٨ – استندُ على العهد – عهد مختلف
الفصـل الثاني
عهد مختلف
ليس العهد الذى قطعه الله مع إبراهيم هو العهد الوحيد المذكور فى أسفار العهد القديم .. توجد عهود أُخري مثل عهد الله مع نوح ( تك ٩ : ١١ ) ، وعهده مع لاوى ( ملا ٢ : ٤ ، ٨ ) ، ومع داود ( ٢ صم ٢٣ : ٥ ) .. إلا أن أهمها هو العهد الذى قطعه مع شعبه فى سيناء بعد عهد إبراهيم بنحو ٦٠٠ عاماً.. كان عهداً مختلفاً أساسه الناموس ( طاعة وصايا الله ) وليس النعمة كالعهد مع إبراهيم .. ولم يكن عهداً من جانب واحد بل كان عهداً التزم فيه كل من الطرفين ، الله والشعب .. الله تعهد بأن يبارك الشعب بشرط أن يلتزم الشعب بما تعهد به من طاعة للناموس ..
ونتساءل لماذا تحوّل الله عن عهده المؤسس علي النعمة مع إبراهيم إلي عهده مع الشعب المؤسس علي الناموس ؟ ..
تقول رسالة غلاطية إن عهد الناموس جاء كإضافة مؤقتة أى شىء عرضى بين هذين العهدين المؤسسين علي النعمة ، عهد الله مع إبراهيم والعهد الجديد : « فلماذا الناموس . قد زيد بسبب التعديات » ( غل ٣ : ١٩ ) ..
لقد زيد الناموس كى يعرف الإنسان حالته أنه خاطىء وطبيعته فاسدة ، فاشل فى إرضاء الله ويحتاج إلي المخلص يسوع ..
فى هذا العهد أعطي الله لموسي الناموس الذى يشمل الوصايا المتعلقة بالسلوك وتلك التى تخص طقوس العبادة ( خر ١٩ ـ ٢٣ ) .. وتعهد الله بأن يلتزم بأن يبارك الشعب ويقوم برعايته وحمايته ولكن بشرط أن يلتزم الشعب بطاعة ناموسه .. أما إذا عصي الشعب الناموس فسيحرمه الله من البركات ويجلب عليه اللعنات :
« إن سمعتم لصـوتى وحفظتم عهدى تكونون لى خاصـة » ( خر ١٩ : ٥ ) ..
« البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التى أنا أُوصيكم بها اليوم . واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم » ( تث ١١ : ٢٧ ، ٢٨ ) ..
ويخبرنا سفر الخروج أن جموع الشعب رحّبت فوراً بعهد سيناء وأعلنت استعدادها لطاعة الناموس « أجاب جميع الشعب معاً وقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل » ( خر ١٩ : ٨ ) .. لكن هل أوفي الشعب بما تعهد به ؟.. الإجابةكلا .. ويا للعجب ، فلم يمضِ سوي وقت قليل علي ترحيبهم الحار بالعهد حتي كانوا بالفعل قد نقضوه .. ففى أثناء وجود موسي فوق الجبل ليتسلم العشرة وصايا الرئيسية لهذا العهد مكتوبة بإصبع الله علي لوحى الحجر ، كانوا بالفعل قد كسروا أهم هذه الوصايا بعبادتهم العجل الذهبى ( خر ٣٢ : ٤ ) ..
لقد فشلوا فى تنفيذ ما تعهدوا به فى سيناء ، بل أن المناسبات التى شهدت توبتهم وإعلان عزمهم من جديد علي الالتزام بالعهد لم تكن سوي مقدمات لعصيان أكبر .. وكمثال لقد قطعوا عهداً أمام يهوياداع « أن يكونوا شعباً للرب» ( ٢ أى ٢٣ : ١٦ ) ، فلما مات « تركوا بيت الرب.. وعبدوا السوارى والأصنام » ( ٢ أى ٢٤ : ١٨ ) .. وفى أيام حزقيا جددوا تعهدهم بطاعة الناموس ( ٢ أى ٢٩ : ١٠ ) لكن سرعان ما تحولوا إلي الخطايا وتمادوا فيها فى عهد ابنه منسي ( ٢ أى ٣٣ : ٩ ) .. ثم جددوا العهد ثانية فى أيام يوشيا الملك ( ٢ مل ٢٣ : ٣ ) فلما مات أمضوا ثلاثة عصور مظلمة فى الشر .. وفى أيام نحميا أعلنوا تعهدهم من جديد لكنهم أيضاً تحولوا بسرعة إلي الخطية كما نقرأ فى سفر ملاخى ..
وهكذا نكث الشعب العهد مراراً وتكراراً وفى كل مرة كانت تأتى عليهم اللعنات المذكورة فى هذا العهد ..
لعنات العهد
لقد كَسَرَ شعب الله عهد سيناء مرات ومرات لذا كثيراً ما تعرّض للعنـات .. قال الله « لم يثبتـوا فى عهـدى وأنا أهملتهم يقـول الرب» ( عب ٨ : ٩ ) .. وظهرت أقسي صور عصيانهم حينما رفضوا الرب يسوع الذى أتي ليضىء حياتهم بل وذبحوه .. لا ، لم يكن العيب فى عهد الناموس بل فى طبيعة قلوبهم البشرية الشريرة التى جعلتهم كباقى الناس دائمى الميل للخطية عاجزين عن الثبات فى رفضها .. لماذا إذاً قَطَعَ الله معهم هذا العهد ؟.. والإجابة كما درسناها بالتفصيل فى الكتاب السابق « الكل صار جديداً » هى أن هدف الله الرئيسى من تقديم الناموس هو إقناع الإنسان بأنه مذنب يحتاج إلي مخلص ينقذه من طبيعته الفاسدة التى جعلته عاجزاً تماماً أن يعمل الصلاح كما يريده الله ( رو ٧ : ١٣ ) .. كان القصد من عهد سيناء أن يدرك الإنسان عجزه عن أن يأتى إلي الله معتمداً علي إرادته وتعهداته .. كان القصد أن يري الإنسان احتياجه إلي المخلص والمنقذ ، إلي يسوع ( غل ٣ : ٢٤ ، رو ١٠ : ٤ ) .. وأنه به فقط يقدر أن يتقدم إلي الله كى لا يعامله علي أساس أعماله بل علي أساس النعمة ..
وآسفاه ، هناك مسيحيون كثيرون لا يزالون يحيون كما فى العهد القديم يقيمون علاقتهم مع الله علي أساس عهد سيناء !!.. يتعهدون بالطاعة ثم سريعاً ما يفشلون .. يقولون فى ذواتهم لن يباركنا الله إذا لم نفعل كل ما يطلبه منا ، إننا نتعهد بأن نفعل الكل .. النتيجة هى الفشل .. يختبرون مرارة فشل بطرس حينما اعتمد علي إرادته وَوَثَقَ فى نفسه ( مت ٢٦ : ٧٥ ) ..
قارئى العزيز ، أخشي أن تكون واحداً من هؤلاء .. لا تقطع عهوداً للرب لكن اعترف له بضعفك وعجزك عن حفظ نفسك .. ثم اعلن إيمانك بأن الرب هو الذى سيحفظك من الشر وهو الذى سيؤيدك بالروح القدس بالقوة التى تحتاجها كى تسير طائعاً له .. « إله كل نعمة .. هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويمكِّنكم » ( ١بط ٥ : ١٠ ) ..
لا ، لا تقطع عهوداً بل آمن بالوعود فأنت لست فى عهد سيناء .. لقد طَرَحَ الله بنفسه هذا العهد جانباً بعد أن حقق هدفه وأظهر للإنسان عجزه وحاجته إلي المخلص والمنقذ يسوع .. الله بنفسه هو الذى استبدل عهد سيناء بعهد آخر مختلف تماماً .. هو العهد الجديد.. وتم الإعلان عنه من خلال إرميا النبى الذى ظهر بعد موسـي بنحو ٨٠٠ عاماً وقبل ميلاد الرب يسـوع بـ ٦٠٠ عام ..
الإعلان عن العهد الجديد
كان إرميا يملك مشاعر مرهفة نحو الشعب وكان تأثره بالغاً بما أصابهم من أهوال بسبب خطاياهم .. لقد انهالت الدموع غزيرة من عينيه وهو يسجل ما جري لهم وما حدث لعاصمة بلاده أُورشليم ( مرا ٢ : ١ ، ١٢ ؛ ٤ : ٤ ـ٢٠ ) بسبب تعديهم علي وصايا الرب ونقضهم المستمر لعهد سيناء .. ويثير الانتباه أن هذا النبى الذى بكي علي كسر الشعب لعهد سيناء هو نفسه الذى استخدمه الله ليعلن من خلاله أنه سيرتبط معهم بعهد آخر مختلف .. لن يكون كعهد سيناء الذى جلب عليهم اللعنات مراراً .. لن يكون عهداً للعنات بل للبركات ..
فى إحدي الليالى وإرميا نائم أتي إليه الرب وأعطاه كلمات ليبلغها إلي الشعب ، وكم كانت الكلمات مفرحة جداً إذ أظهرت محبة الله العجيبة لشعبه وأنه أبداً لن يتركهم برغم كل آثامهم .. هذه بعض منها :
« أُسيّرهم إلي أنهار ماء فى طريق مستقيمة لا يعثرون فيها …
فيأتون ويرنمون .. ويجرون إلي جود الرب ..
وتكون نفسهم كجنة ريا ولا يعودون يذوبون بعد .
حينئذٍ تفرح العذراء بالرقص والشبان والشيوخ معاً
وأُحوّل نوحهم إلي طرب وأُعزيهم
وأُفرحهم من حزنهم ..
ويشبع شعبى من جودى »
( إر ٣١ : ٢ ، ٩ ، ١٢ ـ ١٤ )
استيقظ إرميا وتأمل فيما سمعه ففرح حتي أنه لذَّ له أن ينام مرة أُخري آملاً أن يواصل الرب هذا الحديث المُفرح :
« استيقظت ونظرت ولذَّ لى نومى » ( إر ٣١ : ٢٦ ) ..
ولم يخب أمل إرميا .. نام من جديد .. فأعلن له الرب متي ستتحقق هذه الوعود العظيمة التى سمعها فى نومه السابق .. متي سيحظي الشعب بالراحة .. متي سيبلغ أنهار المياه ويرنم وهو يجرى إلي جود الرب .. متي تشبع نفوسهم ويتحول نوحهم إلي طرب وحزنهم إلي فرح ورقص يشمل الجميع كباراً وصغاراً .. عرف إرميا من الرب أنه سيأتى وقت يقطع فيه الرب عهداً جديداً مع الشعب وتتحقق علي أساسه كل هذه الوعود الثمينة .. سيتحول الشعب المذلول إلي أُمراء .. لقد استلم إرميا من الرب فى نومه الذى لذ له أعظم رسالة .. الرسالة التى تضمنت أعظم الوعود بأن الله سيدخل مع شعبه فى عهد آخر جديد يختلف عن عهد سيناء :
« ها أيام تأتى يقول الرب وأقطع مع بيت إسـرائيل [العشرة أسباط ] ومع بيت يهوذا [ سبطى يهوذا وبنيامين] عهداً جديداً . ليس كالعهد الذى قطعته مع آبائهم [ فى سيناء] يوم أمسكتهم بيدهم لأُخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدى فرفضتهم يقول الرب . بل هذا هو العهد الذى أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب . أجعل شريعتى فى داخلهم وأكتبها علي قلوبهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لى شعباً . ولا يُعَلِّمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحـد أخاه قائلين اعرفوا الرب لأنهم كلهم سيعرفوننى من صغيرهم إلي كبيرهم يقول الرب . لأنى أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد » ( إر ٣١ : ٣١ ـ٣٤)
الله يؤكد بهذه الكلمات أنه سيدخل مع شعبه فى عهد مختلف تماماً عن عهد سيناء .. لاحظ كيف قال إنه سيقطع « عهداً جديداً ليس كالعهد [ عهد سيناء ] » .. وتعلّق الرسالة إلي العبرانيين قائلة :
« فإذ قال [ الله ] جديداً عتّق الأول [ أى جعل عهد سيناء عهداً قديماً ] . وأما ما عتق [ صار قديماً ] وشاخ فهو قريب من الاضمحلال » ( عب ٨ : ١٣ ) ..
وهكذا تقول الرسالة إلي العبرانيين بوضوح إنه فى اللحظة التى أعلن الله فيها لإرميا عن العهد الجديد صار عهد سيناء عهداً قديماً وانتقل إلي مرحلة الشيخوخة ليقترب من الاضمحلال والزوال .. ومتي حدث ذلك ؟ .. لقد مرت سنوات وسنوات بعد إرميا ولم نسمع أن الله قطع هذا العهد وكما لو كان الأمر قد أصبح فى طى النسيان.. ثم بعد ذلك بنحو ٦٣٠ عاماً جاء الرب يسوع بالجسد إلي أرضنا وبدأ كرازته المجيدة وظل الوقت يمضى يوماً وراء يوم وشهراً وراء شهر والناس تجتمع حول الرب لتستمع إليه لكنه لم يذكر ولا كلمة واحدة عن هذا العهد الجديد .. إلي أن بات موته وشيكاً وساعات محدودات تفصل بينه وبين الصلب ، فإذا به يُفاجىء تلاميذه فى عشائه الأخير معهم بذكر هذا العهد .. أمسك الكأس بيده وشَكَرَ ثم قال لهم :
« اشربوا منها كلكم . لأن هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا »
( مت ٢٦ : ٢٧ ، ٢٨ )
يا لها من لحظة خالدة ، نقطة التحول الفاصلة .. الرب يسوع يعلن فى هذا الوقت المناسب تماماً زوال العهد القديم .. زوال عهد الناموس واللعنات بلا رجعة وبداية العهد الجديد .. بداية التزام الله بالعهد الجديد عهد النعمة والبركات .. كما يعلنه عهداً مؤسساً علي دمه الثمين ، لأن الدم وليس أى شىء آخر هو الذى يجعل الله يظل عادلاً وباراً وهو يتعامل مع النفوس علي أساس العهد الجديد.. بالنعمة مُغدقاً عليها ببركات هذا العهد العظيمة ..
قارئى العزيز ، اشكر الله معى الآن من أجل هذا الدم ومن أجل العهد الجديد .. العهد العظيم الذى تأسس عليه ..
عهد عظيم وأبدى
نعم هو عهد عظيم يفوق عهد سيناء بما لا يقاس :
- فبينما تأسس عهد سيناء علي دماء الذبائح الرمزىة فإن العهد الجديد تأسس علي الدم الحقيقى الذى كانت ترمز له هذه الذبائح .. دم الرب المسفوك الثمين الذى قالت عنه الرسـالة إلي العبرانيين إنـه « دم العهـد الأبـدى» (عب ١٣ : ٢٠ ) ..
- وبينما ارتبط عهد سيناء بموسي النبى الذى وقف وسيطاً بين الله والشعب أثناء إعطاء العهد ( تث ٥ : ٥ ، ٢٧ ) ، فقد ارتبط العهد الجديد بمن هو أعظم بكثير .. الرب يسوع « وسيط العهد الجديد » ( عب ١٢ : ٢٤ )لذلك فهو عهد أعظم « هو [ يسوع ] وسيط .. لعهد أعظم» ( عب ٨ : ٦ ) ..
- وبينما اقتصر عهد سيناء علي الشعب اليهودى فإن العهد الجديد يشمل جميع المؤمنين بالرب من كل الشعوب ..
- وبينما كانت الأعمال هى أساس التمتع ببركات عهد سيناء فقد أصبحت النعمة هى الأساس الراسخ لكل بركات العهد الجديد ..
الناموس والنعمة
لقد كانت طاعة الناموس هى أساس مباركة الله لشعبه فى العهد القديم ، الأمر الذى فشل فشلاً ذريعاً الشعب فى تحقيقه.. وعلي الرغم من أن « الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلـة وصالحـة » ( رو ٧ : ١٢ ) إلا أنه لم يعطِ الإنسان القدرة علي طاعته ، فقد كان دوره أن يُظهـِر حقيقـة عجز الإنسان وبالتالى احتياجه إلي النعمة.. أما فى العهد الجديد فأساس مباركة الله لنا هو النعمة.. الله يتعامل معنا بالنعمة الغنية .. بفيض من البركات لأنه لا يحسب لنا خطية بسبب إيماننا بالدم الكريم ..
كان المؤمن فى العهد القديم ينال البركات نتيجة التزامه بالعهود التى قطعها مع الرب ، وعادة ما كان يفشل فى الوفاء بها .. أما فى العهد الجديد فالمؤمن ينال البركات نتيجة اعتماده علي النعمة وليس أعماله .. يؤمن أن له البركات فينالها .. اقـرأ بنود العهد الجديد فى الآيـات التى اقتبسـناها منذ قليـل ( إر ٣١ : ٣١ ـ ٣٤ ) أو اقرأهـا فـى ( عب ٨ : ١٠ ـ ١٢ “؛ ١٠ : ١٦ ، ١٧ ) وستري أنه عهد مثل عهد الله مع إبراهيم .. عهد فيه الالتزام من جانبواحد فقط هو الله .. وتسأل: ما هو دورى إذاً ؟.. عليك أن تصدّق هذا العهد وأن تقبله فتحظي ببركاته العظيمة ..
يا للفرق المذهل بين العهدين !! .. فى عهد سيناء الله يقول للإنسان أطع لتنال البركات وكانت النتيجة فشلاً ذريعاً .. أما فى العهد الجديد فالله يقول للإنسان استقبل بركاتى أولاً .. تمتع بها مجاناً .. حينئذ ستقدر أن تطيعنى ..والنتيجة هى انطلاق كل مَنْ آمن بالرب يسوع من سجون المذلة واليأس والقيود إلي دوائر النجاح والمجد وإلي حيث التعويض الكثير ..
سارة أم هاجر
مع اقترابنا إلي نهاية هذا الفصل ، يحلو لى أن أقدم لك قارئى مشهداً تصويرياً يقدم لنا مقارنة بين كلا العهدين وإن جاز التعبير هو مشهد التقطته لنا عدسة الروح القدس ثم عرضه لنا علي صفحات أول أسفار الكتاب المقدسسفر التكوين ..
المشهد هو من حياة رجل الله إبراهيم .. لقد وعده الله أن يكون له نسل فلما لم تنجب سـارة امرأته اتخـذ هـاجر الجـارية زوجة له وأنجب منها إسماعيل .. وللأسف لم يكن إسماعيل هو النسل الذى وعده الله به لذا كم كان مؤذياً ومصدراً للمرارة .. ولم يكن من الغريب أن تتوقف ظهورات الله لإبراهيم طوال ثلاث عشرة سنة منذ أن حملت هاجر بهذا الابن ..
لقد أنجب إبراهيم إسماعيل حين كانت لديه القدرة الطبيعية علي الإنجاب .. لكنه فَقَدَ هذه القدرة بمرور الزمن وأصبح عاقراً مثل سارة .. رغم ذلك آمن كل من إبراهيم وسارة بحدوث المستحيل .. آمنا أنهما سينجبان الابن الذى بحسب مشيئة الله .. تقول لنا رساله رومية « وإذ لم يكن [ إبراهيم ] ضعيفاً فى الإيمان لم يعتبر جسده وهو قد صار مماتاً إذ كان ابن نحو مئة سنة ولا مماتية مستودع سارة. ولا بعدم إيمان ارتاب فى وعد الله بل تقوّي بالإيمان معطيـاً مجـداً لله» ( رو ٤ : ١٩ ، ٢٠ ) .. وماذا كانت نتيجة إيمانهما ؟.. أنجبا إسحق .. النسل الذى وَعَدَ به الله وتحققت فيه الوعود العظيمة ..
كيف نري فى هذا المشهد مقارنة بين العهدين ؟ .. إن سارة ترمز إلي العهد الجديد وهاجر إلي القديم .. هذا ما أعلنه الروح القدس فى رسالة غلاطية :
« مكتـوب أنه كان لإبراهيم ابنان [ إسماعيل وإسحق ] واحـد من الجـارية والآخـر من الحـرة . لكن الـذى من الجاريـة [ هاجر ] وُلِد حسب الجسد [ بقدرة إبراهيم الطبيعية ] وأما الذى من الحرة [ سـارة ] فبالموعـد [ بإيمـان إبراهـيم وسـارة ] . وكل ذلك رمز لأن هاتين [ سارة وهاجر ] هما العهدان أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذى هو هاجر » ( غل ٤ : ٢٢ ـ ٢٤ ) ..
إبراهيم بقدرته الطبيعية أنجب إسماعيل من هاجر ظناً منه أنه بذلك يحقق خطة الله أن يكون له نسل .. إنه يمثلنى حين أعتمد علي قدرتى الطبيعية فى طاعة الوصايا كما لو كنت تحت العهد القديم ( عهد الناموس ) كى أُحقق ما يريده الله منى من قداسة وإثمار والنتيجة أننى أُنجب إسماعيل نبع للمرارة ..
أما إنجاب إسحق من سارة بعد أن صار إبراهيم عاجزاً فهو يتحدث عنى حين أُدرك عجزى الذاتى وفشل قدرتى الطبيعية فى تحقيق ما يريده الله منى ، فأطرح قدرتى الطبيعية جانباً وأتوقف عن قطع العهود ( هاجر ) وأعتمد علي النعمة ( سارة ) لأننى فى العهد الجديد.. أري فشلى فأضع نفسى تحت النعمة .. أُؤمن بأن الله أمين معى .. أثق أنه يهبنى كل ما أحتاج إليه مجاناً بالنعمة بسبب إيمانى بكفارة يسوع والنتيجة أن أُنجب إسحق .. يملأنى الله بالروح.. والروح يهبنى القدرة علي القداسة والإتيان بالثمار العظيمة التى تمجد الله ..
هل تريد قارئى العزيز أن تحيا فى القداسة ؟
- إن سلكت بحسب عهد سيناء ( الناموس ) ستعتمد علي قدرتك الطبيعية فتضغط علي نفسك وتقسو علي جسدك كى تتحكم فى غرائزك .. وقد تنجح فى ذلك لكنك ستنجب إسماعيل « إنساناًً وحشياً » ( تك ١٦ : ١٢ ) .. العناد والرغبة فى السيطرة .. قد تنجح فى ضبط نفسك لكنك لن تحظي بالفرح والسلام وتصير مؤذياً لغيرك كإسماعيل .. كما لن تتمتع بحضور الله كإبراهيم ..
- أما إن آمنت أنك فى العهد الجديد ( النعمة ) واعترفت بعجزك واعتمـدت علي الـروح القـدس ووثقت فى كلمة الله القائلة « الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة » ( رو ٦ : ١٤ ) فستتحرر من سيطرة الخطية وتمتلك القدرة علي ضبط النفس ( التعفف ) ثمر الروح ( غلا ٥ : ٢٣ ) .. ستنجب إسحق وستمتلىء حياتك بالمجد والبهجة ..
وأنت يا من تخدم الرب هل لم تلمس بعد الثمر والانتعاش الإلهى أو لم تقدر أن تنطلق من حالتك الراهنة التى لا ترضيك علي الرغم من الإيمان الذى تعلنه فى صلواتك ؟ .. إحذر أن تفعل مثل إبراهيم حينما لم تنجب سارة ..إحذر أن تذهب إلي هاجر .. أن تهجر الصلاة وتتحرك بحماس الطبيعة البشرية معتمداً علي طاقاتك الطبيعية مندفعاً لتقليد الآخرين .. نعم ستنجب ثمراً لكنه سيكون إسماعيل وليس إسحق .. تذكّر أنك فى العهد الجديد ، عهد الاعتماد علي النعمة .. استمر في صلواتك متمسكاً بإيمانك أن الله سيعمل بك علي أساس النعمة .. وسيأتى الوقت حتماً وستنجب من سارة إسحق العظيم ..
هل أعنى بما أقوله أننى لا أريدك أن تعمل شيئاً .. لا تُسىء الفهم فحينما تتخلي عن قوتك الطبيعية وتتطلع إلي عطاء الله المجانى لك ( النعمة ) سيعمل الروح فيك لتثمر أعمالاً .. لكنها ليست أعمال مصدرها طبيعتك القديمة وليس هدفها التكفير عن خطاياك بل مصدرها الروح القدس وهدفها تمجيد الله .. ستتحقق معك كلمات رسالة فيلبى :
« الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة »
( فى ٢ : ١٣ )
أبى السماوى ..
فى محضرك أُعلن أننى سأنطلق
من مجد إلي مجد .. وسأكون دائماً فى الارتفاع ..
نافعاً لخدمتك .. وحياتى بجملتها تكون لمجدك ..
ليس لثقتى فى نفسى لكن لثقتى بك ..
أنك ملتزم بى .. بهذا العهد الأعظم ..
العهد الجديد .. عهد المجد والتعويض الكثير ..
هللويا ..



