٥ م ) عبّر عن ذلك ببلاغة قائلاً « دماء الشهداء هى بذار الكنيسة » ..
لم يكتف هذا الإمبراطور قسطنطين الذى حَكَمَ العالم بمفرده بعد أن تخلّص من ليسنيوس بوقف الاضطهاد بل قدّم أموالاً كثيرة لتدوين نسخاً جديدة من الكتاب المقدس ، كما أنفق بسخاء غير عادى علي بناء الكنائس الضخمة ولا سيما فى روما والأراضى المقدسة وأيضاً فى العاصمة الجديدة « القسطنطينية » (٣٥) ، كما تعاقب علي الحُكم من بعده أيضاً الكثير من الأباطرة وولاة المقاطعات الذين يعتنقون المسيحية .. وماذا كانت النتيجة ؟ نمواً عظيماً فى ملكوت السموات ( الكنيسة ) .. شجرة الخردل صارت ضخمة للغاية ..
لكن من المؤسف أيضاً أن نجد فى الوقت ذاته أن الكثير من المسيحيين كانت مسيحيتهم شكليّة غير حقيقية ، من ناحية لغياب الاضطهاد الذى كان يحفظ الكنيسة من أن ينضم إليها أشخاص بلا إيمان حقيقى ، فكما نعلم لا يقدر الإيمان الشكلى أن يثبت فى الضيقات بل سريعاً ما ينهار .. ومن ناحية أُخري للضعف الشديد الذى أصاب بعض رعاة الكنائس بسبب اختلاطهم بأهل السلطة وسعيهم نحو المال والجاه واستسلامهم لأن يكونوا أداة فى يد الحكام تساعدهم علي تنفيذ أغراضهم السياسية .. ومن ناحية ثالثة لظهور مسيحيين يدينون بالمسيحية لمجرد أنهم وُلدوا فى عائلات مسيحية وقد كانوا يمارسون طقوس العبادة فى الكنائس أحياناً لكن بدون علاقة حقيقية مع الرب ..لهذا لا عجب أن نري أغسطينوس ( ٣٥٤ ـ ٤٣٠ م ) يرثى لحال الكنيسة لأنها تملأ نفسها يومياً بهؤلاء الذين يطلبون يسوع ليس لأجل يسوع بل لمنافع أرضية (٦٣) ..
والسؤال هل كان قسطنطين نفسه مؤمناً حقيقياً أم استخدم إدعاءه بأنه مسيحى لأغراض سياسية أم أنه كان مؤمناً جسدياً ضعيفاً ولاؤه الأول للسياسة وليس للرب ؟..
يمكن الاكتفاء بالقول أنه فى تحوّله إلي المسيحية لم يتخلص تخلصاً كاملاً من المعتقدات الوثنية فقد ظل يعتقد أن الشمس التى لا تُقهر ( الإله الذى عَبَدَهُ أبوه ) وإله المسيحية ( الإله الذى قال عنه إنه أعطاه الانتصار فى فتحه روما عام ٣١٢ ) هما وجهان لنفس الإله الواحد العظيم .. وكان قسطنطين فى المناسبات يستشير الإله « أبولو Apollo » فى معبده عن طريق العرافة ويقبل أن يُلَقَّب بالكاهن الأعظم كما كانت عادة الأباطرة من قبله بل ويشارك فى كل أنواع الطقوس الوثنية دون أن يري أنه بهذا يُسىء إلي إله المسيحية الذى كان يؤمن أنه أعطاه القوة والانتصارات (٣٧) .. وظلت العملات لوقت طويل تحمل الرمز الذى يُمثّل الشمس (٣٨) محفوراً عليها ، كما يمكنك أن تري علي إحدي العملات المُكتشفة والتى تعود إلي عام ٣٢٠ أى بعد ما يقرب من عشرين عاماً علي تحوّل قسطنطين إلى المسيحية أسماء ورموز الآلهة الوثنية جنباً إلي جنب مع مختصر اسم المسيح باللغة اليونانية (٣٩) ، وهو المختصر الذى أَمَرَ قسطنطين جنوده برسـمه علي الرايـات وأتراس الحرب أثناء غزوه روما .. وإلي الآن لا يزال قائماً فى مدينة روما قوس النصر الذى يحمل اسم قسطنطين Arch of Constantine الذى شُيِّد عام ٣١٦ م بمناسبة دخوله مدينة روما ظافراً بعد انتصاره فى معركة كوبرى ميلفيان Milvian Bridge الشهيرة ، والقوس عليه نقوش تُخلِّد هذا الانتصار وأُخري يظهر فيها إله الشمس راكباً مركبة ذات أربعة أحصنة إلي جانب نقوش لصور فيها تقديم ذبائح لبعض الآلهة الوثنية ..
ثم عندما قرر قسطنطين توسيع مدينة بيزنطة لتصبح روما الجديدة أو مدينة القسطنطينية نسبة إليه قام بتحديد مكان الأسوار الجديدة خلال احتفالات كبيرة اشترك فيها الكهنة الوثنيون والمسيحيون جنباً إلي جنب .. كما شيّد قسطنطين فى هذه المدينة التى أُعيد إنشاؤها كنيستين كبيرتين أنفق عليهما الكثير جداً من الأموال لكنه فى نفس الوقت نَصَبَ فى ميادين المدينة تماثيل للإلهة الوثنية أحضرها من روما كما أقام فى الميدان الرئيسى تمثالاً ضخماًلإله الشمس (٤٠) .. وإلي نهاية حياته ظل قسطنطين يتعامل مع الوثنيين باعتباره كاهنهم الأعظم ، وبعد موته لم يعارض أبناؤه الثلاثة قرار مجلس روما الوثنى « Senate » بإعلان قسطنطين إلهاً(٤١).. ورغم كل ذلك لا تترك خطابات هذا الإمبراطور ابتداءً من عام ٣١٣ مجالاً للشك أنه اعتبر نفسه مسيحياً وَضَعَ علي عاتقه مسئولية الحفاظ علي وحدة الكنيسة ..
ولم يصاحب تحوُّل قسطنطين إلي المسيحية التخلى عن مظاهر التباهى والبذخ الكثير ، يشهد علي هذا بقايا تمثال له يُمثّله كاملاً كان قائماً فى بازليك Basillica روما ، هل تعلم أن جزء الرأس الذى بقى إلي الآن يبلغ طول ارتفاعه وحده ٥،٢ متر ويزن ٩ طن ؟.. كما لم يتخل قسطنطين عن مظاهر العظمة فى المناسبات الكنسية ، كان المؤرخ يوسابيوس من بين الحاضرين فى مجمع نيقية فوصف لنا منظر قسطنطين وهو يدخل القاعة التى كان يحتشد فيها أساقفة كل العالم « مرتدياً ثياباً تتلألأ كما بأشعة من نور تعكس بهاء ردائه القرمزى ويتزين بروعة الذهب والأحجار الكريمة » (٤٢)..
وكما لم يتخلّص قسطنطين تماماً من الوثنية ومحبة المظاهر فإنه لم يتحرر أيضاً من قساوته .. يكفى أن نعرف أنه فى نفس العام الذى أمر فيه بانعقاد مجمع نيقية الشهير قام بقتل ليسنيوس Licinius زوج أُخته الذى كان ينافسه علي الحكم من قبل خارقاً وعده السابق بالعفو عنه .. ولم يكتف بقتل ليسنيوس بل تخلّص أيضاً من ابنه الذى لم يكن قد تجاوز الإحدي عشر عاماً دون أن تمنعه قرابته له كونه ابن أُخته .. إلا أن الأشد فظاعة هو أنه فى عام٣٢٦ قَتَلَ ابنه Crispus بسبب وشاية من زوجته فاوستا Faustaأم أولاده الثلاثة الآخرين التى تزوجها عام ٣٠٧ م ، وتحوم شكوك كثيرة أنه هو الذى تسبب فى قتلها بسبب اكتشافه أنها كذبت عليه فى موضوع ابنه (٤٣) !!
نحن لا نذكر هذا لكى ندين هذا الإمبراطور ، فقد امتدحه كثيراً يوسابيوس أسقف قيصرية والمؤرخ الكنسى الشهير لأنه أوقف قتل وتعذيب المسيحيين وشيّد الكنائس الضخمة وساهم بفاعلية فى القضاء علي الهرطقات ولاشك أنها أُمور عظيمة .. لكننا نتساءل ماذا كان تأثير هذا الإمبراطور علي الكنيسة وهو الذى لم يتخلص من وثنيته الأُولي وبذخه وقساوته ؟.. ماذا كان تأثيره وقد أقحم نفسه فى شئونها مدافعاً عن مصالحها حيث أنه اعتبر نفسه مساوياً للأساقفة أو أعلي منهم (٤٤) وتصرّف طيلة أيامه علي هذا الأساس ؟.. لقد قال قسطنطين فى إحدي المناسبات أمام الأساقفة إن الله عيّّنه أسقفاً لإدارة شئون الكنيسة الخارجية لكونه إمبراطوراً مسيحياً(٤٥).. وقد كان قسطنطين يتصرف كصاحب السلطة العليا للكنائس، هو الذى يدعو الأساقفة إلي المجامع ، وهو الذى يعطى القوة لتنفيذ قراراتها وكان يعاقب بالنفى من يتمسك برأى مخالف وكان أيضاً يقدم عظات للشعب (٤٦).. وفى ذات الوقت كان يُحَمِّل الإمبراطورية تكاليف عقد هذه المجامع .. وستتعجب معى قارئى حين تعرف أنه ظل يفعل كل ذلك لسنوات عديدة قبل أن ينال المعمودية بالماء كمسيحى.. فقد اعتمد قسطنطين قبل موته بوقت وجيز علي يد أسقف نيقوميديةالآريوسى الذى أنكر لاهوت المسيح والذى استغل صداقته الحميمة مع الإمبراطور قسطنطين ليجعل الإمبراطور عدواً للقديس أثناسيوس المدافع العظيم عن عقيدة لاهوت المسيح فيضطهده وينفيه إلي تريڤ علي حدود ألمانيا ولم يتأثر قسطنطين باستعطاف أبّا أنطونيوس كما لم يقبل توسلات شعب الإسكندرية بل قال عن أثناسيوس « إنه متمرد متعجرف ومثير للشغب والعصيان»(٤٧) .. وما يثير الدهشة فعلاً أنه رغم كل هذا فإن بعض الكنائس إلي الآن تُقيم تذكاراً سنوياً ليوم موت قسطنطين باعتباره واحداً من المؤمنين العظماء عبر التاريخ(٤٨) !! ..
ماذا نتوقـع من تأثير لهذا الإمبراطور علي الكنيسـة ؟ .. وماذا كان تأثير ابنه قسطنطيوس الذى كان مُغرماً بأن يُدعي « أسقف الأساقفة» (٤٩ ) وتأثير الأباطرة الذين أعلنوا مثلهما مسيحيتهم؟.. وماذا كان صدي ما يجرى فى قصورهم علي العبادة فى الكنيسة؟..
لقد بدأ استخدام البخور الذى كان يُقدَّم لتوقير الإمبراطور فى طقوس العبادة الكنسية (٥٠) ، وتغيَّر مظهر قادة الكنائس الذين كانوا إلي وقت قسطنطين يرتدون الثياب العادية حيث بدأوا يستخدمون ثياباً فخمة .. لقد أعطي قسطنطين لأسقف أُورشليم مجموعة من الملابس تُضاهى فى بهائها أفضل ما يرتديه رؤساء الكهنة الوثنيين وكانت هذه هى المرة الأُولي التى استُخدمت فيهـا الملابس الدينيـة Vestimentsفى الكنيسـة المسيـحية (٥١).. وصار يوم ٢٥ديسمبر الذى كان موعد ميلاد إله الشمس الذى عَبَدَه قسطنطين يوماً يُحتفل فيه بميلاد الرب بالجسد (٥٢) ..
ويقول عالم التاريخ الكنسى كواستن Quasten إن الأفخارستيا ( اسم يُطلق علي عبادة الكنيسة فى احتفالها بعشاء الرب ) التى كانت فى البـداية ( وقت الاضطهاد ) هى عشاء الرب البسيط الممارس فى بيوت المسيحيين اتخذت أكثر فأكثر مشـهد احـتفالات البـلاط الملكى فى اسـتقباله للملك ( الإمبراطور ) (٥٣) ..
كما تأثر الناس بتقدير قسطنطين للشمس وارتبطت عبادتهم بها مما دعا البابا ليو فى منتصف القرن الخامس أن يوبّخ الشعب فى عظة له لأنهم فى أثناء صعودهم درجات كنيسة القديس بطرس بروما باكراً كانوا يستديرون إلي الوراء ناحية الشمس فى الشرق وينحنون لها قبل أن يكملوا الصعود ليدخلوا الكنيسة للعبادة وأنظارهم متجهة إلي الغرب لأن شكل بناء هذه الكنيسة كان يحتم أن يكون اتجاه العبادة نحو الغرب وقال لهم البابا ليو إن سبب ما يفعلونه يعود إلي جهلهم وإلي روح الوثنية (٥٤) ..
فهل حَمَلَ قسطنطين إلي المسيحيين هذه الروح الوثنية بسبب عبادته المتوارثة للشمس التى لا تُقهر ؟ .. وماذا عن تأثير حكام كثيرين أتوا بعده ولم يكونوا مسيحيين حقيقيين ؟.. هل استخدمتهم الطيور « الأرواح الشريرة » فى تضليل الناس وإبعادهـم عن الحق المعلن فى كلمـة الله وتخليهـم عـن بساطة العبادة ؟..
بسبب هذا التداخل بين الدولة والكنيسة والذى بدأ بقسطنطين ظهر قادة فى الكنائس غير ممتلئين بالروح القدس تعرضوا لإغراءات التقرب إلي الحكام وحاشيتهم وتملقهم طمعاً فى المزيد من المال أو رغبة فى المجد العالمى والشهرة أو لاستخدام سلطتهم فى أذي الأعداء وتكريم الأحباء .. وآسفاه لقد سقط كثيرون فى شباك هذه الإغراءات التى جذبتهم بها الطيور الجارحة أرواح مملكة الظلمة .. علي سبيل المثال بلغ تملق الأساقفة لقسطنطين أن وقف أحدهم فى مناسبة الاحتفال بمرور ثلاثين عاماً علي حكم قسطنطين وقال إن الله أعطي الإمبراطور سلطة مطلقة علي جميع مَنْ هم فى هذا العالم وإنه سوف يشارك ابن الله فى حكمه فى الدهر الآتى (٥٥) .. وبدوره بالغ قسطنطين فى هباته للأساقفة حتي أنه وَهَبَ قصر زوجته الثانية لأساقفة روما ليكون مقراً لهم ..
وهكذا مع الوقت كثرت أعداد قادة الكنائس غير الممتلئين بالروح القدس وبالتالى أعداد المسيحيين المزيفين الذين ليس لهم علاقة حية مع الرب .. وماذا كانت النتيجة ؟.. لقد وجدت الأرواح الشريرة ، طيور السماء الجارحة ، فرصتها أن تأتى وتتآوي فى أغصان كل هؤلاء لتمارس من خلالهم نشاطها المؤذى فى إفساد إيمان الكثيرين بنشر التعاليم المزيفة التى تخدم أهواءهم ومن بين هذه التعاليم وجوب اعتراف الإنسان بكل آثامه للقس فى جلسة علي انفراد كى تُغفر خطاياه ، وأن الخطايا لا تُغفَر بدون هذا الاعتراف السرّى بالخطايا للقس .. هذا التعليم الخطير الذى لَقِى دون أدني شك ترحيباً لدي بعض قادة الكنائس غير الممتلئين بالروح القدس لما يعطيه لهم من إمكانية التحكمفى أصحاب المناصب العليا وذوى النفوذ وذلك بمعرفة أسرارهم والتدخل فى قراراتهم من خلال جلسات الاعتراف السرّى ، وأيضاً من أجل إشباع فضولهم فى معرفة الأسـرار العائلية وخفـايا العـلاقات العاطفية بين الناس ..
إلا أن خطورة هذا التعليم العظمي تكمن فى أنه حقق هدف إبليس الرئيسى ألا وهو حرمان الإنسان من العلاقة المباشرة مع الله والتى مات المسيح لتحقيقها ، هذه العلاقة التى أُعلنت لنا بكل قوة فى انشقاق حجاب الهيكل فى لحظة موت الرب .. نعم هو تعليم بالغ الأذي إذ حجب عن الناس هذه الحقيقـة الغالية أن المؤمن هو ابن للّه بسبب إيمانه القلبى بموت الرب من أجله ، وأنه كابن لا يحتاج إلي وسيط بينه وبين أبيه أو شاهد علي اعترافه لأبيه كى ينال صفح أبيه المحب ..
لقد رأينا فى الفصل السابق من خلال دراسة سفر أعمال الرسل ورسائل العهد الجديد أن الاعتراف السرّي لم يكـن معروفاً علي الإطـلاق وقت الرسل ، فماذا جري بعد رحيلهم من أرضنا ؟.. كيف نجحت الأرواح الشريرة فى تأصيل هذا التعليم حتي يثبت كعقيدة فى القرن الثالث عشر ..
الآباء الرسوليون
يُطلَق هذا اللقب علي معلمى العصر الذى تلا عصر الرسل لأنهم أتوا مباشرة بعدهم وكانوا تلاميذاً لهم .. ولنبدأ بأكليمندس الرومانى الذى رافق الرسول بولس وكان تلميذاً له ( فى ٤ : ٣ ) وعاش من عام ٣٠ إلي ١٠٠ م.. لم يذكر أكليمندس فى كتاباته شيئاً عن الاعتراف السرّى بالخطايا إلي القس فى جلسة منفردة .. وكتب عام ٩٥ م إلي مؤمنى كنيسة كورنثوس الذين سقطوا فى خطايا الخصام مؤكداً لهم أن العلاج هو فى الاعتراف المباشر لله :
« دعنا بكل سرعة نضع نهاية لهذه الأُمور .. أن نركع أمام الرب ونتوسل إليه بالدموع كى يتصالح معنا برحمته ويردنا إلي ممارسة المحبة الأخوية النقية .. أيها الإخوة ، الرب لا يحتاج إلي شىء ولا يطلب منا سوي أننعترف له » (٥٦) ..
وأشار بوليكربوس ( ٧٠ ـ ١٥٦ م ) أسقف سميرنا الذى كان تلميذاً للرسول يوحنا فى إحدي رسائله إلي غفران الله للخطايا دون أن يذكر شيئاً عن الاعتراف السرّى ..
« إذا سألنا الله أن يغفر لنا فلنغفر نحن أيضاً للآخرين»(٥٧)..
وأشار هرماس فى كتابه الراعى نحو عام ١٦٠ م بكل وضوح إلي الاعتراف المباشر بالخطايا إلي الله :
« ركعـت علـي ركبتىّ وبدأت أُصلى إلي الرب وأعترف له بإثمى » ..
« ركعت واعترفت له مرة أُخري مثلما فعلت من قبل»(٥٨)..
كما تخلو بقية كتابات هذا العصر ( القرن الثانى ) الباقية إلي الآن مثل كتابات أغناطيوس ( ٣٠ – ١٠٧ م ) أسقف أنطاكية وبابياس Papias ( ٠٦ ـ ١٣٠ م ) أسقف هيرابوليس بمنطقة فريجية والرسالة إلي ديوجنيتسDiognetus ( نحو عام ١٣٠ ) من أى ذكر للاعتراف بالخطايا إلي القس فى جلسة علي انفراد معه ..
الاعتراف العلنى Public Penance
وعلي الرغم من خلوكتابات الآباء الرسوليين ( القرن الثانى ) من الإشارة إلي هذا الاعتراف الفردى السرى فهى تَرِدْ فيها إشارات إلي الاعتراف العلنى.. أى قيام من أخطأ بخطايا مُشينة حدثت علانية أمام الناس بالاعتراف العلنى بخطاياه أمام كل أعضاء كنيسته مجتمعين .. وقد ظهر هذا النوع من الاعتراف إثر وقوع اضطهاد علي الكنيسة وحدوث حالات الارتداد عن الإيمان وإنكار المسيح علناً والذبح للأصنام ، فكان أن اشترطت الكنيسة علي من يريد الرجوع إلي شركة المؤمنين فى الكنيسة أن يأتى أمام كل أعضائها مجتمعين ويعترف لهم بما فعل معلناً بوضوح توبته وندمه .. ولم يقتصر هذا الاعتراف العلنى علي خطية الارتداد بل شمل أيضاً خطايا الزني والقتل حينما كانت تُذاع أخبارها ويتناقلها الجميع .. ونجد الإشارات إلي الاعتراف العلنى فى كتابات أيرنيؤس Irenaeus أسقف مدينة ليونس Lyons ( الربع الأخير من القرن الثانى ) وترتليان Tertullian مواطن مدينة كرثاج الشهير ( ١٤٥ ـ ٢٢٠ م)وكبريان Cyprian أسقف هذه المدينة ( ٢٠٠ ـ ٢٥٨ م ) (٥٩) ..
المصالحة وليس الغفران
ما هو هدف هذا الاعتراف العلنى؟.. فى البداية كان الهدف هو تصالح مَنْ ارتكب خطايا علنية جسيمة كالارتداد عن المسيحية والزنا مع الكنيسة التى أساء إليها بما فعل حتي يعود إلي مشاركة أعضائها فى عبادتهم وخدمتهم للرب ، ولم يكن الهدف من اعترافه أن يحظي بالغفران الإلهى ، فهذا يناله باعترافه المباشر بما فعل إلي الله ..
وبقراءة ما دوّنه معلمو الكنيسة فى القرن الثانى أمثال هرماس وترتليان وأكليمندس الأسكندرى نراهم قد ابتعدوا عما قالته كلمة الله بخصوص قبول التائبين فى شركة المؤمنين بالكنيسة إذ قالوا بأنه لا يجوز قبولهم إلا مرة واحدة فقطThe law of paenitentia una !! فإذا سقطوا فى الخطية مرة أُخري ثم تابوا عنها ورغبوا فى العودة لا يجب علي الكنيسة أن تقبلهم (٦٠) .. وظل هذا التصرف المناقض تماماً لما تقوله كلمة الله مستمراً لزمن طويل فقد تحدث عنهأمبروسيوس فى نهاية القرن الرابع (٦١) .. كذلك يخبرنا المؤرخ سقراطس عن مجمع للأساقفة انعقد فى أواخر هذا القرن وأقر أن فرصة التوبة عن الخطايا الجسيمة لا تُقدّم للإنسان إلا مرة واحدة.. لقد استمر العمل بهذه القاعدة فى أكثر الكنائس خلال القرنين الخامس والسادس ولاسيما فى الغرب ، ومع أُفول القرن السادس أدان مجمع توليدو Toledo الثالث عام ٥٨٩ م تراجع بعض كنائس أسبانيا وقبولها التائب أكثر من مرة (٦٢) .. وهنا يجب أن نشيد بالموقف الرائع والشجاع لذهبى الفم إذ خرج عن الاتجاه السائد ونادي بما تقوله كلمة الله عن أن باب العودة إلي الشركة مع المؤمنين مفتوح دائماً للإنسان حتي لو أخطأ ألف مرة ما دام يتوب .. والعجيب أن موقفه هذا قوبل بالمعارضة الشديدة من أصدقائه والشكاية من أعدائه (٦٣) ..
ولأن الاعتراف العلنى كان هدفه حتي ذلك الحين التصالح مع الكنيسة وليس الغفران ، لهذا لم يعتبر أُوريجينوس « أن المصالحة مع الكنيسة تُسبب الغفران من لدن الله وإنما العكس أى أن مغفرة الله تسبب المصالحة مع الكنيسة» (٦٤) لذا فعلي الرغم من أن الخاطىء الساقط فى خطية علنية جسيمة لم يكن يمكنه أن يتصالح مع الكنيسة سوي مرة واحدة إلا أننا نقرأ فى رسالة لچيروم فى القرن الخامس إيمانه بأن الرب سيسامح الخاطىء سبعين مرة سبع مرات [ أى بلا حدود ] إذا تاب فى كل مرة (٦٥) .. وإذا أمعنّا فى قراءة كتابات أغسطينوس فلن يخالجنا أي شك في أن هذا المعلم الشهير كان يؤمن بأنه من الممكن أن يكون الإنسان بلا سلام مع الكنيسة لكن فى سلام مع اللهفى ذات الوقت (٦٦) ..
المبالغة فى القسوة
ومن الانحرافات الخطيرة التى ابتعدت فيها الكنائس كثيراً عن كلمة الله ما وضعته من قوانين فى غاية القسوة لتأديب التائبين، فلم تكن تصالحهم بمجرد أن تتحقق من صدق توبتهم بل كانت تنتظر علي قبولهم فترات زمنية طويلة قد تطول من خمس أو عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة إلي عمر الإنسان كله حسب نوع الخطية المرتكبة .. والأكثر غرابة أن الكنائس ولاسيما فى الغرب بدءاً من القرن الرابع كانت تعامل هؤلاء التائبين بعد مصالحتهم باعتبارهم مؤمنين أقل وتمنعهم من تقلُّد المناصب العامة بل كانت أيضاً تحرم الشخص من العلاقة الزوجية (٦٧) ..
ومن الغريب حقاً ما قررته بعض المجامع الكنسية من أنه لا يجوز قبول الذين سقطوا فى خطايا معينة فى أى وقت حتي فى ساعة الموت ، وقد حدد مجمع ألڤيرا (٣٩٦ م ) Elvira ثمانية عشر نوعاً من الجرائم لا يمكن قبول توبة مرتكبيها أبداً (٦٨) .. والأكثر غرابة الشرط الذى حددته الكنيسة لقبول الهرطوقى ماركيون فقد رفضت مصالحته قبل أن يرد إلي الإيمان كل الذين قادهم إلي هرطقته .. ولأن تحقيق هذا لم يكن يعتمد عليه فقط بل أيضاً علي تجاوب هؤلاء الذين أضلهم فقد مات بدون أن يعود إلي شركة الكنيسة برغم أنه أعلن ندمه (٦٩) .. ونتساءل ماذا كان موقف الله من الذين تابوا توبة حقيقية فى الفترة التى لم تصالحهم الكنيسة فيها ؟ .. هـل لم يكن غافراً لهـم خطـاياهم ؟ .. لاشك أنه غفرها لهم فى ذات لحظة توبتهم بغض النظر عن قبول الكنيسة لهم ، إن غفران الله للخاطىء أمر لا يتوقف علي مصالحة الكنيسة له ..
بداية الاعتراف السرى
بمرور الوقت ظهرت مضار الاعتراف العلنى أمام كل أعضاء الكنيسة .. يقول المؤرخ سوزومين Sozomen فى كتابه « التاريخ الكنسى » الذى دوّنه نحو عام ٤٤٠ م:
« يبدو محتملاً أن القسوس رأوا أن الاعتراف العلنى أمام كل جماعة الكنيسة أمراً مزعجاً لهذا عيّنوا شيخاً [ presbyter] غاية فى التقوي والحكمة للتصرف فى مثل هذه الأُمور ، يذهب إليه التائب ويعترف بتعدياته فيقرر ما يجب أن يفعله التائب بالنسبة لكل خطية ارتكبها»(٧٠) ..
ويبدو أن تعيين هذا الشيخ كان هدفه إعداد التائبين للاعتراف العلنى حتي لا يقولون أمام أعضاء الكنيسة ما يضرهم أو يضره(٧١).. ويمكننا أن نجد فى مقطع للمؤرخ سقراطس Socratesمن القرن الخامس فى كتابه عن تاريخ الكنيسة إشارة إلي بداية ممارسة هذا الاعتراف السرى كإعداد للاعتراف العلنى ..
« حينما فصل النوفاتيون Novatiansأنفسهم عن الكنيسة بسبب رفضهم أن تكون لهم شركة مع الذين ارتدّوا عن الرب خلال اضطهاد دسيوس Decius ، أدخل الأساقفة إضافة [ وظيفة جديدة ] إلي الترتيب الكنسى وهى تعيين شيخ presbyter يعـترف أمامه التائبون بخطيتهم [ خطية الارتداد عن الإيمان بسبب الاضطهاد ] » (٧٢) ..
وهكذا عقب اضطهاد دسيوس أى نحو عام ٢٥٠ م بدأ هؤلاء الشيوخ يستمعون إلي اعترافات التائبين لإعدادهم للاعتراف العلنى..
من هذه المعلومات التاريخية تبرز لنا هـذه الحقائق الهامة :
١- إن الاعتراف السرى للقس لم يبدأ فى عصر الرسل أو العصر الذى يليه بل فى منتصف القرن الثالث ..
٢- إن الذى أمر بممـارسته ليس الرسـل بل أساقفة القرن الثالث ..
٣- إن الاعتراف السرى فى البداية كان إعداداً للاعتراف العلنى، وبما أن الاعتراف العلنى لم يكن اعترافاً بكل الخطايا كما لم يكن مطلوباً من الجميع بل فقط من الذين ارتكبوا الخطايا العلنية المشينة مثل الارتداد ، فإن الاعتراف السرى كان أيضاً كذلك فى بداية ممارسته ..
٤- لم يكن مسموحاً بالاعتراف إلي كل قس .. بل إلي قس يتميز بحياة القداسة الواضحة يختاره الأسقف ..
ممارسة الاعتراف السرى
بالرجوع إلي الكتابات الباقية من القرون الأُولي لا نجد أى ذكر لاعتراف شخص إلي قس علي انفراد حتي منتصف القرن الثالث .. وتبدأ الإشارات تتوالي بعد هذا التاريخ ولكن بحجم قليل ونجد من خلال دراستها أن الهدف فى بادىء الأمر لم يكن نوال الغفران واسترداد الشركة مع الله بل بلوغ أحد الأهداف الآتية :
- المصالحـة مع الكنيسة [ كإعـداد للاعـتراف العـلنى أو كـبديل عنـّه ] ..
- الشـفاء مـن آثـار الخطيـة ..
- التلمـذة ونـوال الإرشـاد ..
إن أول ذكر للاعتراف السرى هو لأُوريجينوس ( ١٨٥ ـ ٢٥٤ م ) فى حديثه عن طرق الحصول علي غفران الله للخطايا والذى للأسف ابتعد فيه تماماً عن تعليم الكتاب المقدس الذى يعلن عن طريق واحد للغفران ( الاعتراف المباشر لله بالخطايا عن توبة قلبية وثقة فى كفارة الدم الثمين ) .. لقد نادي أُوريجينوس بأن هناك سبعة طرق لنوال الغفران وبحسب الترتيب الذى وضعه هى المعمودية والاستشهاد وصنع الصدقة ومسامحة من أساء إلينا وردّ واحد من الخطاة عن الضلال وأعمال المحبة وأخيراً أن يغسل الخاطىء سريره بدموعه التى يجب أن تصبح خبزه نهاراً وليلاً دون أن يخجل من إظهار خطاياه للقس طالباً العلاج (٧٣) .. ولنا علي ما قاله أُوريجينوس أكثر من ملاحظة:
- إن الطريق الأخير الذى يتضمن الاعتراف للقس ليس فى نظر أُوريجينوس الطريق الوحيد لنوال الغفران بل هو واحد ضمن سبعة طرق ..
- إن هذا الطريق فضلاً عن كونه لا يستند علي كلمة الله فهو لا يمكن بأى حال أن يشكل الأُسلوب المتبع دائماً نظراً لقساوته فهو يتطلب الدموع المستمرة ( ربما كان مخصصاً للخطايا الجسيمة ) ..
- لم يقل أُوريجينوس هنا إن القس يمنح الغفران للشخص المعترف بل يصف له الدواء .. وفى إحدي عظاته يطلب من الخاطىء المضطرب أن يبحث عن شخص خبير يثق فيه لكى يعرف منه ما إذا كان علاجه يقتضى أن يُظهر خطيته باعتراف علنى أمام جماعة المؤمنين أم لا (٧٤) ..
وهكذا نفهم مما قاله أُوريجينوس عن سبعة طرق للغفران أن الاعتراف السرى لم يمارسه جميع المؤمنين فى ذلك الوقت .. وهنا يجب أن نذكر أنه لم يُفسر قول الرب « كل ما تربطونه .. يكون مربوطاً وكل ما تحلونه .. يكون محلولاً » ( مت ١٨ : ١٨ ) علي أنه سلطان يخص فقط الأساقفة أو القسوس بل أيضاً المؤمن العادى يستخدمه مع المؤمنين الذين يخطئون إليه عندما لا يتجاوبون مع معاتبته الثلاثية ( مت ١٨ : ١٥ ـ ١٧ ) « من عاتب من أساء إليه ثلاث مرات ولم يلق منه استجابة يقوم بربطه لأنه فى حكم الوثنى والعشار » (٧٥) .. وقد أخذ أيضاً بهذا الرأى القديس أغسطينوس فى القـرن الخامـس « أنت بدأت تعتبر أخيك كالعشـار ، أنت تربطه علي الأرض ، فتأكد أنك ربطته عن حق » (٧٦) ..
القــرن الـرابع
مع مجىء القرن الرابع اتسعت ممارسة الاعتراف السرّى كبديل عن الاعتراف العلنى بهدف مصالحة الخاطىء مع الكنيسة ، فلاشك أن الاعتراف إلي شخص واحد أسهل كثيراً وأقل إيلاماً من الاعتراف أمام الجميع (٧٧) ..تُظهِر لنا أقوال وسيرة القديس أمبروسيوس من القرن الرابع أن الثلاثة أنواع من الاعتراف بالخطايا كانت تُمارس فى أيامه (٧٨) .. الاعتراف المباشر لله والاعتراف العلنى أمام الكنيسة مجتمعة والاعتراف السرّى إلي القس .. فى بعض المواضع يتحدث عن الاعتراف المباشر لله علي أنه الاعتراف المألوف والمسلّم به .. وفى مواضع أُخري يحاول أن يزيل الخجل من الاعتراف العلنى داخل الكنيسة بِحَثّ المؤمنين علي الصلاة من أجل المعترف مُظهِراًً أن هذا الاعتراف هو أمر اختيارى .. كما نعلم من سيرته أنه كان متعاطفاً مع الذين كانوا يذهبون إليه ليعترفوا بخطاياهم له علي انفراد لكن لا يبدو أنه كان يفعل لهم شيئاً أكثر من الصلاة لأجلهم، وحثهم علي ترك الخطية والتواضع أمام الله ..
كان أمبروسيوس مثل أُوريجينوس يؤمن أن القس أو الأسقف ليس له قوة أن يفعل شيئاً سوي أن يصلى من أجل المعترف وأن يُسدى له النصيحة (٧٩) .. تأمل أمبروسيوس فى توبة بطرس ( لو ٢٢ : ٦٢ ) فعلّق قائلاً إن الدموع ، دموع التوبة وحدها كافية أن تغسل الخاطىء من خطاياه ، وبعد مضى قرن استشهد مكسيمس Maximus من تورينو ( ٣٨٠ ـ ٤٦٨ م ) بما قاله أُمبروسيوس (٨٠) ، الأمر الذى يبرهن علي أنه إلي ذلك الوقت لم يتوقف الاعتقاد بأن الاعتراف المباشر لله يكفى لنوال الغفران ..
توقف الاعتراف السرّى
فى نهـاية القـرن الرابع توقف الاعـتراف السـرى فى كنـائس الشـرق ( تتحدث باليونانية ) وظل ممنوعاً لسنوات عديدة .. يحدد المؤرخ سقراطس من القرن الخامس توقيت وقف هذه الممارسة بقوله:
« فى هذا الوقت [ الذى عاد فيه الإمبراطور ثيئودسيوس الأول Theodosius I من روما إلي القسطنطينية ( عام ٣٩١ م ) ] كان ضرورياً أن تُلغي من الكنائس وظيفة القساوسة [presbyters] المختصين بالاستماع إلي اعترافات التائبين » (٨١) ..
ويذكر المؤرخ أن نيكتاريوس Nectarius أسقف القسطنطينية كان أول من ألغي هذه الوظيفة (٨٢) .. أما عن ظروف هذا الإلغاء ونتائجه، فقد سَرَدَ لنا سقراطس وسوزومين أن حادثة لا أخلاقية وقعت فى الكنيسة فأثارت ثائرة الشعب الذى ارتفع صوته مطالباً بوقف هذا الاعتراف السرّى مما دفع الأسقف نيكتاريوس إلي إلغاء وظيفة قس التائبين وتَرْك كل شخص لضميره ليحكم عليه قبل التقدم لمائدة الرب .. ثم حذا حذو نيكتاريوس أساقفة كل المناطق ..
ولا تعليق سوي القول بأنه لو كان المؤمنون آنذاك متيقنين أن هذا الاعتراف السرّى مصدره تعليم الكتاب المقدس لما تجاسروا وطالبوا بإلغائه ولما استطاع نيكتاريوس المشهود له من الجميع أن يلغى وظيفة قس الاعتراف ، ولما سار الأساقفة علي منواله وألغوا هم أيضاً هذه الوظيفة ..
ذهبـى الفـم
ومات نيكتاريوس وخلفه أسقف علي القسطنطينية أهم مدن الشرق هو يوحنا ذهبى الفم عام ٣٩٧ م ، وقد رأينا من قبل كيف أَكَّدَ ذهبى الفم فى مناسبات عديدة علي أن الاعتراف المباشر لله يكفى لنوال الغفران .. وباختصار لقد علّم ذهبى الفم بأن الاعتراف المباشر لله وحده هو الاعتراف الضرورى الذى يضمن نوال الغفران ، أما الاعتراف العلنى والاعتراف للقس فكان يعتبرهما أمرين اختيارين يمكن القيام بهما أو الامتناع عنهما (٨٣) .. لقد آمن أن الغفران هو عمل الله الذى يجب أن نتحدث إليه مباشرة .. يشير أحد المؤرخين إلي أن هذه الحقبة كانت تعتبر الأكثر لمعاناً فى تاريخ الكنيسة ، فمع نهاية القرن الرابع كان نحو ستين ألف شخص يترددون يومياً علي أكبر كنائس الشرق للتقدم إلي مائدة الرب ( الأفخارستيا ) دون أى استعداد سوي الاعتراف المباشر إلي الله .. ولم يكن يُحرَم من التقدم إلي المائدة إلا مَنْ يحيا حـياة شريرة مشينة ، واستمر هذا الوضع حتي العام ٧٠٠ بعد الميلاد تقريباً (٨٤) ..
كنائس الغرب ( أفريقيا )
أمـا فى كنائس الغرب التى تتحـدث اللاتينيـة فقد اسـتبدل أغسـطينوس ( ٣٥٤ ـ ٤٣٠ م ) أسقف هيبو بشمال أفريقيا الاعتراف العلنى للمصالحة مع الكنيسة بالاعتراف السرى فى حالات ارتكاب الجرائم التى كان إظهارها علناً يُعرّض المعترف بها للمحاكمة من قبل السلطات المدنية (٨٥) .. وظل الاعتراف سارياً علي هذا المنوال فى كنائس شمال أفريقيا بعد انتهاء عهد أغسطينوس ، ففى منتصف القرن السادس كان فيكتور أسقف مدينة Tunnone يعتبر أن الحاجة فقط هى إلي الاعتراف المباشر لله بالخطايا (٨٦) .. نعم حتي هذا التاريخ كان المؤمنون فى شمال أفريقيا لا يزالون يتعاملون مع الله مباشرة وبلا وسيط ..
كنائس الغرب ( أوروبا )
من قراءة ما دوّنه الشهير يوحنا كاسيان فى الربع الأول من القرن الخامس يبدو لنا أنه لم يقبل ممارسـة الاعتـراف السرّى للقس بديلاً عن الاعتراف العلنى (٨٧) .. لكن فى منتصف القرن الخامس أقر البابا ليو الأول ( ٤٤٠ – ٤٦١ م ) رسمياً بإمكانية اسـتبدال الاعتراف العلنى بالاعـتراف السـرّى للقس (٨٨) .. ومن هذا الوقت ازدادت ممارسة الاعتراف السرى ولم يعد قاصـراً فقط علي الاعتراف بالخطايا العلنية ، لقد شمل أيضاً الخطايا السرية (٨٩) .. إلا أن الاعتراف العلنى لم يختفِ تماماً ، تذكر لنا كتب التاريخ أن الإمبراطور ألكسيس Alexis الذى أخـذ الإمبراطـورية عام ١٠٨٠ م دعـا الأساقفة وكذا بعض الأشخاص الأتقياء واعترف علناً أمامهم جميعاً بالجريمة التى ارتكبها (٩٠)..
تجمعات الرهبان بالشرق
من الجدير بالذكر أن القوانين الشهيرة التى تنظم حياة الرهبان والتى تُنْسَب إلي أبَّا باخوميوس تخلـو من أى وصيـة عن الاعتـراف(٩١).. مثلما تخلو منها القوانين التى تُنسب إلي آبـاء الرهبنـة المشـاهير أنطونيـوس الكـبير وسيرابيون ومقاريوس الكبير وإشعياء الأسقيطى .. كما تخلو منها أيضاً مجموعة The Regula Orientalis التى جمعهـا الشماس Vigilius من القوانين الشرقية (٩٢) .. مع هذا فقد صاحب ظهور تجمعات الرهبان فى أوائل القرن الرابعفى الشرق جلسات اعتراف من نوع خاص «Cloister Confession » هدفها طلب المشورة من أجل النمو فى العلاقة مع الله أو للتغلب علي خطية معينة أو للتصرف فى أمر ما يخص الحياة الرهبانية .. هذه الجلسات لم تكن بهدف نوال الغفران ، وفى الغالب لم يكن الشخص الذى يسمع الاعتراف قساً .. نقرأ عن أبَّا مقاريوس (٣٠٠ – ٣٩٧ م ) أنه بعد ثلاث سنوات من إقامته فى الصحراء قال لنفسه « ها إننى قد جئت إلي هذا الموضع وليس لى أحديرشـدنى إلي سـيرة سكان البريـة ، أقـوم الآن وأمضـى إلي الأب أنطوينوس [ لم يكن قساً ] »(٩٣) .. ولكن أتي القديس باسيليوس الكبير ( ٣٢٩ ـ ٣٧٩ م ) وعمم الاعتراف لأجل الإرشاد داخل الأديرة التابعة له ولم يكن شرط علي الإطلاق أن يكون المرشد قساً (٩٤) .. كان يكفى امتلاؤه بالروح وامتلاكه لموهبتى التمييز والحكمة ..
تجمعات الرهبان بالغرب
وإذا انتقلنا إلي الرهبنة فى الغرب فإننا نذكر توجيهات يوحنا كاسيان التى دُوِنت نحو عام ٤٢٨ م وحوت خلاصة ما رآه وسمعه خلال جولاته بين التجمعات الرهبانية فى الشرق ولا سيما فى صعيد مصر .. لقد تضمنت وصيتـه للراهب الصغير عديم الخـبرة «Junior » أن يكشف لراهـب أكـبر « Senior » أية أفكار مزعجة تأتى إلي ذهنه حتي لا يقدر إبليس علي خداعه (٩٥) ، لكن هذا الاعتراف لم يكن له أية علاقة علي الإطلاق بالحصول علي الغفران.. لقد نصح يوحنا كاسيان بالاعتراف السرّى بهدف محدد هو مقاومة الأفكار الشريرة ..
أما بندكت (٤٨٠ ـ ٥٥٠ م ) Benedict مؤسس الرهبنة بالغرب فوضع الاعتراف فى قوانينه لكى يُمارَس كعلامة علي التواضع طالباً من الراهب إذا شعر بأن فى داخله شيئاً يدفعه للخطية أن يُظهِره لأب ( abbot) من الآباء الذين يعرفون كيف يعالجون الجروح .. وفى ذلك الوقت كان من النادر جداً أن يكون هذا الأب ( abbot) قساً (٩٦) ..
كذلك أيضاً توصى قـوانين فركتيوسوس Fructuosus الذى مـن براجا ( من القرن السابع ) بالاعتراف السرى ولكن بهدف التلمذة(٩٧) وليس كوسيلة ينال بها الراهب من الله الغفران .. وفى عام ٨٢٩ م أظهرت نصوص المجمع الذى عُقِد فى باريس أن اعتراف الراهبات للقسوس كان أمراً اختيارياً لم يُفرض عليهن بأية وصية (٩٨) ..
الجــدل
ازدادت فى العصور الوسطي ( من نهاية القرن الخامس إلي منتصف الخامس عشر ) ممارسة الاعتراف السرّى للقس وتعالت المناداة بأنه ضرورى لنوال الغفران ، إلا أنه إلي حدٍ ما كان الرأى الغالب هو أن الاعتراف بالخطايا لله وحده يكفى (٩٩) .. كان ثيؤدور Theodore أحد الرهبان البارزين من الكنيسة الشرقية فى القرن التاسع يقول إن التوبة تكفى لنوال الغفران وإن الاعتراف السرى هو علاج يُفْقِد الأفكار الشريرة قدرتها علي إيذاء النفس (١٠٠) ..
إلا أن الجدل كان قائماً حول ما إذا كانت هناك ضرورة للاعتراف السرّى بالخطايا للقس كى تُغفر الخطايا أم لا .. وفى عام ٨١٣ م انعقد مجمع شالون الذى حاول أن يوقف هذا الجدل من خلال كلمات ترضى كلا الطرفين مَنْ ينادون بضرورة الاعتراف السرّى ومَنْ يكتفون بالاعتراف إلي الله .. قال المجمع :
«البعض ينادى بتقديم الاعتراف إلي الله وحده والبعض الآخر بالاعتراف إلي القس .. تمارس الكنيسة كليهما باستفادة كبيرة.. يخبرنا داود بأن نعترف إلي الله ، وقال لنا الرسل أن نعترف بعضنا إلي بعض .. الاعتراف إلي الله يُطهّر من الخطية والاعتراف إلي القس يُظهِر لنا كيفية التَطهُر منها » (١٠١) ..
أما بالنسبة لكبار دارسى اللاهوت فى القرن الثاني عشر أمثال هيو من كنيسة سانت فيكتور بباريس ( ١٠٩١ ـ ١١٤١) « Hugh of St. Victor» وبطرس لومبارد Peter the Lombard أسقف باريس فلم يدافعا عن الاعتراف سـوي لأسباب بشرية تبعث علي ممارسته وليس لكونه يستند علي قانون إلهى ( أى علي نص من الكتاب المقدس ) (١٠٢) .. ولم يجعل لومبارد وساطة القس شرطاً أساسياً بل أعلن أن الاعتراف إلي الله يكفى .. ويقول أيضاً إنه لم يكن هناك اتفاق فى عصره علي إذا ما كان تقديم الاعتراف إلي القس أمراً ضرورىاً أم لا .. كما يري أن آراء آباء الكنيسة السابقين كانت متضاربة فى هذا الأمر (١٠٣) ..
وهكذا فحتي القرن الثانى عشر كان الاعتراف السرّى للقس اختيارياً فى أغلب الأماكن ، لكن فى بداية القرن الثالث عشر فى عام ١٢١٥ فرض مجمع لاتران الرابع بقيادة البابا إنوسنت الثالث Innocent III علي كل شخص أن يعترف بخطاياه للقس مرة علي الأقل كل عام واعتبر عدم الاعتراف « خطية مميتة mortal sin » ويقصد بهذا التعبير أنها من أعظم الخطايا !! وأقر المجمع بأن يُحرم من الكنيسة كل من لا يعترف ، وبالتالى لا تُجرَي له عند الموت مراسم الدفن المسيحية (١٠٤) .. والآن اُنظر معى كيف علّق دارس اللاهوت الشهير بونافنتورا (١٢٢١ ـ ١٢٧٤ م ) Bonaventura علي قـرار هذا المجمع .. لقد اتفـق مع ما خلص إليه بطرس لومبارد من أنه لا يوجـداتفاق فى آراء آباء الكنيسة السابقين حول ضرورة الاعتراف بالخطـايا للقس لكنه قال « إن كل مَن يُنكر ضرورة الاعتراف للقـس منذ مجمع لاتران الرابـع يُعد هرطوقياً بينما لا يعتبر كذلك كل من لم يره ضرورياً قبل هذا المجمع »(١٠٥) .. هذه الكلمات تؤكد بكل وضوح أن الاعتراف السرّى بالخطايا للقس لم يكن يُمارس كعقيدة مُلزمة فى جميع كنائس الغرب التى تتبع روما إلا بعد هذا المجمع فى القرن الثالث عشر ..
وبعد خمسة وأربعين عاماً من مجمع لاتـران الرابع اعتبر تومـا الأكـوينى فى عام ١٢٦٠ وللمرة الأُولي فى التاريخ أن هذا الاعتراف السـرّى بالخطايا هو سر (١٠٦) أى واحـد من الممارسـات الكنسـية التى أُطلـق عليهـا الأسـرار «mysteries – sacraments » .. ولمعرفة القارىء فإن كلمة الله لم تستخدم مطلقاً كلمة سر للإشارة إلي أى نوع من الاعتراف بالخطايا بل استخدمتها دائماً لوصف أمر كان مخفياً ثم قام الله بإعلانه ( كمثال رو ١٦ : ٢٥ ، أف ٥ :٣٢ ، رؤ ١ : ٢٠ ) .. لكن فى القرن الخامس أطلق أغسطينوس كلمة سر علي بعض الأشياء المنظورة ( كالخبز والخمر فى مائدة الرب ) التى يؤمن أنها تحمل بركات روحية غير منظورة ، وتبع أغسطينوس فى هذا المعلمين الذين أتوا بعده حتي عمّ استخدام كلمة سر بهذا المعني (١٠٧) إلا أنه لم يحدث اتفاق علي عدد هذه الأسرار ، وتراوحت الآراء بين مَنْ قال بوجود خمسة إلي من اعتقد أنهم ثلاثون سراً إلي أن حسم مجمع فلورنس فى القرنالخامس عشر فى عام ١٤٣٩ العدد بسبعة أسرار منها سر التوبة (١٠٨) .«Penance». وانتقل هذا التحديد بعد ذلك من الكنيسة فى الغرب إلي كنائس الشرق اليونانية ثم إلي الكنيسة فى مصر ، وأول ذِكْر لها فى الوثائق المصرية يعود إلي القرن السادس عشر (١٠٩) ..
مصــر
انفصلت كنيسـة مصر فى منتصـف القرن الخامـس عن كنائـس الغرب ( التابعة لكنيسة روما ) وأيضاً كنائـس الشرق اليونانية ( أشهرها كنيسة القسطنطينية ) ولم تعرف الاعتراف السرّى بالخطايا للقس إلا فى القرن الثانى عشرحين حاول القس مرقس بن كنبر المتأثر بالغرب أن يُدخله (١١٠) ..
فمن كتابات الأسقف ميخائيل أسقف دمياط الذى كان معاوناً للبطريرك ميخائيل الخامس ( بطريرك من ١١٣٦ إلي ١١٣٧ م ) نعلم أن الاعتراف السرّى كان يُمارس فى هذا الوقت بهدف علاج أمراض الحياة الروحية وليس لنوال الغفران .. ولهذا لم يكن للجميع بل للمرضي روحياً فقط .. يقول هذا الأسقف :
« وأما الاعتراف فهو طب روحانى نسبته إلي الروح نسبة الطب الجسدانى إلي الجسد . وكما أن [ المرض ] الجسدانى لا يتم [ يعالَج ] إلا بطبيب خبير خيِّر وإلا كان تَرْك التطبيب خيراً منه .. فكذلك [ المرض ]الروحانى . وكما أنه ليس كل إنسان بمحتاج إلي الطب الجسدانى فكذلك الروحانى . وكما أنه ليس كل المحتاجين إليه يحتاجون إليه مستمراً وفى كل مرض فكذلك الروحانى » (١١١) ..
ويقـص لنـا المـؤرخ أبو صالح الأرمنـى مـن القـرن الثـالث عشـر الميلادى Abu Salih the Armenian فى كتابـه عن كنائس وأديرة مصر ( هناك اعتقـاد أن الكاتب هو المؤتمن أبو المكـارم ) قصة القس مرقـس بن كـنبر Ibn al-Kanbar:
« كان بالوجه البحرى مرقس الضرير بن موهوب .. المعروف بابن القنبر قد جعله أسقف دمياط قساً .. أوهم الشعب أن من لا يعترف لمعلم بخطاياه .. لا يجـوز له أن يتنـاول القربان [ يتقدم إلي مائدة الرب ] . وإن مات بغير اعتراف للكاهن مات بخطيئته وراح إلي الجحيم !! فعاد الشعب يعترفون له وتركوا الاعتراف علي المجمرة [ أى الاعتراف المباشر لله أثناء مرور القس بينهم بالمجمرة التى تُصعِد البخور وذلك خلال صلوات الإعداد للتقدم إلي المائدة]»(١١٢)..
هذا النص يؤكد أن الأقباط لم يكونوا يمارسون الاعتراف السرى للقس بل الاعتراف علي المجمرة فى القرن الثانى عشر .. ويقول لنا أيضاً هذا المؤرخ إن البطريرك التالى يوأنس الخامس ( بطريرك من ١١٣٨ إلي ١١٥٧ م ) هو أيضاً تدخّل بحزم ووقف ضد تعليم هذا القس(١١٣) ، وأتي من بعده البطريرك مرقس الثالث ( بطريرك من ١١٥٧ إلي ١١٧٩ م ) ففعل نفس الأمر وقاوم تعليم ابن كنبر (١١٤) .. ويكمّل لنا القصة يوساب أسقف فوه من رجال القرن الثالث عشر الميلادى فى كتابه سير البطاركة ويقول لنا إن البطريرك يوأنس السادس ( بطريرك من ١١٨٠ إلي ١٢٠٧ م ) الذى جاء بعد مرقس الثالث هو أيضاً « قَطَعَ [ مَنَعَ ] الاعتراف عن القبط » (١١٥) ..
وهكذا يمكننا القول إنه إلي وقت موت يوأنس السادس فى بداية القرن الثالث عشر كان الاعتراف السرّى للقس غير ممارساً فى مصر.. وتؤكد نصوص الصلاة التى تعود إلي ذلك الوقت أن الاعتراف لله بالخطايا استعداداً للتقدم إلي المائدة كان يتم مباشرة بين الإنسان والله فى وقت مرور القس بالمجمرة (١١٦) ..
القرن الخامس عشر
فى كتاب « سر الثالوث فى خدمة الكهنوت » الذى دُوِّنَ قبل عام ١٤٩٣ ( غالباً خلال القرن الخامس عشر ) نقرأ هذه الفقرة :
« بطرس لما جحد [ سقط فى الخطية ] فندم وخرج بكي بكاءً مراً سراً فقبل الله توبته .
وقد أبطل أباؤنا الاعتراف من البيعة [ الكنيسة ] القبطية وقد وضعوا فى ذلك كتاباً وأشدّوا فى ذلك » (١١٧) ..
بالطبع لو كانت عقيدة الاعتراف السرى قد صارت فى ذلك الوقت راسخة كتعليم يستند علي نصوص الكتاب المقدس لما أقدم الآباء علي إبطاله والتشديد علي ذلك ..
التحــول
الآن فكّر معى فى هذا التحول الخطير الذى حدث للاعتراف عبر هذه القرون .. لقد نجح إبليس فى أن يحوّل الاعتراف العلنى الذى كان مقصوراً علي الخطايا العلنية المشينة والذى كان يتم أمام كل جماعة الكنيسة إلي اعتراف سرّى للقس فى جلسة علي انفراد مُغيراً الهدف من كونه اعترافاً علنياً هدفه مصالحة الكنيسة للتائب الذى أساء إليها لتقبله فى شركتها إلي اعتراف سرّى للقس هدفه غفران الخطايا والقبول أمام الله .. وآسفاه لقد نجح إبليس فى جعل الناس يعتقدون أنه لا بديل لغفران الخطايا ونوال الخلاص بدون هذا الاعتراف السرّى بالخطايا إلي القس بخداعهم بأن هذا ما يقصده الرب فى المقاطع الثلاث الشهيرة (مت ١٦: ٩، مت ١٨ “: ١٨، يو ٢٠: ٢٢، ٢٣ ) .. ولقد نجح إبليس فى أن يجعل الناس تفشى أسرارها إلي شخص مثلهم بإرهابهم بأنه لا خلاص لهم بدون هذا الاعتراف ..
لقد نجح إبليس فى أن يحرم النفوس بواسطة هذا التعليم الخطير من الدخول فى علاقة مباشرة مع الله علي أساس الدم الثمين المسفوك .. وكما نجح إبليس فى ذلك تمكّن أيضاً من أن يحوّل هدف جلسات الاعتراف السرّى التى كانت من أجل نوال الإرشاد والتلمذة التى بدأت فى التجمعات الرهبانية ليجعلها هى أيضاً جلسات هدفها الرئيسى نوال الغفران ..
وما أمرّ النتائج .. فكم ألحقت هذه الجلسات الأذي بكثيرين إذ أجبرهم الارتعاب من الهلاك الأبدى علي الذهاب إليها .. كم أذتهم بالخوف والخجل والاضطراب فهناك من الخطايا ما تخجل بعض النفوس من أن تُلَمِّح بها حتي إلي أقرب أصدقائها ، فما بالك لو أن المعترف كان فتاة صغيرة رقيقة المشاعر مرهفة الحس اضطرها الرعب من الهلاك الأبدى إلي الاعتراف بأسرارها وأفـعالها وأفكارها .. وكم أذت وتؤذى هذه الجلسات القسوس أنفسهم .. فمع كثرة عدد الناس ووقوعهم تحت الإرهاب بأنه لا خلاص لهم بدون هذا الاعتراف صار الاحتياج إلي قسوس كثيرين لتلقى اعترافات الجميع فَقَلَّ الحرص علي انتقائهم من الأشخاص الممتلئين بالروح المشهود لهم بحياة القداسة .. آه أى أذي يصيب قس الاعتراف أيضاً من سماعه قصص السقوط فى الخطايا الجنسية إذا كان غير ناضجاً أو مقيداً بخطية فى هذا المجال أو واقعاً تحت ضغوط نفسية أو يعانى من مشاكل عائلية .. وكم يكون الخطر محدقاً حين يكون المعترف بهذه الخطايا امرأة ..
هذه هى قصة الاعتراف السرّى أمام القس وإن أردنا تلخيصاً لها فهذه هى النقاط الأساسية :
- حَدَثَ أولاً تحول من الاعتراف العلنى إلي الاعتراف السرّى الانفرادى ثم تَغَيَّرَ الهدف فى عصور الكنيسة المظلمة ، فبعد أن كان هدفه مصالحة الكنيسة للتائب الذى أساء إليها بخطاياه العلنية المشينة أصبح اعترافاً سرىاً للقس بالخطايا العلنية وغير العلنية هدفه نوال الغفران ..
- وحدث تحول آخر فى الجلسات الانفرادية الاختيارية التى كان هدفها سماع المشورة والتلمذة فصارت جزءاً من الجلسات الإجبارية التى تذهب إليها النفوس لتسرد قائمة الخطايا التى ارتكبتها متوهمة أنها بهذا تنجو من الهلاك ..
- لم يُمارَس هذا الاعتراف السرّى مطلقاً حتي منتصف القرن الثالث حين بدأت ممارسته كبديل عن الاعتراف العلنى ثم توقف فى القسطنطينية فى نهاية القرن الرابع ثم فى كنائس الشرق ولم يتم الرجوع إليه إلا فى نهاية القرن السابع ..
- كما أن سِيَرْ آباء الكنيسة أمثال كبريانوس وذهبى الفم وأغسطينوس فى القرون الأُولي تؤكد أنهم لم يُدْلوا باعترافاتهم سراً إلي أحد ..
- وكان هذا الاعتراف اختيارياً فى أكثر الكنائس حتي القرن الثالث عشـر حين فرضـه البابا إنوسنت الثالث فى مجمع لاتران الرابع ..
- تم اعتباره واحداً من الأسرار السبعة فى القرن الخامس عشر ..
قارئى العزيز .. كلما قرأنا أكثر فى تاريخ الكنيسة كلما توهجت أمامنا هذه الحقيقة أن التعليم عُرضة للتغيُّر وهو ينتقل من جيل إلي جيل .. وأن الأمان كل الأمان هو فى التمسك بما تقوله كلمة الله وحدها والخطر كل الخطر فىتجاهل ما تقوله الكلمة والثقة المفرطة فى التعليم المتوارث .. وهذه آية مناسبة تماماً نختم بها جولتنا السابقة عبر صفحات التاريخ :
« وكان هؤلاء [ أهل بيريَّة ] .. فاحصين الكتب [أسفار الكتاب] كل يوم هل هذه الأمور هكذا [ تتفق مع ما تقوله كلمة الله ]»
( أع ١٧ : ١١ )



