٥ – واثـق فـي الـدم – أزال الغضب
الفصـل الثاني
أزال الغضب
الدم .. دم المسيح الكريم وليس سواه هو الذى أنقذنى من العذاب الأبدى .. فما الذى يجعل الإنسان يذهب إلي بحيرة النار ليُعذب فيها إلي الأبد ؟.. إنها خطاياه ولا شىء آخر سوي الدم ينقذه منها ويمنحه الحياة الأبدية ..
نعم لا شىء سوي دم يسوع المسيح يغسل الإنسان تماماً من خطاياه « بدون سفك دم لا تحصل مغفرة » ( عب ٩ : ٢٢ ) .. يقول الله للخاطىء « وإن اغتسلت بنطرون [ حامـض قلـوى ] وأكثـرت لنفسـك الأشــنان [ الصابون ]فقد نُقش إثمك أمامى يقول السيد الرب » ( إر ٢ : ٢٢ ) ولكن دم مخلصنا العظيم يمحو آثام أى خاطىء يؤمن به .. الدم يجعله يبيّض أكثر من الثلج .. الدم يطهره تماماً أمام الله القدوس من كل دنس تلطخ به .. حقاً إنها آية لا تُقَدّر بثمن « دم يسوع المسيح .. يُطهرنا من كل خطية » ( ١ يو ١ : ٧ ) ..
إن كل مَن نالوا الميلاد الثانى العجيب الذى من الروح لهم أن يرددوا بفرح « الذى [ يسوع ] أحبّنا وقد غسّلنا من خطايانا بدمه » ( رؤ ١ : ٥ ) .. وأن يهتفوا بثقة « نحن متبررون الآن بدمه » ( رو ٥ : ٩ ) .. وأن يغنوا « لنا.. ثقة بالدخول إلي الأقداس بدم يسوع » ( عب ١٠ : ١٩ ) ..
إن كل من اغتسل بالدم لا يجب أن تقلقه لحظة الموت .. لا يجب أن يقضى أيامه خائفاً من عقاب الله الأبدى .. الدم محا كل خطاياه فصار له امتياز أن يتمتع إلي الأبد بأُبوة الله العظيمة بكل ما فيها من حنان فائق واغتناء بلا نظير ..
والسؤال الآن لماذا دم الرب يسوع له هذه القدرة العجيبة لانتشال الخاطىء من مصيره المحتوم فى بحيرة النار ؟ .. لماذا له هذه القدرة أن يغسل الخاطىء ويطهره أمام الله ؟.. لماذا له هذه القدرة أن ينجيه من العذاب الأبدى ويمنحه امتياز أن يتمتع بأُبوة الله إلي الأبد ؟ .. أيها القارىء الحبيب فى هذا الفصل ندرس إجابة هذه الأسئلة .. ثق معي أنها لن تكون دراسة صعبة أو جافة بل منعشة لأرواحنا واطلب من الله باسم الرب يسوع أن يلمس بالروح قلبك بهذا الحق العظيم المتعلق بالدم ..
سنبدأ دراستنا بقراءة هذا المقطع من الأصحاح السابع عشر من سفر اللاويين أكثر أسفار الكتاب المقدس تحدثاً عن الدم حيث تتكرر فيه هذه الكلمة نحو سبعين مرة :
« أجعل وجهى ضد النفس الآكلة الدم وأقطعها من شعبها .
لأن نفس [حياة YLT, LIT, NAB, NASB, NIV] الجسد هى فى الدم فأنا أعطيتكم إياه علي المذبح للتكفير عن نفوسكم. لأن الدم يُكفّر عن النفس ..
لا تأكل نفس منكم دماً .. وكل إنسان .. يصطاد صيداً وحشاً أو طائراً يؤكل يسفك دمه ويغطيه بالتراب .
لأن نفس [ حياة ] كل جسد دمه هو بنفسه ..
لا تأكلوا دم جسد ما . لأن نفس [ حياة ] كل جسد هى دمه .
كل من أكله يُقطع » ( لا ١٧ : ١٠ ـ ١٤ ) ..
هذا المقطع الهام هو جزء من حديث الله إلي شعبه أيام موسي النبى ، اقرأه بتمعن فهو بمثابة المفتاح الذى يدخلك إلي فهم أعماق الحق الخاص بدم الرب الثمين .. لاحظ معى أنه يبرز لنا ثلاث حقائق تتعلق بالدم :
- قيمة الدم .. إنه حياة الجسد
- قدرة الدم .. التكفير عن النفس
- تكريم الدم .. لا يؤكل ولا يُداس بالأقدام
أولاً : قيمـة الـدم
يُظهر المقطع السابق بكل وضوح قيمة الدم ، إنه حياة الجسد « نفس [ حياة ] الجسد هى فى الدم » .. ويكرر الكتاب المقدس إعلان هذه الحقيقة فى سفر التثنية فيخبرنا بأن الله قال لشعبه فى العهد القديم :
« احترز أن لا تأكل الدم لأن الدم هو النفس [ الحياة KJV ] فلا تأكل النفس [ الحـياة KJV ] مع اللحم »
( تث ١٢ : ٢٣ )
وقبل سفرى اللاويين والتثنية بنحو ألفى عام عرف نوح هذه الحقيقة حينما قال الله له :
« كل دابة حية تكون لكم طعاماً .. غير أن لحماً بحياته دمه [ بدمه ] لا تأكلوه » ( تك ٩ : ٣ ، ٤ ) ..
الدم هو حياة الجسد .. حقيقة سجلها الكتاب المقدس بكل وضوح علي صفحاته قبل أن يعلنها العلماء بنحو ثلاثة آلاف عام حينما اكتشف وليم هارفى الدورة الدموية فى مطلع القرن السابع عشر وعرف أن الدم هو الذى يعطى الحياة لكل خلايا الجسد .. الدم هو حياة الجسد .. لاحظ كيف تحدّث يهوذا عن خيانته للرب معبراً عن تسليمه حياة جسد الرب يسوع للقتل بأنه سلّم دماً بقوله « قد أخطأت إذ سلّمت دماً بريئاً » ( مت ٢٧ : ٤ ) .. فهكذا فَهِمَ اليهود من كلمة الله أن الدم هو حياة الجسـد ، والدم المسفوك يُعبّر عن الموت .. عن حياة انتُزِعت من صاحبها بالقتل ..
وماذا عن دم الرب الثمين ؟ .. إنه حياة جسد الرب لهذا فإن سفك هذا الدم الثمين علي الصليب يعنى أن حياة جسد الرب قد انتُزِعت ، سفر أعمال الرسل يصف موت الرب قائلاً « حياتـه تُنتزع من الأرض » ( أع ٨ : ٣٣ ) ..إن دمه الثمين المسفوك يعلن موت جسده علي الصليب مقدماً حياته للموت لأجلى ولأجلك « سكب للموت نفسه [ حياته ] » ( إش ٥٣ : ١٢ ) .. كم أحبنا الرب ، ذهب إلي الصليب كى يُسفَك دمه ، ليسكب للموت حياته كى ننجو نحن الخطاة من الهلاك الأبدى .. هللويا الدم سُفِك ونحن نجونا ..
ثانياً : قـدرة الـدم
تقول لنا الآية الثانية من المقطع الذى ندرسه إن للدم القدرة أن يُكفر عن النفس :
« لأن نفس [ حـياة ] الجسـد هـى فى الدم فأنا أعطيتكم إياه علي المذبح للتكفير عن نفوسكم . لأن الدم يُكفّر عن النفس » ( لا ١٧ : ١١ ) ..
إن فعل « يُكفر » هو بالعبرىة « kaphar » الذى معناه الأساسى « يغطى » ومنه كلمة « kopher » « كفارة » أو « غطاء »( ٢ ) وقد استخدمت كلمة الله هذا الفعل فى معنيين أساسيين :
- التغطية
- إزالة الغضب
١ ـ يغطى الخطايا
تقول الآية السابقة إن دماء الذبائح فى زمن العهد القديم كانت للتكفير أى للتغطية .. كانت تغطى خطايا مؤمنى العهد القديم فتحجبها عن عينى الله ، هذا المعني نجده فى فاتحة المزمور ٣٢ « طوبي للذى غُفر إثمه وسُترت [تغطت ] خطيته » ( مز ٣٢ : ١ ) .. وقد أتت كلمة « kaphar » « يُكفّر » بهذا المعني « يغطى » بكل وضوح فى أول ذكر لها فى الكتاب المقدس ضمن تعليمات الرب لنوح بشأن بناء الفلك لحمايته من الطوفان ..
« اصنع لنفسك فلكاً من خشب .. وتطليه [kaphar] [ تغطيه ] من داخل ومن خارج بالقار [ kopher ] » ( تك ٦ : ١٤ ) ..
لاحظ أن كلمة تطلى ( تغطى ) فى الأصل العبرى هى كلمة « kaphar » التى تعنى أيضاً يُكفّر ، كما أن كلمة قار هى نفسها كلمة « kopher » التى معناها كفارة .. الرب يطلب من نوح أن يستخدم القار لتغطية كل مسام موجودة فى خشب الفلك تغطية مزدوجة من الداخل ومن الخارج إمعاناً فى الحماية من مياه الطوفان لمنعها تماماً من التسـرب إلي داخـل الفلك .. ويا للمعني الرمزى العظيم ، فلقد « انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وانفتحت طـاقات السـماء . وكان المطـر علي الأرض أربعـين يومـاً وأربعـين ليلـة » ( تك ٧ : ١١ ، ١٢ ) إلا أن هذه المياه المدمرة المهلكة للناس بسبب آثامهم لم تقدر أن تمس نوح وعائلته بأى أذي لأن القار « kopher » وقف عائقاً منيعاً أمامها ومنعها تماماً من أن تدخل إلي داخل الفلك ..
أيها الحبيب ، إن دم الرب يسوع المسفوك هو هذا القار المنيع « kopher» ، الكفارة .. الغطاء المزدوج الذى يحميك حماية كاملة من فيضانات عقاب الله العادل الآتية علي البشر بسبب خطاياهم .. ولماذا هو غطاء يحميك ؟..لأنه وهو مسفوك يُعلِن أن الرب يسوع سكب للموت نفسه ( حياته ) .. مات بجسده بديلاً عنك .. تقبَّل العقاب لكى لا يأتى عليك .. هللويا ، منذ أن آمنت بدم الرب أنه كفارة لى صار الدم غطاءً منيعاً يحجب عنى دينونة الله علي الخطاة .. هللويا أستطيع أن أقول بثقة لن تؤذنى أبداً فيضانات دينونة الله العادلة الآتية علي الناس بسبب آثامهم ..
٢ ـ إزالة الغضب
أخطأ يعقوب خطأ جسيماً حين استخدم الخداع والكذب كى يجعل أباه يباركه بدلاً من عيسو أخيه .. واضطر إلي الهرب من وجه أخيه الغاضب طوال عشرين عاماً إلي أن سمع أن أخاه عيسو قادم وبرفقته أربعمائة شخص فخاف جداً من أن يكون قادماً لينتقم منه فقال يعقوب لنفسه :
« أستعطف [ appease ] وجهه [ وجه عيسو الغاضب ] بالهدية السائرة أمامى [ أى بالحيوانات التى أُرسلها هدية إلي عيسو ] وبعد ذلك أنظر وجهه » ( تك ٣٢ : ٢٠ ) ..
إن كلمة « أستعطف » « appease » فى الأصل العبرى هى ذاتهـا كلمة أُكفّر « kaphar » التى تعنى حرفياً يغطى .. يعقوب يقول لنفسه إنه سيغطى وجه عيسو الغاضب بالهدية التى يقدمها له ، وبكلمات أُخري إن الهدية ستغطى وجه عيسو فتمنعه من أن يري الجُرم الذى فعله به يعقوب منذ عشرين عاماً .. يري عيسو الهدية فلا يري جُرم يعقوب فيهدأ غضبه.. أيها الحبيب ، بذات الطريقة يري الله الغاضب علي الخطاة بسبب خطاياهم الدم الثمين فلا يري خطاياك ولا يعود غاضباً عليك .. لماذا لا يري خطاياك بسبب رؤيته للدم ؟.. لأن الدم المسفوك يقول إن خطاياك قد أخـذها منك الرب يسوع وحملها عليه وهو علي الصليب « آثامهم هو [ الرب يسوع ] يحملها » ( إش ٥٣: ١١ ) .. وإنه تقبّل عقابها كاملاً ..
هكذا فإن إزالــة الغضــب هو المعنـي الثـانى لكلمـة يُكفـّر « kaphar » « appease » ، ونلاحظ أن الترجمة السبعينية للعهد القديم إلي اليونانية والتى تمت قبل كتابة أسفار العهد الجديد وكانت منتشرة جداً أثناء كتابته قد ترجمت كلمة « كفارة » « kaphar » إلي الكلمة اليونانية « hilaskomai » والتى استخدمها اليونانيون بمعني تهدئة الغضب أو إزالته (٣) .. فالتكفير عن النفس هو إزالة غضب الله الذى علي هذه النفس بسبب ما ارتكبته من خطايا وهو تكفير بالدم لأن الدم يغطى خطاياها ويحجبها عن أن تُري .. والسـؤال الذى يطرح نفسه علينا الآن هو هل يغضب الله المحب علي الخاطىء ؟ ..
غضب الله
نعم الله يغضب بسبب ارتكاب الإنسان الخطية ، ولم تتناول أسفار الكتاب المقدس هذه الحقيقة كموضوع ثانوى بل كموضوع رئيسى وهام .. يكفى أن نعرف أن أسفار العهد القديم استخدمت ٠٢ كلمة عبرية مختلفة للتعبير عن غضب الله كما أشارت إلي أنه يغضب مرات عديدة تجـاوزت ٥٨٠ مرة .. فهو يغضب علي الخطية بوجه عام ( أى ٢١ : ٢٠ ) .. كما تحدثت عن غضبـه بسـبب خطـايا معينـة كعبـادة الوثن ( تث ١١ : ١٦ ، ١٧ ) والقتل ( حز١٦ : ٣٨ ) والزنا ( حز ٢٣ : ٢٥ ) والغش ( مز ٥ : ٦ ) .. يقول سفر عزرا إن غضب الله هو « علي كل من يتركـه » ( عز ٨ : ٢٢ ) ، ويؤكد سفر المزامير أن غضبه بسبب الخطية أمر مستمر « إله يسخط [ بسبب الخطية] فى كل يوم » ( مز ٧ : ١١ ) ..
إننا نقـرأ فى أسـفار العهـد القـديم عن حـمو ( شـدة ) غضـب اللـه ( ٢ أى ٢٨ : ١١ ) واشـتعال غضبه ( ٢ مل ٢٢ : ١٧ ، مز ٢ : ١٢ ) .. كما نقـرأ عن غضـبه العظـيم ( ٢ أى ٣٤ : ٢١ ) ونـار غضبـه الآكلـة ( حز ٢١ :٣١ ، ٣٢ ) .. وليست أسفار العهد القديم فقط هى التى تحدثت عن غضب الله بل أيضاً أسفار العهد الجديد ، فبالرغم من أن العهد الجديد يتسم بإعلان نعمة الله المقدمة لجميع الناس ( تى ٢ : ١١ ) إلا أن هذا لا يعنى مطلقاً أن الله توقف عن الغضب علي الخطايا ..
لقد استخدمت رسالة رومية وهي من رسائل العهد الجـديد زمن المضـارع وهى تتحدث عن غضب الله « لأن غضب الله معلن [ وليس سيعلن ] من السماء علي جميع فجور الناس وإثمهم » ( رو ١ : ١٨ ) .. كما حـدثتنا عن يوم قادم تُستعلن فيه دينونة الله العادلة علي الخطاة أسـمته يوم الغضـب ( رو ٢ : ٥ ) .. وذكرت لنا الأناجيل المناسـبات التى غضـب فيها الرب يسوع ( مر ٣ : ٥ ، يو ٢ : ١٥ ـ ١٧ ) ، وأبرزت رسـائل العهد الجـديد غضـب الله فى أكـثر من موضع ( رو ٢ : ٥ ، أف ٢ : ٣ ، كو ٣ : ٦ ، ١ تس ١ : ١٠ ، عب ٣ : ١١ ).. كما تحـدث سـفر الرؤيا آخر الأسفار مراراً عن الغضب الإلهى ( رؤ ٦ : ١٦ ؛ ١١ : ١٨ ؛ ١٤ : ١٠ ؛ ١٥ : ١ ؛ ١٦ : ١٩ ) ..
قارئى العزيز ، إحذر أن تتصور خطأً أن الله لا يبالى بما يفعله البشر أو أنه أعظم من أن يكترث بما يرتكبونه من شرور .. كلا ، فكلمة الله تؤكد لنا أنه يبغض شر الإنسان .. يقول سفر الأمثال « هذه الستة يبغضها الرب وسبعة هى مكرهة نفسه . عيون متعالية لسان كاذب أيد سافكة دماً بريئاً قلب يُنشىء أفكاراً رديئة أرجل سريعة الجريان إلي السوء شاهد زور يفوه بالأكاذيب وزارع خصــومات بين إخوة » ( أم ٦ : ١٦ ـ ١٩ ) ..
غضب مختلف
نعم يغضب الرب ولكن ليس مثلما نغضب نحن ، غضبه ليس غضباً انفعالياً بسبب الكبرياء كما يحدث عادة مع البشر .. كلا إنه يغضب بسبب طبيعته فهو الإله القدوس البار الذى لا يطيق الخطية أبداً .. إن غضبه مقدس ، فهو يغضب بسبب قداسته .. إذا كنت تؤمن أن الله قدوس فهذا يُلزمك أن تقبل حقيقة أنه يغضب بسبب الخطية ، وأنه فى غضبه يحكم علي الخاطىء ويعاقبه عقاباً عادلاً ..
انتبه قارئى أيضاً إلي هذه الحقيقة الهامة .. الله ليس مثل الآلهة الوثنية التى تصـور عابـدوها أنه بإمكانهم أن يرضوها فترجع عن عداوتهـا لهم .. كلا ، فبرغم غضب الله علي الإنسان بسبب الخطايا إلا أنه لم يعتبر الخاطىء عدواً له فقلبه دائماً يحب الإنسان حتي وهو يفعل أبشع الآثام .. نحن لا نرضى الله لكى يتحول عن عداوته لنا .. كلا فالله لم يعتبرنا أعداءً له قط بل نحن الذين أظهرنا له العداوة بأعمالنا وأفكارنا ( كو ١ : ٢١ ) ، وهو الذى حرص علي إزالة هذه العداوة ( رو ٥ : ١٠ ) بسبب محبته لنا .. نعم الله يغضب علي الخاطىء لأنه الإله القدوس الذى لا يطيق الخطـية ولكنه فى ذات الوقت يُحب الخاطىء حباً كاملاً ..
حدثتنا رسالة يوحنا عن صفتين لطبيعة الله .. النور والحب ..
- الله نـور أى قدوس وبار ( عادل ) « الله نور وليس فيه ظلمة البتة » ( ١ يو ١ : ٥ ) .. لهذا يبغض الخطية ويغضب علي الخاطىء حين يفعلها ..
- « الله محبة » ( ١ يو ٤ : ٨ ) لهذا يحب الخاطىء حتي وهو يفعل الخطية .. لهذا قدّم للخاطىء الوسيلة التى يقدر بها أن ينجو من هذا الغضب العادل ..
ما هى هذه الوسيلة ؟ .. كلمة الله تجيبنا أنها إيمان القلب بكفارة الدم الكريم .. أن يقبل الخاطىء كفارة دم يسوع .. أن يؤمن بهذا الدم الثمين فلا يستمر غضب الله عليه .. تقول رسالة رومية :
« .. الفداء الذى بيسوع المسيح الذى قدّمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره [ قداسته ] » ( رو ٣ : ٢٤ ، ٢٥ ) ..
ويا لها من وسيلة لا تكلف الإنسان شيئاً لكن كم كانت مكلفة لله ، وكم كان تقديمها للخاطىء دليلاً علي أن الله يحبه حباً عجيباً :
« فى هذا هى المحبة ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا » ( ١ يو ٤ : ١٠ ) ..
إن طبيعة الله القدوس جعلته يغضب علينا بسبب آثامنا ولكن محبته العجيبة جعلته يقدم لنا الدم الثمين لنحتمى به من هذا الغضب .. فى المقطع الذى ندرسه من سفر اللاويين نري بوضوح أن الله هو الذى أعطي الدم للإنسان فى زمن العهد القديم لكى يحتمى به:
« أنا أعطيتكم إياه [ أى الدم ] علي المذبح للتكفير عن نفوسكم » ( لا ١٧ : ١١ ) ..
زمن العهد القديم
فى تلك الأيام كان علي الإنسان إذا أراد أن ينجو من غضب الله أن يُحضِر حيواناً بلا عيب من الحيوانات التى حدد الله أنواعها ويأتى به إلي مذبح المحرقة كى يُذبح .. وقبل الذبح كان يضع يده علي رأس الحيوان ( لا ٤ : ٢٤) ليعلن بهذا إيمانه بأن خطاياه قد انتقلت إليه وأنه سيقف مكانه ليتقبل عوضاً عنه قضاء الله .. سيذبح بدلاً منه ..
وبعد الذبح كان دم الحيوان المسفوك يُسكب علي المذبح ليُقدّم إلي الله .. وكان الله ينظر إلي هذا الدم الذى يُعبّر عن حياة جسد انتزعت بالموت ، فيري أن عدله فى عقاب هذا الإنسان قد استوفي حقه بذبح الحيوان البديل .. فلا يعود ينظر إلي خطايا هذا الإنسان ويزول عنه غضبه .. ولك أن تتصور السرور الذى كان يمتلىء به قلب الإنسان بعد أن يُقدّم الدم لله علي المذبح .. لقد غطي الدم آثامه ، حجبها عن عينى الله ، لن يعاقبه عليها .. لقد تحققت فيه كلمات المزمور القائلة « طوبي لمن سُترت خطيته » ..
ولكن كيف كان يتحقق عدل الله فى ذبح الحيوان بدلاً من الخاطىء ، والحيوان أدني من الإنسان بكثير ( عب ١٠ : ٤ ) ؟ .. أُذكّّر القارىء بما قلته فى موضع سابق وهو أن الله فى زمن العهد القديم كان يري فى الحيوان المذبوح ما يرمز إليه .. كان يري جسـد الـرب يسـوع البـار معلقاً علي الصليب يتقبل نيران غضبه علي الخطايا .. وكان يري فى الدم المسفوك لهذا الحيوان ما يرمز إليه .. دم الرب يسوع المسفوك علي الصليب ..
الكاهـن ورئيس الكهنة
لم يكن المؤمن فى العهد القديم هو الذى يقدم بنفسه الدم لله ، بل الكاهن هو الذى كان يُقدمه علي المذبح .. وفى يوم الكفارة الذى كان يأتى مرة كل عام لم يكن الكاهن بل رئيس الكهنة هو الذى يقدم الدم داخل قدس الأقداس الذى به تابوت العهد .. كان يدخل إلي هناك حاملاً دم كل من التيس والثور المذبوحين ينضح الدم علي غطاء التابوت وقدامه ( مكان الحضور الإلهى ) « فيُكفّر عن نفسه وعن بيته وعن كل جماعـة إسرائيل » ( لا ١٦ : ١٧ ) .. وتقول لنا الرسالة إلي العبرانيين إن هذا لم يكن سوي رمزاً للحدث الأعظم حينما صعد الرب يسوع بعد قيامته إلي السماء حاملاً دمه المسفوك :
« ليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة [ ليس مثل العهد القديم مرة كل عام ] إلي الأقداس [ عرش الله فى السماء ] » ( عب ٩ : ١٢ )
إن الكاهن ورئيس الكهنة فى زمن العهد القديم يرمزان إلي الرب يسوع .. فهو الكاهن ( عب ٧ : ١٧ ) ورئيس الكهنة ( عب ٤ : ١٤ ) فى العهد الجديد .. هو الذى قدّم الدم عنا ، دخل بالدم إلي عرش الآب فى السماء ، فلم يعد الآب يغضب علي كل من آمن بالدم الثمين ..
هللويا دم الرب يسوع يحجب كل خطايانا عن عينى الله .. هذا يعنى أن دينونة غضبه العادل علي الخطايا لن تأتى علينا أبداً .. لا ، لن نهلك لن نذهب إلي العذاب الأبدى بل سنحظي بالميراث العظيم الذى لا يفني ولا يتدنس ولا يضمحل المحفوظ فى السموات لأجلنــا ( ١ بط ١ : ٤ ) .. الآن يمكننا أن نغنى بفرح عظيم :
لن نهلك بسبب الدم ..
لنا الحياة الأبدية بسبب الدم ..
فيا لقدرة الدم .. بسبب أنه سُُفِك لأجلنا أمكن للرب يسوع الراعى العظيم أن يقول عنا نحن خرافه هذه العبارة التى لا تُقدّر بثمن :
« أنا أُعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلي الأبد “»
( يو ١٠ : ٢٨)
قارئى العزيز .. تحدثنا عن قيمة الدم أنه حياة الجسد ، وعن قدرة الدم أنه يكفّر .. يحجب عنا غضب الله وينقذنا من الهلاك الأبدى .. والآن هيا بنا إلي الحقيقة الثالثة وهى تكريم الدم ..
ثالثاً : تكريم الدم
نقرأ مرة أُخري هذه الأعداد لنري كيف درّب الله شعبه فى العهد القديم علي احترام وتكريم الدم المسفوك :
« لا تأكل نفس منكم دماً .. وكل إنسان .. يصطاد صيداً وحشاً أو طائراً يؤكل يسفك دمه ويغطيه بالتراب .. لا تأكلوا دم جسد ما » ( لا ١٧ : ١٢ ـ ١٤ ) ..
هكذا درب الله مؤمنى العهد القديم علي احترام وتكريم الدم بوصيته لهم ألا يعاملوا الدم معاملة الطعام العادى .. أوصاهم بأوامــر مشــددة ألا يأكلوه أبداً ( تك ٩ : ٤ ، لا ٣ : ١٧ ، تث ١٢ : ١٦ ، حز ٣٣ : ٢٥ ) ولا يتركونه علي الأرض لتدوسه الأقدام أو تأكله الطيور بل يغطونه بالتراب .. ولماذا هذا التكريم للدم ؟ .. من ناحية لأنه يحمل الحياة التى خلقها الله ومن ناحية أُخري أكثر أهمية لأنه استُخدم فى زمن العهد القديم للتكفير ، ليشير إلي الدم الثمين الكفارى دم الرب يسوع ..
قارئى الحبيب .. إن كان المؤمن فى زمن العهد القديم يُكرّم دماء الحيوانات فكم يكون تكريمك أنت لدم الرب يسوع المسيح ، الدم الذى أنقذك من الهلاك .. تأمل كيف كرّم الرسول بطرس هذا الدم حينما تحدث فى رسالته عن فدائنا العجيب :
« عالمين أنكم افتـُدِيتم [ أى تحـررتم بدفع فدية ] لا بأشـياء تفني بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التى تقلدتموها من الآباء بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح » ( ١ بط ١ : ١٨ ، ١٩ ) ..
الرسول بطرس يُعظّم دم المسيح قائلاً إنه أثمن من الذهب والفضة ويُعظمّه بقوله إنه دم كريم مستخدماً الكلمة اليونانية « timios » التى معناها ثمين ومُكرّم (٤).. فهل تتعلم من الرسول بطرس أن تُعظّم هذا الدم ..
- الدم الذى محا خطاياك فنجاك من الهلاك الأبدى ..
- الدم الذى أزال غضب الله عنك ففتح لك باب عرشه لتدخل باستمرار لتنال منه البركات العظيمة كابن ..
هيا عظّم الآن وبكل كيانك هذا الدم الذى نقلك من عبد مذنب هالك إلى أمير لا يخشي الموت لأنه يثق أنه لن يهلك .. أمير يثق أن له حياة أبدية بسبب إيمانه بالدم ..
هللويا .. لقد أزال الدم الغضب الذى كان علينا ..



