فكر في المكافآت

١ – لخـدمتــه و لمــجـده

بينما كان نحميا يقود الشعب في إعادة بناء سور أُورشليم مرة أُخري  ، أرسل إليه اثنان من أعدائه طالبين منه أن ينزل للقائهما في بلدة أُونـو التي تقع في منتصف المسـافة بين أُورشليم والسامرة.. لقد تظاهرا بالرغبة في مساعدته والتعاون معه بينما كانا يدبران له شراً .. فكانت إجـابة نحميا لهما هي :

« إني أنا عامل عملاً عظيماً فلا أقدر أن أنزل [ إلي أونو . لماذا يَبطـل ] يتوقف  العمل بينما أتركه وأنزل إليكما »

( نح ٦ : ٣ )

ولم ييأس هذان العدوّّان فقـد أرسـلا نفس الرسالة إلي نحميا أربع مرات متلاحقـة وفي كل مرة كانت إجابة نحميـا لا تتغـير  « إني عامـل عمـلاً عظيماً » ..

لقد رأي نحميا أن العمل الذي  كلّفه به الله هو عمل عظيم ولهذا لن يسمح لأحد أن يعوقه عن إتمامه .. القاريء العزيز ، ليس نحميا فقط هو الذي  يستطيع أن يقول عما يعمله إنه عمل عظيم بل أنت وأنا وكل مؤمن حقيقي يخضع للرب عاملاً الأعمال التي يريده أن يفعلها .. فقد جعلنا الله أُمراء في علاقتنا به ، ولهذا فإن أعمالنا هي أعمال عظيمة تليق بأُمراء الله ..

إن كل عمل يريدك الرب أن تفعله هو عمل عظيم أياً كان مجاله سواء في داخل الأسرة أو العمل أو الكنيسة ، ببساطة لأن الله العظيم هو الذي  يريدك أن تفعله وهو الذي  يؤيدك بالقوة التي تُمكّنك من إتمامه بنجاح ، وبهذه الأعمال نحقق قصد الله العظيم من وجود كل منا علي الأرض .. إننا نخدمه بها ولكن ليست خدمة العبيد لسيّد يذلهم ، بل خدمة الأبناء لأبيهم الذي  يحبهم كثيراً ويعاملهم كأُمراء .. تأمل معي هذه الآية التي ذكرتها الرسالة إلي العبرانيين ضمن حديثها عن فاعلية دم المسيح الثمين:

« دم المسيح .. يُطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحيّ »

( عب ٩ : ١٤ ) ..

هذه الآية تشير إلي التحول العجيب الذي  حدث لطبيعة أعمالنا الصالحة .. فقبل أن ننال الخلاص ونتطهر بالدم الثمين كنا نقوم بأعمال عن اعتقاد أنها صالحة ، بينما في الحقيقة هي أعمال ميتة شأنها شأن أعمالنا الشريرة لأنها كانت تصدر عن الطبيعة الفاسدة التي ورثناها عن آدم .. فأي إنسان قبل أن ينال الخلاص هو شخص ميت لانفصـاله عن الله الحي «  وإذ كنتم أمواتاً في الخطـايا [ قبل نـوال الخـلاص.. أحيـاكم معه ] مع المسيح  » (  كو ٢ :  ١٣  ) ، لهذا فإن كل أعماله هي أعمال ميتة في نظر الله حتي وإن كانت تبدو حسنة في عيون الآخرين كإنفاق الأموال علي الفقراء .. أما بعد أن ينال الخاطيء الخلاص فإن أعماله الصالحة تصدر من طبيعته الجديدة التي نالها في الميلاد الثاني وبدافع من الروح القدس الذي  فيه، لهذا فهي أعمال ليست ميتة بل عظيمة يخدم بها إلهه الحي ..

هل أدركت هذه الحقيقة الهامة أن حياتك الآن علي هذه الأرض هي لأعمال عظيمة تخدم بها إلهك الحي ؟ .. هذا هو موضوع هذا الفصل ، فتعال معي نرفع هذه الصلاة بإيمان :

 إلهي العظيم ..

 لتكن كل أيام حياتي على

 الأرض لخدمتك ولمجدك ..

 باسم الرب يسوع سأعمل

 الأعمال العظيمة ولن يقدر

 إبليس أن يعوقني ..

أدعوك الآن قارئي لنتأمل معاً في هذا المقطع الشيّّق من رسالة أفسس الأصحاح الثاني :

« لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم. هو عطية الله . ليس من أعمال .. لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها »

(  أف ٢ : ٨ – ١٠ )

في الجزء الأول من هذا المقطع تلمع أمامنا هذه الكلمات « بالنعمة.. بالإيمان .. عطية .. ليس من أعمال »  ، التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن نوالنا الخلاص لم يكن بسبب أي أعمال قمنا بها، إنما هو هبه الله المجانية لنا بسبب إيماننا القلبي بالرب يسوع .. أما الجزء الثاني فيحثنا نحن الذين نلنا الخلاص أن نمارس الأعمال الصالحة مبرزاً هذه الحقيقة الثمينة أننا « نحن عمله » .. وكلمـة « عمله » باليونانيـة « poieema » تشـترك في الأصل اللغوي مع كلمة « poieesos » التي تعني عملاً فنياً وبالأخص كتابة الشـعر ومنها جـاءت كلمـة قصيـدة بالإنجليزيـة « poem » ..

القاريء العزيز ، يا من حظيت بالخلاص ونلت الميلاد الثاني ، هل تدرك أنك عمل القدير ؟.. أنت عمل الله .. أنت عمله الفني الرائع .. أنت قصيدته المبهرة .. وهو لا يريدك عملاً لا يراه أحد أو قصيدة لا يتلذذ بها الآخرون .. بل عملاً فنياً يتعرف من خلاله الكثيرون علي صانعه العظيم .. سيحدث ذلك كما تقول رسالة أفسس حين تسلك في الأعمال الصالحة التي سبق الله وأعدها لكي تسلك فيها ..

لكن انتبه ، فليس المراد بالأعمال الصالحة فقط العمل علي خلاص الآخرين ومساعدة الفقراء وزيارة المرضي بل كل الأعمال التي تفعلها طاعة لكلمة الله وتعملها لمجده بما فيها عملك وتصرفاتك وسط أهل بيتك ..

كم تحثنا كلمة الله مراراً علي السلوك في الأعمال الصالحة ، فرسالة تيطس تقول إننا قد افتُدينا من كل إثم وتطهرنا لنكون « شعباً خاصاً [ للرب ]غيــوراً [ متحمساً ] في أعمــال حســنة » ( تي ٢: ١٤ ) .. والرسالة الثانية إلي تيموثاوس تذكر أن المؤمن يتعلم من الكتاب المقدس لكي يكون « متأهباً لكل عمل صالح » ( ٢ تي ٣ : ١٧ ) ، كما تطالبنا الرسالة الأُولي أن نكون « أغنياء في أعمال صالحة » ( ١تي ٦ : ١٨ ) ..

إن الأعمال الصالحة هي أعمال عظيمة لخدمة الرب ولمجده لذلك تدفعنا الكلمة أن نكون غيورين فيها متأهبين لها وأغنياء فيها ، وتشرح لنا هذه الحقيقة الهامة في صورتين تعبيريتين وصفت بهما المؤمن ، وهما :

  • سراج غير مُخبأ
  • وملح غير فاسد

أولاً : سراج غير مُخبأ

إن أشهر جزء من كلمة الله تحدَّث عن أهمية أعمال المؤمن الصالحة هو تلك الآيات التي قالها الرب يسوع خلال الموعظة الشهيرة علي الجبل :

« أنتم نور العالم. لا يمكن أن تُخفي مدينة موضوعة علي جبل. ولا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال بل علي المنارة فيُضيء لجميع الذين في البيت. فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي  في السموات »

( مت ٥: ١٤ – ١٦ )

يقول الرب إن أعمالنا الحسنة تجعل الناس يمجدون الآب .. يا للفارق ، فحينما يصنع الخطاة أعمالاً حسنة يمدحهم عليها الناس ، فإن ذلك يمجدهم وليس الله .. أما نحن فحتي ولو امتدحنا الناس علي أعمالنا الحسنة فيجب أن يظل إيماننا ثابتاً بأن هذا سيؤدي إلي تمجيد الله .. لنتذكر دائماً كلمات الرسالة الأُولي إلي كورنثوس التي تقول لنا :

« افعلوا كل شيء لمجد الله »

( ١كو ١٠: ٣١ )

ليست أعمالنا الحسنة أعمالاً عادية كتلك التي يفعلها غير المؤمنين وإلا لاكتفي الناس بمدحنا وتمجيدنا وليس الله .. إن وراء أعمالنا الروح القدس ، هو الذي  يصبغها بالمحبة غير العادية والإخلاص الشديد والأمانة المدققة في كل شيء .. نعم الروح هو الذي  يجعل أعمالنا أعمالاً عظيمة تؤثر في الناس تأثيراً غير عادياً كتأثير النور في الموضع المظلم .. الروح يجعلها أعمالاً مضيئة تُظهِر للناس عظمة إلهنا .. لاحظ أن الرب لم يقل « أضيئوا نوركم » بل « فليضيء نوركم » فلسنا نحن الذين نضيء النور بل الروح القدس هو الذي  يضيء من خلالنا حينما نخضع له ولا نحزنه باستسلامنا لأية خطية ..

الروح القدس يُضيء أعمالنا لتصبح أعمالاً شاهدة للرب والروح هو أيضاً الذي  يعمل في الناس فيرون أن أعمالنا الحسنة مختلفة عن أعمالهم ويدركون أن سبب هذا الاختلاف هو إيماننا بالرب يسوع.. تذكّّر كلمات الرب عن الروح القدس «  هو يشهد لي » (  يو ١٥ :  ٢٦ ) ، « ستنالون قوة متي حــل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهوداً » ( أع ١ : ٨ ) ..

لكن هل دائماً ما تتجاوب النفوس التي تري أعمالنا مع الروح القدس وتمجد الله الذي  غيّر سلوكنا ؟ .. لنقرأ ما قاله الرسول بطرس في هذا الأمر :

«  أطلب إليكم .. أن تكون سيرتكم بين الأُمم [ غير المؤمنين ] حسنة لكي يكونوا في ما يفترون عليكم كفاعلي شر يمجدون الله في يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التي يلاحظونها »

( ١بط ٢ : ١٢ )

من هذه الكلمات نفهم أنه قد يحدث أحياناً أن تغالط بعض النفوس الحقيقة وترفض أن تعترف بالنور أنه نور فلا تقر بأن أعمالنا حسنة متميزة عن أعمالهم بل وقد تفتري علينا واصفة إيانا بصفات رديئة كالتي يوصف بها فاعلو الشر .. هل سيستمر الأمر هكذا ؟ كلا .. كلا ، فإن افتري البعض علينا فسيأتي حتماً اليوم الذي  سيقرون فيه بالحقيقة وعندئذ سيمجدون الله من أجل ذات أعمالنا الحسنة التي كذبوا من قبل في حكمهم عليها ..

ما هو هذا اليوم ؟ .. الرسول بطرس يقول إنه يوم الافتقاد ( لو ١٩ : ٤٤ ) ، يوم افتقاد الله لهم سواء افتقاده بالرحمة أو بالقضاء :

  • بالرحمة.. حينما يفتقدهم بمعاملات خاصة يُظهِر لهم بها حبه ونعمته واستعداده لقبولهم فيتوبون ويقبلون خلاصه ..
  • أو بالقضاء .. في اليوم الذي يزورهم فيه لكي يعاقبهم علي رفضهم نعمته فيضطرون إلي الاعتراف بالحقيقة التي أنكروها ..

القاريء العزيز .. كن حريصاً علي السلوك في الأعمال الحسنة بإيمان أن الروح القدس يضيئها لتكون أعمالاً عظيمة تشهد للرب وتمجده ..

لقد شبّه الرب المؤمن في الموعظة علي الجبل بالسراج الموقد [ المشتعل ] « لا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال بل علي المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت » ( مت ٥: ١٥ ) .. كما تحدَّث عن يوحنا المعمدان في إحدي المناسبات قائلاً عنه «  كان هو السراج الموقـد [ المشـتعل ] المنيــر [ المضـــيء] » ( يو ٥ : ٣٥ ) .. الرب يريدنا جميعاً أن نكون سراجاً مشتعلاً مثل يوحنا المعمدان نضيء للناس فيعرفون الرب ..

كان السراج في ذلك الوقت يشتعل بالزيت ولن نشتعل سوي بزيت الروح القدس .. هو الذي  يجعل قلوبنا ملتهبة بمحبة الرب فتشهد أعمالنا وكلماتنا عنه بقوة لنحقق كلمات رسالة فيلبي القائلة :

«  في وسط جيل معوج وملتو تضيئون بينهم كأنوار في العالم »

(  في ٢ : ١٥  )

أنت سراج مضيء بالروح القدس فلا تحجب نور هذا السراج بأن تضعه تحت مكيال أو سرير:

  • « لا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال » ( مت ٥ : ١٥ ) ..
  • « هل يُؤتي بسراج ليوضع تحت المكيال أو تحت السرير » ( مر ٤: ٢١ ) ..

احذر المكيال

كان المكيال يُستخدم قديماً كوحدة قياس أساسية في تجارة الغلال ، ولهذا فهو يُذكّّرنا بالتعاملات المالية .. فما معني أن تضع السراج تحت المكيال؟ .. معناه أن تعطي لأُمورك المالية الأولوية الأولي قبل أُمورك الروحية وأن يصبح لها اهتمامك الأول وتعطيها أفضل أوقاتك .. تنشغل بها أكثر مما ينبغي فيقل الوقت الذي  تصرفه مع الرب ومع كلمته ويتعذر عليك المشاركة في خدمته وتتناقص عدد المرات التي تحضر فيها اجتماعات المؤمنين الحيّّة للعبادة أو التعليم ، والنتيجة يتعطّل نموك الروحي وتبرد تدريجياً محبتك لله وللآخرين ويزداد إهمالك لواجباتك العائلية وباختصار تُحزِن الروح القدس .. وهكذا شيئاً فشيئاً يسيطر عليك الهم والارتباك ولا يعود الناس يرونك فرحاً بل حتماً سيلاحظون هبوط معنوياتك وستفشل في أن تخفي هذه الحقيقة عنهم ..

لقد حذرتنا كلمة الله من أن نجعل أُمور العمل تطغي علي حياتنا وتستنفذ من أوقات راحتنا وتمتعنا بحياتنا العائلية ، فمزمور ١٢٧ يقول :

« إن لم يبن الرب البيت فباطلاً يتعب البنـاؤون. إن لم يحفظ الـرب المدينـة فباطـلاً يسهر الحراس. باطل هو لكم أن تُبكّروا إلي القيام مؤخرين الجلوس [العمل لأوقات طويلة] آكلين خبز الأتعاب [ خبز الأعمال المضنية NAS ] . لكنه يعطـي حبيبه نوماً [ الأصل العبري يسمح بالترجمة : يعطـي حـبيبه حـتي وهو نائم ( NAS, TEV, TJB )] »

( مز ١٢٧ : ١ ، ٢  )

هذه الكلمات تقول لك :

  • لن يُبني عملك ولن يُحفظ إن لم يبنه الرب ويحفظه .. فإن لم يكن له المكانة الأُولي في قلبك فلن يؤدي عملك إلي الازدهار بل الإنهاك .. كما سيتعطل ويُسلب ..
  • لن يفيدك أن تعطي عملك وقتاً أكثر علي حساب راحة جسدك [ النوم ] أو مشاركة أهل بيتك في مجالات الشركة الرئيسية ..
  • لن يسمح الرب بأن تصيبك خسارة إذا أعطيت لجسدك الوقت الذي يحتاجـه للراحة والنوم أو لعائلتك كي تتمتع بالشركة معها ، فهو يعمـل لنجاحـك حتي وأنت نائم .. لا تنسَ أنه أعطي هؤلاء وهم نائمون آدم ( تك ٢ : ٢١ ، ٢٢ ) وإبراهـيم ( تك ١٥ : ١٢ ـ ١٦ ) وسليمان ( ١ مل ٣ : ٥ ـ ١٣ ) .. إنه يريدك متزناً في حياتك ، تتمتع بالراحة دون كسل وتجتهد في العمل دون إعياء ..

القاريء العزيز ، هل تود أن تظل نوراً للعالم كمدينة قائمة علي الجبل يراها الجميع ؟ .. ارفض أن تضع السراج تحت مكيال الأُمور المالية :

  • ارفض أن تضع عملك قبل علاقتك مع الرب ..
  • أَخْضِع كل ما تفعله في العمل لكلمة الرب ..
  • لا تستسلم للهم بل في كل مرة يحاول أن يمتلكك أسرع بإلقائه علي الرب كما هو مكتوب « ملقين كل همكم عليه لأنه هو يعتني بكم » ( ١ بط ٥ : ٧ ) ..

وأخيراً إن كنت من رجال الأعمال تذكّر أن الرب يحتاج إلي رجال أعمال ناجحين يضيئون في العالم شاهدين له بأعمالهم ..

لا .. لا تخبيء سراجك تحت أي مكيال ..

واحذر السرير

الرب يقول « هل يؤتي بسراج ليوضع .. تحت السرير » ( مر ٤ : ٢١ ) .. السرير هنا يتحدث عن التراخي ، يمكننا أن نري فيه تعبيراً عن الحياة الكسولة التي لا تُقدّّر قيمة الوقت ولا تستثمر الفرص المتاحة .. لنرفض أن يوضع سراجنا المنير تحت هذا التراخي « الرخاوة لا تُمسك صيداً. أما ثروة الإنسان الكريمة فهي الاجتهاد » (  أم ١٢ : ٢٧  ) .. ولنمارس أعمالنا الحسنة باجتهاد ونشاط « كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك » ( جا ٩: ١٠ ) .. « لا ترخِ يدك » ( جا ١١ :  ٦ ) .. « غير متكاسلين في الاجتهـاد. حارين في الروح » ( رو ١٢ : ١١ ) .. ولنسعي بجدية من أجل أن يهبنا الرب من مواهب الروح ما يساعدنا علي الشهادة الفعالة للرب «جدوا للمواهب الحسني » ( ١كو ١٢:  ٣١ )..

ارفض أن يوضع سراجك تحت سرير يحجب ضوءه:

  • ارفض أن تنام أكثر من القدر الذي يحتاجه جسدك .. ارفض أن تنام في وقت يجب أن تعمل فيه « إلي متي تنام أيها الكسلان. متي تنهض من نومك » ( أم ٦ : ٩ ) ..
  • توقف عن تصور الأُمور المخيفة والمبالغة في تقدير الأخطار بما يجعلك تفقد معنوياتك وتستسلم للكسل « قال الكسلان الأسد في الخارج فأُقتل في الشوارع » ( أم ٢٢: ١٣ ) ..
  • اغلق المجال أمام أية أفكار تُصوّر لك أن طريقك مليء بالأشواك التي تأتي بالفشل .. اُرفض الأفكار التي تُصعّب الأُمور أمامك مما يفقدك الحماس ويُسلمك للكسل .. « طريق الكسلان [ يراه ] كسياج من شوك وطريق المستقيمين منهج [ يرونه ممهداً ] » ( أم ١٥ : ١٩ ) ..

لا تخـبيء سراجك تحت السرير .. اُرفض الاستسلام للكسل وامتليء بالإيمان مردداً كلمات كالب رجل الإيمان إننا قادرون عليها (  عد ١٣ : ٣٠ ) .. لا ، لم يُعدّ الله لك أعمالاً لتسلك فيها لكي تفشل .. كلا بل لتنجح نجاحاً عظيماً كواحد من أُمراء مملكة الرب ..

ثانياً : ملح غير فاسد

قال الرب للمؤمنين « أنتم ملح الأرض » ( مت ٥: ١٣ ) .. أي أننا للأرض كالملح للطعام .. فما هي سمات وخصائص الملح ؟ ..

١- ملح للحفظ

عندما قال الرب « أنتم ملح الأرض » لم تكن المبرِّدات ( الثلاجات ) قد عُرفت بعد ، وكان الملح هو المادة المستخدمة لحفظ الأطعمة سليمة أطول فترة ممكنة لما فيه من خصائص تحميها من الفساد.. لهذا السبب أيضاً كان أي شخصين يقطعان عهداً معاً يأكلان الملح سوياً إشارة إلي إيمانهما بأن العهد بينهما سيدوم ( عد ١٨: ١٩ ) ..

عندما يعيش المؤمنون أُمناء للرب ويسلكون في الأعمال التي أعدها لهم فإنهم يكونون كالملح يعطلون انتشار الفساد في المكان الذي  يعيشون فيه ، كما يساعدون علي حفظه من الأذي .. وإليك أمثلة علي ذلك :

  • سَلَكَ إبراهيم في الأعمال التي أعدها الله فكان ملحاً حفظ لوط مرة من السبي والسلب وأيضاً من الموت ( تك ١٤: ١٦ ؛ ١٩ : ٢٩ ) ..
  • وفي مصر سار يوسف مع الرب فكان ملحاً لمصر حفظها من المجاعة المدمرة سبع سنوات ( تك ٤١ ) ..
  • أما أليشع فكان يخدم الرب في مدينة السامرة فحفظها من اقتحام جيش آرام لها ( ٢مل ٧ ) ..
  • وفي سفر أعمال الرسل نقرأ عن بولس أن وجوده في السفينة التي كانت توشك علي الغرق حَفَظَ طاقمها وركابها الذين يقاربون الثلثمائة من الموت ( أع ٢٧: ٢٤ )..
  • كما لا ننسي أنه لو كان يوجد في مدينة سدوم عشرة مؤمنين فقط يفعلون البر لما احترقت ومات كل من عاش بها ( تك ١٨ : ٣٢ ) ..

أنت أيضاً إذا رفضت الاستسلام للخطية وعشت بأمانة للرب سالكاً باجتهاد في الأعمال التي يريدها منك فبكل تأكيد ستكون ملحاً حافظاً للذين تعيش بينهم .. بسببك سيحفظهم الرب من نكبات عديدة .. وبصلاتك تُنجي أُسرتك ومدينتك ووطنك من الكوارث ..

٢ـ ملح للمذاق الحسن

إذا تم إعداد الطعام بكل عناية ومهارة لكن غاب عنه الملح ، لا يعود للمجهود أو المهارة أية فائدة ، يقول سفر أيوب «  هل يؤكل المسيخ [ الذي  بلا طعم ] بلا ملح » ( أي ٦ :  ٦ ) ..

إذا أطعت الله ورفضت الخطية وعملت الأعمال الحسنة التي يريدها فبكل تأكيد ستكون ملحاً يأتي بالنكهة الطيبة والرائحة الذكية ( ٢ كو ٢ : ١٥ ) .. وأينما ذهبت لتقيم ستضيف للمكان مذاقاً أحلي.. لن يكون وجودك أبداً لزيادة أحمال الناس .. لن تكون شوكة تؤذيهم بل بركة لخيرهم وسيباركهم الرب من أجلك .. ستظل مصدراً لتخفيف أحمالهم ولعلاج مشاكلهم ولمساعدتهم في المحن وسيشعرون حتماً بالخسارة حينما تتغيب عنهم ..

٣ـ ملح يُسبب العطش

عندما نجتهد أن نعمل الأعمال التي أعدّها الله لنا فإن الروح القدس سيعمل فينا فيجعلنا ملحاً يخلق في الناس عطشاً لمعرفة الرب المُخلّص ..

تذكّر قصة إيمان حافظ سجن فيلبي ، ما الذي  جعله يرغب في أن ينال الخلاص؟ .. هل لأنه رأي أبواب السجن قد انفتحت بطريقة إعجازية؟ .. كلا ، فقد استل سيفه لينتحر به ظاناً أن المسجونين قد لاذوا بالفرار من الأبواب المفتوحة .. لكن ما جعله يعطش لمعرفة الرب هو سماعه صرخة الرسول بولس تقول له «  لا تفعل بنفسك شيئاً ردياً لأن جميعنا ههنا » ( أع ١٦: ٢٨ ) ..

لماذا لم ينتهز بولس فرصة انفتاح الأبواب ليهرب من السجن؟ .. ولماذا انشغل بإنقاذ حافظ السجن الذي  عامله بقسوة ووضع رجليه في المقطرة بدلاً من أن يهرب ؟.. ليس سوي إجابة واحدة .. إنها المحبة المدهشة التي ملأ بها الروح القدس قلب بولس نحو مضطهديه .. نعم لقد كان ما فعله بولس بمثابة الملح الذي  خلق في حافظ السجن وأفراد عائلته عطشاً شديداً لمعـرفة من هو هذا الرب الذي  أعطـي بولس هذه المحبـة المدهشـة من نحـوهم ..

قارئي العزيز .. اُطلب الآن أن تمتليء بالروح القدس لتمتلك هذه المحبة المدهشة كي تظهر بوضوح في أعمالك لتخلق العطش في القلوب لمعرفة الحق .. هيا أعلن إيمانك أنك ملح للأرض ..

  • سيقاوم وجودك أينما كنت انتشار الشر في هذا المكان كما ستحفظ حياتك الكثيرين من الدمار والأذي ..
  • وستضيف تصرفاتك مذاقاً أطيب للوسط الذي تتواجد فيه ..
  • وستخلق في نفوس عديدة عطشاً لمعرفة الرب الذي أحبك ..

لـن يفسـد

يقول الرب يسوع « أنتم ملح الأرض . ولكن إن فسد الملح فبماذا يُملَّح . لا يصلح بعد لشيء إلا لأن يُطرح خارجاً ويُداس من الناس » (  مت ٥ : ١٣ ) ومرة أُخري  نسمعه يقول «  الملح جيد . ولكن إذا فسد الملح فبماذا يُصلح . لا يَصلُحُ لأرض ولا لمزبلة فيطرحونه خارجاً . من له أذنان للسمع فليسمع » ( لو ١٤ : ٣٤ ، ٣٥ ) ..

عندما يكون اتجاه المؤمن الاستسلام للخطية وعدم السير في الأعمال الصالحة التي أعدّها الله له فإنه يصير ملحاً فاسداً مُضراً .. لا يقلل من انتشار الفساد ولا يحفظ من الأذي ولا يعطي المذاق الأطيب ولا يخلق العطش للرب .. وسيأتي الوقت الذي  يفقد فيه تقدير واحترام الناس له ولن يروه أميراً كما رأي بنو حث إبراهيم ( تك ٢٣ :  ٦ ) بل شخصاً مضراً لهم وثقلاً عليهم فيسيئون معاملته « يُداس من الناس » وقد يهينوه مثلما أهان أهل سدوم لوط المؤمن لأنه فَقَدَ ملوحته ( تك ١٩ : ٩ ) بل قد يسعون أيضاً للتخلص منه « يطرحونه خارجاً » .. كذلك لن يستخدمه الله في خدمته .. في سفر الرؤيا نقرأ تحذير الرب للمسئول عن خدمة كنيسة أفسس أنه إذا لم يتب ويعمل الأعمال الحسنة فسيحرمه من الخدمة « تُب واعمل الأعمال الأُولي [ التي كان وراءها قلب حبه الأول للرب ] وإلا فإني آتيك عن قـريب وأُزحزح منارتك من مكانها [ لن تظل شاهداً لي ] » ( رؤ ٢ : ٥ ) .. وهكذا إن لم يتب خادم كنيسة أفسس ويعمل أعماله الحسنة فإن الملح سيفسد ولن يصلح بعد لشيء ..

فلنعلن إيماننا أننا لن نترك أعمالنا الحسنة مثل خادم كنيسة أفسس .. سيحفظنا الرب بنعمته ولن نكون أبداً ملحاً فاسداً .. وستظل أعمالنا تخدمه إلي آخر يوم من حياتنا علي الأرض لنبقي دائماً مؤثرين في الآخرين لمجده ..

 سيدي ..

احفظني سراجاً مشتعلاً بروحك ليسطع

 في ظلام العالم شاهداً لك بقوة ..

 احفظني بنعمتك ملحاً لا يفسد ..

 يؤثر في العالم .. ولا يتأثر بشروره ..

 ملحاً لخدمتك ولمجدك ..

ما أعظم وأمجد هذه اللحظة الفريدة حينما نلاقي الرب في الهواء ، ليس بأجسامنا الضعيفة هذه بل بأجسام روحانية في مجد ( ١ كو ١٥ : ٤٣ ، ٤٤ ) .. تصف الرسالة إلي تسالونيكي هذا الحدث العظيم قائلة :

« الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولاً . ثم نحن الأحياء الباقين سنُخطف جميعاً معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء . وهكذا نكون كل حين مع الرب » ( ١ تس ٤ : ١٦ ، ١٧ )

ويقول لنا الرسول بولس « عزوا بعضكم بعضاً بهذا الكلام » ( ١ تس ٤ : ١٨ ) ، فما أعظمه وعد الذي  أعلنه لنا الرب في آخر أصحاح من كتابنا المقدس العظيم :

« وها أنا آتي ســريعاً وأُجـرتي [ مكافأتي my reward ] معي لأُجازي كل واحد كما يكون عمله » ( رؤ ٢٢ : ١٢ ) ..

نعم  سنلبس الأجسام الممجدة ونلاقي الرب في الهواء ، ليس هذا فقط بل سننال منه الأُجرة ، المكافأة .. فمن محبته العظيمة لنا جعل لكل عمل عملناه طاعة لكلمته أو لأجل ملكوته أجر ، مكافأة.. فما هو هذا الأجر ، وفي أي مشهد سنناله ؟ .. كيف يتفاوت من عمل لآخر وكيف يؤثر علي حالتك في الأبدية ؟ ..

لنعد إلي الكلمة فقد أخبرتنا بما هو كثير وثمين عن هذا الحق العظيم ..

إيماني وأعمالي

نعم لن أُطرح في بحيرة النار .. إنني بحسب وعد الرب أنتظر مع كل المؤمنين الحقيقيين السموات الجديدة والأرض الجديدة ( ٢بط ٣ : ١٣ ) لأقضي الأبدية في المجد الفائق مع ربي ومخلصي من تحبه نفسي .. يسوع .. وذلك ليس لأنني قمت بأعمال عظيمة في الماضي أو لأنني سأقوم بها في المستقبل بل لأن الله وهبني الخلاص مجاناً .. مجاناً بالنعمة لأنني آمنت بقلبي بالرب يسوع رباً ومخلصاً ، وصارت لي علاقة حية حقيقية معه ..

لكن ليس معني هذا أن أعمالي لن تؤثر علي حالتي في الأبدية .. كلا فأعمالي ، هذه الأعمال التي فعلتها منذ أن آمنت وتلك التي سأفعلها طوال الزمن الباقي لي علي الأرض هي التي ستحدد أي مجد سيكون لي وأنا مع الرب في الأبدية .. فكما ستوجد في بحيرة النار مستويات من العقاب للهالكين تُحَدَّد بحسب آثامهم ( مت ١١: ٢٣ ؛ ٢٣ : ١٤ ، رؤ ٢٠ : ١٣ ) هكذا أيضاً ستوجد درجات للمؤمنين في المجد « نجماً يمتاز عن نجم في المجد » ( ١ كو ١٥: ٤١ ) تُحَدَّد بحسب أعمالهم ( رؤ ٢٢ : ١٢ ) .. يا لأهمية الأعمال ، فكل من وُلِد ثانية حتماً سيقف أمام كرسي المسيح كي ينال منه المكافآت الأبدية التي تحدد حالته وهو معه في المجد .. رجاء أصغ باهتمام إلي هذه الكلمات التي قالها الرسول بولس :

« فنثق ونُسر بالأولي أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب . لذلك نحترص أيضاً مستوطنين كنا أو متغربين أن نكون مرضـيين عنده ]مُســرين له

[to be well pleasing to Him (NKJ, YLT).

لأنه لابد أننــا جميعاً نُظْهَر

[ to be manifested (YLT, DBY) ]

أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً » ( ٢كو ٥: ٨ -١٠ ) ..

تمسّك بما تقوله هذه الآية فهي تُعلن حقاً ثميناً يحرر من أي خوف من الموت .. إنها تقول ليس في الموت ما يخيف لأننا إذا تغربنا عن الجسد بالموت فسننطلق لنكون مع المسيح « نستوطن عند الرب » ، وهذا بكل تأكيد « أفضل جداً » ( في ١ : ٢٣ ) من حالتنا الآن علي الأرض .. القاريء العزيز ، متي أكملت قصد الله من وجودك علي الأرض وقلت كلمات بولس «أكملت السعي [ السباق the race ] » ( ٢ تي ٤ : ٧ ) ، فلتواجه الموت بالثقة والسرور « نثق ونُسرّ .. » .. هل في داخلك خوف من الموت ؟ .. ردد هذه الآية مراراً .. ولتردد أيضاً « فإني متيقن أنه لا مـوت ولا حيـاة .. تقـدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا» ( رو ٨ : ٣٨ ، ٣٩ ) ..

إن الانشغال بمثل هذه الآيات يحررك من الخوف من الموت لأننا سنذهب لنكون مع الرب ، لكن التحرر من هذا الخوف لا يعني أن لا نحرص أن تكون أعمالنا حسنة فكما يقول الرسول بولس إلي مؤمني كورنثوس سيأتي حتماً اليوم الذي  سنقف فيه جميعاً أمام كرسي المسيح ..

كرسي المسيح

لا شك أن الكورنثوسيين فهموا تماماً ما يقصده الرسول بولس من تعبير « كرسي المسيح » .. فكلمة « كرسي » هي ترجمة للكلمة اليونانية الشهيرة « بيما Bema » التي تطلق علي المنبر العالي الذي  كان رجال السلطة يستخدمونه في مخاطبة الشعب ولا سيما في أُمور القضاء ولهذا تُرجمت الكلمة في العديد من الترجمات إلي كرسي القضاء أو الحكم.. وكان « البيما » ( كرسي القضاء ) في كورنثوس واحداً من أروع معالم المدينة فقد أُقيم في مركز ساحة سوقها التجاري وشيّد من الرخام المُطَعَّم بالحلي البديعة .. وبالطبع لم ينس الكورنثوسيون ذلك اليوم الذي  ثار فيه اليهود علي بولس وأخذوه إلي هذا « البيما » وهم يتهمونه طالبين من الوالي غاليون أن يحكم عليه بالعقاب ولكن الأُمور انقلبت عليهم فلم يُعاقب بولس ، وهم طُردوا من « البيما» كما ضُرِبَ رئيسهم ( أع ١٨ : ١٢ ـ ١٧ )

وها هو الرسول بولس يحدثهم عن « بيما » آخر أعظم من « بيما » غاليون موجود في السماء، هو « بيما » المسيح مُعلناً لهم هذا الخبر المثير أننا جميعاً ، كل المؤمنين ، سنقف أمام هذا البيما السماوي لكي ننال من المسيح بحسب أعمالنا علي الأرض مكافآتنا التي ستحدد أي مجد سيكون عليه كل منا طوال الأبدية .. يقول بولس :

« لذلك نحــترص .. أن نكــون مرضــيين [ euarestos ] عنده [ مُسرين له ] . لأنه لابد أننا جميعاً نُظْهَر أمام كرسي المسيح . لينال كل واحد .. بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً » ( ٢ كو ٥ : ٩ ، ١٠ )

الرسول بولس يدعونا أن نحترص أن نعمل الأعمال التي تُسرّ المسيح لأننا سنُظهر أمام « بيما » السماء.. والآن فكّر في كلمة « نحترص » إنها ترجمة للكلمة اليونانية « philotimeomai» التي تعني حرفياً أن نجعل هذا الأمر هو طموحنا واشتياقنا وموضع افتخارنا  .. فإن كنت تريد أن يكون لك مجد عظيم في الأبدية أي أن تحظي بمكافآت عظيمة حينما تقف أمام كرسي المسيح فليكن طموحك الأول ورغبتك اليومية وافتخارك الدائم أن تُسِرّ قلب الرب .. اجتهد أن تفعل كل يوم الأُمور التي تُسِرّه ..

إن آيات كثيرة في الكتاب المقدس تحدثنا عن هذه المكافآت الأبدية لكي تشجعنا أن نبذل كل اجتهاد لفعل الأعمال التي تُسِرّ قلب الرب ، فهل يعني هذا أن دافعنا الداخلي وراء فعل هذه الأعمال ليس هو محبتنا القلبية للرب بل أنانيتنا ، رغبتنا أن ننال مكاسب لأنفسنا في الأبدية ؟ .. وهل نوالنا المكافآت بحسب أعمالنا أمر يتعارض مع النعمة التي يعاملنا الله علي أساسها ؟ ..

الدافع .. المحبة أم الأنانية؟

كم من أقوال عديدة تكلّم بها الرب ، وكم من عبارات دوّنها الرسل تحدثت عن المكافآت الأبدية باعتبارها دافع قوي يحث المؤمن علي فعل الأعمال التي ترضي الرب وتُسِرّ قلبه ، ومن غير المعقول إطلاقاً أن يكون الرب أو رسله قد شجعوا المؤمن علي امتلاك دافع يمكن القول عنه إنه دافع أناني .. اقرأ الآية التالية من الأصحاح الشهير عن المحبة وستدرك أن أقصي ما يمكن للمؤمن أن يفعله لن يفيده في شيء إن خلا من المحبة ..

« إن أطعمت كل أموالي [ للفقراء ]  وإن سلّمت جسدي حتي أحترق [ موتاً في خدمة الرب ] ولكن ليس لي محبة فلا أنتفع شيئاً » ( ١ كو ١٣ : ٣ ) ..

الدافع الأناني يعني غياب الحب ، وحين يغيب الحب عن أي عمل يصير عملاً بلا قيمة وكلا شيء ، لا فائدة منه ولا مكافأة عليه .. بكل تأكيد يجب أن يكون دافعنا في فعل الأُمور التي ترضي الرب وتُسِرّ قلبه هو أولاً محبتنا القلبية له لأنه أحبنا بلا حدود .. وليس من الأنانية أن ترغب في أن تري من تحبه يكافئك ، فهذا ليس أنانية بل تمتعاً بالحب .. إذا كنت تحب الرب فمن المؤكد أنك ستكون في قمة سعادتك حين تسمعه يثني عليك ويمدح ما فعلت ويعلن لك عما سيكافئك به قائلاً « نعمَّـا [ حسناً فعلت ] أيها العبد الصالح والأمين. كنت أميناً في القليل [ خلال وجودك علي الأرض ] فأُقيمك علي الكثير » ( مت ٢٥: ٢١ ) ..

ليس من الأنانية أن تعمل لكي تنال المكافآت في ذلك اليوم العظيم من يد من له محبتك الأُولي لكي تشاركه الفرح ، فليس أروع من أن تسمع منه هذه العبارة العظيمة « اُدخل إلي فرح سيدك » ( مت ٢٥ : ٢١ ) والتي وردت في إحدي الترجمات «اشترك في فرح سيدك » ..

هل تعلم أن مكافأة الرب الأبدية لنا هي أساساً أن نخدمه ، وكلما عظمت مكافآتنا كلما اتسعت في الأبدية خدمتنا له .. ولأنني أُحب الرب فسأعمل علي الأرض بكل حماس لأنني أُريد أن أخدمه هناك خدمة أعظم لأنني أُحبه ..

نعم ، سنخدم الرب في الأبدية ، سنعمل في ملكوته المجيد ، سيقيمنا علي وظائف هامة .. هل هذه تخيلات ؟ .. كلا فكلمة الله تقول بوضوح إن الرب يريدنا أن نملك معه في الأبدية ..

  • « وهم سيملكون إلي أبد الآبدين » ( رؤ ٢٢: ٥ ) ..
  • « إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه » ( ٢ تي ٢: ١٢ ) ..
  • « أُقيمك علي الكثير .. » ( مت ٢٥: ٢١) ..
  • « نعمّا أيها العبد الصالح. لأنك كنت أميناً في القليل فليكن لك سلطان علي عشر مدن » ( لو ١٩: ١٧ ) ..
  • « طوبي لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا. الحــق أقــول لكـم إنـه  يقيمـه علي جـميع أمـوالـه » ( مت ٢٤: ٤٦ ، ٤٧ ) ..
  • « من يغلب ويحفظ أعمالي إلي النهاية فسأعطيه سلطاناً علي الأُمم » ( رؤ ٢: ٢٦ )
  • « ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم .. ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة » ( ١كو ٦: ٢ ، ٣ ) ..

يسـترعي الانتبـاه أن كلمتـي « يدينـون » و « سندين » في هذه الآية هما في الأصل اليونانـي من الفـعل «krino» الذي  يعنـي أيضـاً يحـكم  govern, to rule over (مت ١٩: ٢٨، لو ٢٢: ٣٠ ).. نعم إن مكافأة الرب الأساسية للمؤمن هي إشراكه معه في مُلكه ، وكلما كانت المكافأة أعلي كلما كانت المشاركة أعظم والدور أكبر ( لو ١٩: ١٦-١٩ ) ..

هل تحب الرب ؟ .. من يحب شخصاً محبة حقيقية ستكون رغبته الملحة أن يكون دائماً قريباً منه وعاملاً معه .. ومن يحب الرب حقاً سيود أن يقضي الأبدية قريباً منه عاملاً معه في ملكوته، وبكلمات أُخري أن يملك معه ..

لا ، ليس أمراً أنانياً أن نسعي لكي نحقق رغبة الرب يسوع حبيبنا الأعظم في أن نملك معه ، فكم يسره ذلك جداً .. فهل تعمل الآن وأنت علي هذه الأرض من أجل أن تكون مُسِرّاً له طوال الأبدية ؟ .. « نحترص أيضاً مســتوطنين [ عنده ] .. أن نكـون مُسـرين لـه [ NKJV ] » ..

النعمــة

إذا كنا سنُكافأ في الأبدية حسب أعمالنا فهل في هذا ما يقلل من قدر النعمة التي يعاملنا بها الرب؟ .. الإجابة بحسب ما تقوله كلمة الله هي كلا ، ففي نوالنا المكافآت إظهار لغني نعمة الله الفائق :

  • فمن ناحية ، هذه الأعمال التي سنأخذ بسببها المكافآت هي نتيجة للنعمة، لأنها ليست الأعمال التي نفعلها بقوتنا الطبيعية الذاتية بل التي يمنحنا الله القدرة علي تنفيذها .. تقول رسالة فيلبي « الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة » ( في ٢ : ١٣ ) ، وتقول الرسالة إلي العبرانيين « ليُكمّلكم [ الله ] في كل عمل صالح لتصنعوا مشيئته عاملاً فيكم » ( عب ١٣: ٢١ ) ..

قال الرب يسوع بكل وضوح « بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً » ( يو ١٥: ٥ ) وبالطبع لا يقصد أننا بدونه لا نقدر أن نفعل أي شيء علي وجه الإطلاق بل أننا بدونه لا نقدر أن نفعل شيئاً له قيمة تؤهلنا لنوال المكافأة ، لهذا نجد الرسول بولس يعترف بأنه بالنعمة عمل كل أعماله التي لأجل ملكوت الله « ولكن بنعمة الله أنا ما أنا [ عليه الآن ] ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلة [ بلا نفع ] بل أنا تعبت أكثر منهم [ من باقي الرسل ] جميعهم ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي » ( ١ كو ١٥ : ١٠ ) ..

فلنعترف مثل بولس أن الأعمال الحسنة التي نفعلها هي بالنعمة .. ولنثق أنه بالنعمة سنظل نعمل هذه الأعمال إلي أن نُظهَر أمام « بيما » المسيح ، عبّر الرسول بولس عن هذه الثقة فقال « لأنني عالم بمن آمنت [ وليس بما آمنت ] وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتي إلي ذلك اليوم [ يوم أن نُظهَر أمام كرسي المسيح ] » ( ٢ تي ١ : ١٢ ) .. تأمل كلمة « وديعتي » ،  لقد استودع بولس حياته كلها بما فيها من أعمال في يد إلهه الذي  يعرفه ويثق فيه كل الثقة أنه سيحفظه عاملاً الأعمال الحسنة إلي ذلك اليوم، يوم نواله المكافآت أمام « بيما » المسيح .. فلنثق كل الثقة في نعمة الله الحافظة أنها ستحفظنا باستمرار نعمل الأعمال العظيمة ذات المكافآت العظيمة .. لندع كلمات رسالة يهوذا تسكن في قلوبنا « القادر أن يحفظكم غير عاثرين ويوقفكم أمام مجده .. في الابتهاج [ هناك حين نبتهج به ويبتهج هو بنا ] » ( يه ٢٤ )..

  • ومن ناحية أُخري ، فإنه مهما فعلنا من أعمال لا يحق لنا أن نطالب بشيء ، يقول الرب يسوع « هل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أُمِر به .. أنتم أيضاً متي فعلتم كل ما أُمِرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون. لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا » ( لو ١٧: ٩ ، ١٠ ) .. إنه واجب علينا وامتياز لنا أن نطيع الرب وأن نخدمه فلا يحق لنا أن نطالب بأي أجر ومع هذا يقول الرب إن « كأس ماء بارد فقط [ نقدمه لأحد خدام الرب ] .. لا يضيع أجره » ( مت ١٠: ٤٢ ) .. أليست هذه نعمة ؟ .. نعم وأية نعمة !! ..

الرب سيكافئنا لا لأننا نستحق بل لأنه هو سخي جداً في العطاء .. يعطينا « مئة ضعف ».. فإعطاؤه المكافآت لنا بسبب أعمالنا هو تماماً مثل تقديمه الخلاص لنا ، أمر يُظهر نعمته العجيبة .. إن غني نعمته الفائق وليس أي شيء آخر هو الذي  جعله يعتبر نفسه ظالماً إذا لم يكافئنا « الله ليس بظالم حتي ينسي عملكم وتعب المحبة التي أظهرتموها نحو اسمه » ( عب ٦: ١٠ ) ..

قارئي العزيز ، حينما تأتي إلي كرسي المسيح، لن يكافئك لأن أعمالك تستحق بل لأنه يتعامل معك بالنعمة .. بالرحمة .. ها هو الرسول بولس يقول عن المكافآت التي سينالها خادم الرب الأمين أنيسيفورس بسبب خدمته في أفسس إنها نعمة ورحمة من الرب :

« الرب وهـبه [grant]  أن يجد رحمة من الرب في ذلك اليوم . أنت [ يا تيموثاوس ] تعرف كم كان يخدم في أفسس [DBY]» ( ٢ تي ١ : ١٨ ) ..

« [ لقد ] أنعم الرب عليه بأن يلقي الرحمة لدي الرب في ذلك اليوم [الترجمة اليسوعية ]» ..

مقاييس الحكم

قد تسأل بأي مقياس سيزن الرب أعمالنا حينما نقف أمام كرسيه ؟ .. إن دراسة كلمة الله تشير إلي ستة مقاييس رئيسية :

١ ـ الاستخدام .. مدي استخدامنا لما أعطاه الرب لنا من قدرات ومواهب ووقت ..

٢ ـ الدافع .. الدافع القلبي لما نعمله ..

٣ ـ التعب والتضحية .. مقدار التعب والتضحية في خدمة الرب ..

٤ ـ الأمانة .. في أداء الواجبات ..

٥ ـ المال .. في استخدامه من أجل ملكوت الله ..

٦ ـ الانتصارات .. في المعارك مع إبليس والخطية ..

سنكتفي في هذا الفصل بالحديث عن المقياس الأول الخاص بالاستخدام تاركين المقاييس الأُخري  إلي الفصلين التاليين ..

الاستخدام

بقدر ما نستخدم ما أخذناه من إمكانات ومواهب ووقت لمجد الرب وتحقيق مشيئته بقدر ما تعظُم مكافآتنا الأبدية .. إن مَثَلْ الوزنات الذي  ذكره الرب يســوع في متي ٢٥ يعلن هذا الأمر .. هذه الوزنــات [ talents ] هي من الفضة أو الذهب وتعبر الوزنة عن مقدار من المال وفي هذا المثل استخدام الرب الوزنات كرمز للإمكانات والمواهب التي يعطيها لنا ..

تحدث الرب عن رجل أعمال أعطي ثلاثة من عبيده قبيل سفره أموالاً ليتاجروا بها لحسابه حتي يعود ، أعطي الأول خمس وزنات والثاني وزنتين والثالث وزنة واحدة .. استغل اثنان منهم الفرصة « فمضي الذي  أخذ الخمس وزنات وتاجر بها فربح خمس وزنات أُخر. وهكذا الذي  أخذ الوزنتين ربح أيضاً وزنتين أُخريين. وأما الذي  أخذ الوزنة فمضي وحفر في الأرض وأخفي فضة سيده » ( مت ٢٥: ١٦ ـ ١٨ ) .. فلما عاد الرجل لمحاسبتهم ، قال للأول « نعمّا [ حسناً فعلت ] أيها العبد الصالح والأمين. كنت أميناً في القليل فأُقيمك علي الكثير. اُدخل إلي فرح سيدك » (مت ٢٥: ٢١)، وقال هذه الكلمات نفسها للعبد الثاني ..  أما الثالث الذي  لم يتاجر بالوزنة فقال له « أيها العبد الشرير والكسلان » وأمر أن يطرحوه « إلي الظلمة الخارجية. هنـاك يكـون البكـاء وصـريـر الأسـنان » ( مت ٢٥: ٣٠ ) ..

والآن لاحظ معي هذه النقاط الهامة التي يظهرها هذا المثل :

أولاً .. الرب يتوقع منك أن تسعي لكي تجعل إمكاناتك ومواهبك أضعاف ما هي عليه الآن ، والهدف الأول هو أن يزداد ما تقدمه لأجل الملكوت .. كمثال أن تعمل باجتهاد كي يزداد دخلك المالي لتعطي أكثر وأكثر لعمل الرب ، ففي المثل اجتهد صاحب الخمس وزنات فأصبح في يديه عشرة منها ..

ثانياً .. لم يأخذ العبيد الثلاثة نفس عدد الوزنات .. فكل منا يختلف عن الآخر في الوزنات التي أعطاها الله له في هذه الحياة .. نحن نختلف في إمكاناتنا المادية ومواهبنا وأيضاً في العُمر الذي  سنعيشه علي الأرض .. والواقع يقول إن الله أعطـي الأغلبيـة ( ذوي الطاقات العادية ) وزنتين بينما أعطي قليلـين  ( ذوي الطاقات الأدني ) وزنة واحدة وقليلين أيضاً ( ذوي الطاقات الأعلي ) خمس وزنات .. لقد أعطي  « كل واحد علي قدر طاقته » ( مت ٢٥ : ١٥ ) ..  فهل يعني هذا أن ذوي الطاقات الأعلي ( أصحاب الخمس وزنات) سينالون مكافآت أكبر من التي سينالها الأغلبيـة ( أصحاب الوزنتين ) ، بينما ينـال ذوو الطاقات الأقـل ( أصحاب الوزنة الواحدة ) مكافآت أصغر ؟ .. الإجابة نجدها في النقطة التالية ..

ثالثاً .. كانت مكافأة صاحب الوزنتين الذي  ربح وزنتين تساوي المكافأة التي نالها صاحب الخمس وزنات !! .. الله لن يكافئك بمكافأة أقل من غيرك بسبب أن طاقتك أصغر وعدد الوزنات التي أخذتها لتتاجر بها أقل .. فالذي  سيحدد المكافأة ليس حجم ما أعطاه الرب لك بل أمانتك وإخلاصك في استخدام ما أُعطي لك قليلاً كان أم كثيراً ، لا فرق ..

  • قال الرب عن الأرملة الفقيرة التي ألقت في خزانة الهيكل فلسين قيمتهما زهيدة جداً إنها « ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا في الخزانة » ( مر ١٢: ٤٣ ) بما فيهم الأغنياء الذين كانوا « يلقون كثيرا ».. لماذا؟.. لأنها تصرفت في المال القليل الذي  في يديها أعظم من تصرف الأغنياء في الكثير المتوفر لديهم « الجميع [ بما فيهم الأغنيـاء ] من فضلتهم ألقوا. وأما هذه فمن إعوازها ألقت كل ما عندها كل معيشتها » ( مر ١٢: ٤٤ ) ..
  • وفي المَثَل الذي قاله الرب في ( مت ٢٠: ١ ـ ١٦ ) نال العمال الذين عملوا ساعة واحدة في الكرم نفس الأجر ( المكافأة ) الذي  ناله الذين عملوا طول اليوم!! فقد يكافيء الله مؤمناً كانت مدة حياته علي الأرض صغيرة كيوحنا المعمدان مكافأة أعظم من التي سينالها آخرون عاشوا سنوات طويلة لأنه في المدة الصغيرة التي عاشها كان أكثر إخلاصاً وأمانة منهم ..

رابعاً .. العبد الذي  لم يتاجر بالوزنة الواحدة التي أخذها بل دفنها في الأرض يحدثنا عن المؤمن الذي  لا يستخدم إمكاناته القليلة لمجد الرب وتحقيق مشيئته .. فأحياناً يقارن المؤمن صاحب الوزنة الواحدة نفسه بأصحاب الوزنتين والخمسة وزنات فيستسلم للشفقة علي النفس ويصبح لسان حاله « بما أنني لست قائداً للمجموعة مُسبِّحة فلن أكون مُسبّحاً علي الإطلاق » أو « بما أنني لن أقود هذا المؤتمر فلن أقوم بمساعدة القائد »  .. إن كثير من المؤمنين يدفنون إمكاناتهم ويحرمون أنفسهم من المكافآت الأبدية بسبب هذا الكبرياء والشفقة علي النفس .. وكثيرون يفعلون مثلهم ولكن بسبب آخر هو الخوف من الفشل ، فيفضلون دفن الوزنة علي المتاجرة بها ، فهذا بالنسبة لهم أكثر أماناً .. كما قد يستسلم صاحب الوزنة الواحدة للإحساس بالمرارة نحو الله لأنه أعطاه أقل من غيره  فيرفض أن يخدمه .. في المَثَلْ قال صاحب الوزنة الواحدة لسيده « يا سيد عرفت أنك إنسان قاس » ( مت ٢٥ : ٢٤ ) ، والحقيقة أن السيد أعطاه وزنة واحدة لرحمته به وليس لقسوته عليه ، لقد أعطاه علي قدر طاقته ( مت ٢٥ : ١٥ ) حتي ينجح ولا يفشل في العمل ..

وماذا يحدث للذين يرفضون هذه الرحمة ولكل الذين يدفنون وزناتهم ولا يستثمرونها لمجد الله حينما يظهَرون أمام كرسي المسيح ؟ .. لنتأمل ما جري لصاحب الوزنة الواحدة فهو صورة معبرة لما سيحدث معهم :

  • التوبيخ .. علي عكس العبدين الآخرين لم يحظَ هذا العبد بمدح سيده أو مكافآته بل سمع منه كلمات موبخة جداً .. فقط قال له « أيها العبد الشرير » ، فهو أمر شرير أن يأخذ إنسان من سيده وزنة ولا يستخدمها .. هكذا أُولئك الذين لم يستخدموا وزناتهم لن يكون وقوفهم أمام كرسي المسيح للمدح أو المكافأة .. لن يكون لسرورهم كما لن يكون لسرور مخلصهم .. وما أقسي هذا ..
  • الحرمان من المُلك .. لم يقل له سيده كما قال لكل من زميليه « أُقيمك علي الكثير » وهؤلاء المؤمنون الذين دفنوا كل وزناتهم لن يعطيهم الرب مسئوليات متميزة في الحكم في ملكوته الآتي ، وكم سيكون هذا صعباً جداً عليهم ..
  • المعاناة .. لقد طُرِح هذا العبد « إلي الظلمة الخارجية. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان » ، ويري بعض المفسرين أن هذه صور تعبيرية عن الحزن الشديد الذي سينتاب هؤلاء المؤمنين بعد وقوفهم أمام كرسي المسيح بسبب إدراكهم أنهم حرموا أنفسهم من مديح الرب ومن مكافآته وفقدوا فرصة أن يقيمهم علي الكثير في الأبدية لأنهم رفضوا استخدام الوزنات التي أُعطيت لهم ..

يصف سفر دانيال حالة المؤمنين في الأبدية قائلاً:

« الفاهمون يضيئون كضياء الجلد والذين ردوا كثيرين إلي البر كالكواكب إلي أبد الدهور » ( دا ١٢ : ٣ ) ..

سنُضيء في الأبدية ولكن بدرجات متفاوتة بحسب استخدامنا لوزناتنا من أجل ملكوت الله ..

لنقل : لا للمقارنات مع الآخرين ..

ولا للكسل ودفن الوزنات ..

بالنعمة سنتاجر بوزناتنا إلي أن يأتي سيدنا من السماء ..

لنقل « آمين . تعال أيها الرب يسوع .. » ( رؤ ٢٢ : ٢٠ ) ..

هل تعلم أن الرب يُعدّ لك الآن منزلك الأبدي؟.. أصغ جيداً إلي هذا الوعد العظيم الذي  قدّمه لنا في ليلة الصلب ضمن خطابه الوداعي الأخير:

« في بيت أبي منازل كثيرة .. أنا أمضي لأُعد لكم مكاناً . وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتي أيضاً وآخذكم إلي حتي حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً » ( يو ١٤: ٢ ، ٣ ) ..

ودعني أستوحي لك من هذا الوعد صورة مُعبّرة عن المكافآت الأبدية.. الرب هو المهندس الأعظم الذي  يشرف الآن علي تشييد منزلك الأبدي ، أما مواد بناء هذا المنزل فتأتي إليه من الأرض ، أنت الذي  تمده بها.. هل تريد أن يكون منزلك بديع الجمال وكبير الحجم؟..  أرسل إلي الرب في كل يوم مواداً غالية وبكميات كبيرة..

القاريء العزيز ، الأعمال التي تفعلها لمسرة الرب في كل يوم هي هذه المواد .. ولكن تُري أي أعمال منها تجعل منزلك الأبدي أكثر روعة وأكبر حجماً ؟ .. وبكلمات أُخري  أي أعمال هي التي تزيد من مكافآتك الأبدية ؟ ..

رأينا في الفصل السابق أننا حينما نُظْهَر أمام « بيما » المسيح سيُقيّم الرب أعمالنا بحسب مقياس الاستخدام .. مدي استخدامنا لما أعطاه لنا من قدرات ومواهب وسنوات قضيناها علي الأرض .. ونستكمل الدراسة بالحديث عن المقاييس الباقية ، أربعة منها في هذا الفصل ثم المقياس الأخير الخاص بالانتصارات في الفصل المُقبل ..

١ ـ الدافع الداخلي

سيُقيّم الرب كل عمل فعلناه بحسب الدافع الذي  كان بداخلنا حين قمنا به ، لنقرأ مرة أُخري  كلمات رسالة كورنثوس الثانية القائلة :

« لأنــه لابــد أننـــا جميعـــاً نُظْهَــر [ نُعْلَن  to be manifested ] أمام كرسي المسيح » ( ٢ كو ٥ : ١٠ ) ..

إن فعل « نُظْهَر » هو الكلمة اليونانية «phaneroo» التي تُطلق علي  تعرية الشيء من أي مظاهر خادعة وإظهاره علي حقيقته .. وهذا الفعل يرد في هذه الآية في صيغة المبني للمجهول «passive» فلسنا نحن الذين سنُظهِر حقيقة كل عمل قمنا به بل الرب هو الذي  سيُظهِر إذا كان هذا العمل بحسب مشيئته أم لا ومـاذا كان الدافع «motive» وراء إتمامه.. هل الحب أم الأنانية ؟.. هل عملناه بإيمان متكلين علي الله أم معتمدين علي ذواتنا ؟ .. هل أتممناه بقوة الروح أم بالجسد بقوة الإنسان الطبيعي ؟ .. في هذا اليوم سيعلم كل مؤمن الحقيقة الصادقة تماماً عن كل ما عمله علي الأرض منذ أن نال الخلاص.. نعم ستظهر أمامك حقائق حياتك.. تُري هل ستكون حقائق مخجـلة لك ( ١ يو ٢ : ٢٨ ) أم ستُفرّحك فرحـاً عظيماً ( ١ تس ٢ : ١٩ ) ؟.. إن كل عمل قمنا به بحسب مشيئة الرب وبدافع محبة قلبية خالصة له وباتكال علي نعمته سيكافئنا عليه كثيراً بل وسيمدحنا.. تحدث الرسول بولس عن مدح الله للمؤمن في ذلك اليوم في رسالته الأُولي إلي كورنثوس ، كتب إلي مؤمنيها يحذرهم من التسرع في الحكم علي إخلاص خدام الرب فقال :

« لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتي يأتي الرب الذي  سينير خفايا الظلام ويظهِر آراء القلوب. وحينئذٍ يكـون المدح لكل واحد مـن الله » ( ١كو ٤: ٥ ) ..

الرسول يقول لهم لا تحكموا قبل أن يأتي الرب لاختطاف المؤمنين ، فبعد الاختطاف مباشرة سنقف أمام « بيما » المسيح وستظهر لكل خادم حقيقة خدمته ، سيعلن له الرب خفاياه وآراء قلبه في كل خدمة قام بها ، أي دوافعه الداخلية وأفكاره التي لم يُظهرها للناس .. ولأن الرب يحبنا جداً وحبه لنا لن يتغير أبداً لذا فهو سيبحث في كل عمل قمنا به عن أي شيء يقدر أن يثني عليه لكي يمدحنا « يكون المدح لكل واحد من الله » ..

النار الفاحصة

الآن اقرأ بتمعن هذا المقطع من رسالة كورنثوس الأُولي الذي  يتحدث عن إظهار الدوافع الحقيقية للمؤمنين في هذا اليوم العظيم :

« إن كان أحد يبني علي هذا الأساس [ الذي  هو يسوع المسيح ] ذهباً فضة حجارة كريمة خشباً عشباً قشاً فعمل كل واحد سيصير ظاهراً لأن اليوم [ يوم الوقوف أمام كرسي المسيح ] سيُبَيّنه . لأنه بنار يستعلن وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو. إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أُجرة [ مكافأة ]. إن احترق عمل أحد فسيخسر وأما هو فسيخلص ولكن كما بنار » ( ١كو ٣: ١٢ ـ ١٥ ) ..

الرسول بولس يتكلم عن إظهار الدوافع الحقيقية للخدام الذين يبنون الكنائس .. في آية سابقة لهذا الجزء يذكر الأساس الذي  يبنون عليه ، فلا يوجد سوي أساس واحد هو يسوع المسيح ( ١كو ٣: ١١).. لكن هناك اختلاف في البناء بين خادم وآخر كما يقول بولس ، فواحد يستخدم مواداً رخيصة للبناء كالخشب والعشب والقش وآخر مواداً ثمينة كالذهب والفضة والحجارة الكريمة .. الأُولي تصنع أحجاماً ضخمة لكن قيمتها قليلة جداً علي عكس الثانية التي أثمانها باهظة للغاية أما أحجامها فصغيرة .. فالأمر الأهم ليس حجم ما تفعله لخدمة الرب ، بل قيمته الحقيقية .. والذي  يحدد هذه القيمة ليس ما يراه الناس بل ما يراه الله في قلبك من دافع إذا كان محبة حقيقية له ورغبة مخلصة في أن تخدمه وتمجده ، وإذا كنت تخدمه عن رغبة في طاعته أم لتحقيق أفكارك الخاصة ..

حينما يكون دافعك للقيام بخدمة معينة للرب هو طلب إعجاب الناس أو الرغبة في الشهرة أو اقتناء المال أو ممارسة السلطة علي الآخرين أو نتيجة لوجود غيرة مُرّة في قلبك من أحد ما أو رغبة في الاستعراض أمام الناس لإشعارهم بأنهم أدني منك فأنت تبني بالمواد الفقيرة ، الخشب والعشب والقش .. نعم قد يبدو ما تفعله كبيراً وعظيماً وقد ينال إعجاب الناس وتصفيقهم وقد يتحدثون عنه بإطراء لكن حينما تأتي النار عليه سيحترق وسيتلاشي .. ولكن حينما يكون الدافع هو محبة مشتعلة للرب تملأ قلبك فحتي لو رآه الآخرون عملاً صغيراً أو لم يروه كصلاتك وأصوامك في الخفاء لأجل ربح النفوس فأنت تبني بالمواد الثمينة ، الذهب والفضة والأحجار الكريمة التي لن تحترق وتتلاشي حين تأتي النار عليها بل ستبقي لكي تُكافأ عليهـا « ستمتحن النار عمل كل واحد »  .. هذه النار هي عينا المسيح الفاحصة « عيناه كلهيب نار » ( رؤ ١: ١٤ ) التي ستحرق الخشب والقش والعشب حينما نُظْهَر أمام كرسيه لننال المكافآت ..

كان الرسول بولس يتحدث أساساً للخدام الذين يبنون في بيت الرب ( الكنيسة ) لكن هذه الكلمات هي أيضاً لكل المؤمنين ، فكل مؤمن في كل يوم يبني نفسه وعائلته المسئول عنها .. القاريء العزيز ، يوم أن تقف أمام كرسي المسيح سيتحول ما فعلته علي هذه الأرض من أعمال بعد نوالك الخلاص إلي ذهب أو خشب .. فضة أو عشب .. أحجار كريمة أو قش ، بحسب الدافع الذي  كان وراءها ، ثم ستأتي النار لتمتحن أعمالك .. وفقط الذي  لن يحترق هو الذي  سيكافئك الرب عليه ، كلما كثرت أعمالك التي وراءها رغبات الطبيعة القديمة ، كلما ازدادت كمية الخشب والعشب والقش كثيراً وتعاظمت خسارتك من المكافآت .. وكم سيكون وقتاً بالغ الصعوبة علي المؤمن الذي  ستتحقق معه هذه الآية :

« إن احترق عمل أحـد فسيخسـر [suffer loss] وأما هو فسيخلص ولكن كما بنار » ( ١كو ٣ : ١٥ ) ..

سيخلص نعم .. سينجو من بحيرة النار نعم .. وسيدخل السماء نعم  ، لأن النار لن تحرق إيمانه وهي تحرق أعماله « سيخلص ولكن كما بنار » سيخلص وسيدخل السماء ولكن وهو يقاسي إحساسه المرير بخسارة الكثير مما فعله خلال مدة حياته علي الأرض.. اقرأ الموعظة علي الجبل وستجد الرب يؤكد بكل وضوح أن أي صلوات أو أصوام أو صدقات تفعلها بهدف أن تنال المجد والمديح من الناس ليـس لها مكافآت علي الإطلاق (مت ٦ : ١ ـ ١٨ ) ..

آه كم هو قاس علي المؤمن أن يسمع الرب يقول له في ذلك اليوم لقد كنت مشغولاً كثيراً بما يقوله الناس عنك بدلاً من أن تنشغل بعلاقتك بي .. لقد علّق البعض علي كلمات سفر الرؤيا التي تحدثت عما سيفعله الله للمؤمنين في الأبدية « سيمسح الله كل دمعة من عيونهم » ( رؤ ٢١: ٤ ) بأنه لولا محبة الله العجيبة والرقيقة ومسحه دموع أُولئك الذين سيبكون بسبب إحساسهم بالخسارة وندمهم علي حياتهم التي عاشوها علي الأرض لما توقفوا أبداً عن النوح في السماء .. لكن لا تفهم هذا بمعني حرفي، فالحقيقـة أن كل المؤمنين حتي الذين يخسـرون المكافآت ستكون لهم أجساد ممجدة حين يقفون أمام كرسي المسيح ( ١ كو ١٥ : ٤٣ ) ..

هل تود أن تتجنب هذا الموقف المخجل؟ .. هل ترغب أن يزداد جداً ذهبك وفضتك وأحجارك الكريمة ؟ .. فليكن مجد الرب هو دافعك لكل عمل تقـوم به ، ليس فقط حـينما تعبـده وتخـدمه بل أيضـاً في أدائـك أُمـور الحياة العادية :

« فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا كل شيء لمجد الله » ( ١ كو ١٠ : ٣١ ) ..

٢ـ مقدار التعب

سيزن الرب أعمالنا المتبقية التي لم نخسرها بعد دخولها امتحان النار بمقدار التعب الذي  فيها ، فالرسول بولس يقول :

«كل واحد سيأخذ أُجرته  [ reward ] بحسب تعبه » ( ١كو ٣: ٨ ) ..

وأُقدّم لك توضيحاً علي ذلك من كلمة الله من خلال مثالين الأول من العهد القديم والثاني من الجديد ..

  • من القديم .. « ورمم [ سور أُورشليم ] .. عازر بن يشوع .. قسماً ثانياً .. وبعده رمم بعزم [ بالعبرية charah التي تعني بغيرة مشتعلة ] باروخ بن زباي قسماً ثانياً » ( نح ٣: ١٩ ، ٢٠ ) ..
  • ومن الجديد .. « سلموا علي تريفينا وتريفوسا التاعبتين في الرب . سلموا علي برسيس المحبوبة التي تعبت كثيراً في الرب » ( رو ١٦: ١٢ ) ..

اثنان رمما السور إلا أن الوحي خصّ الثاني بإبراز حماسه واجتهاده غير العاديين في العمل .. رمم بغيرة مشتعلة لخدمة الرب .. وثلاث أخوات تعبن في خدمة الرب ، لكن الوحي سجل لنا تميُّز الثالثة في درجة التعب عن الأُولي والثانية .. فهي تعبت كثيراً .. الرب يميز بين تعب وآخر ، وعلي هذا الأساس يحدد المكافأة .. شرح الرب أيضاً هذه الحقيقة في المَثَلَْ المذكور في لوقا ١٩ .. لقد أعطي صاحب العمل منا ( ١٠٠ دينار ) لكل واحد من عبيده العشرة ليتاجر بها فالذي  ربح عشرة أَمناء أعطاه سلطان علي عشر مدن بينما الذي  ربح خمسة أعطاه أقل ، خمس مدن ( لو ١٩: ١٦ ـ ١٩ ) .. فبقدر تعبنا واجتهادنا لأجل الرب ستكون مكافآتنا الأبدية ، سنحظي بمسئوليات أكبر في الُملك والحكم مع الرب في ملكوته القادم  ..

وانتبه إلي هذه الملاحظة ، في هذا المَثَلْ نري صاحب العمل يمدح العبد الذي  ربح العشرة أمناء قائلاً له «نعمّا [ حسناً فعلت ] أيها العبـد الصالح» ( لو ١٩ : ١٧ ) بينما لم يوجه هذه العبارة للذي ربح خمسـة أمناء فما السبب ؟ .. لقد كان يعلم أن في مقدور هذا العبد أن يربح أكثر من خمسة لكنه لم يبذل كل ما في وسعه ليفعل ذلك .. هل تبذل قارئي كل ما عندك من طاقة حينما تعمل عملاً للرب ؟ .. هل تتعب لأجل إتمام عمله بغيرة مشتعلة لمجده ؟ .. هل تتعب كثيراً ؟.. تطلّع إلي المكافأة .. إن مسئوليات عظيمة في المُلك مع الرب تنتظرك مكافأةً لك .. فكّر كم سيفرح الرب بك وهو يقدم لك هذه المكافأة في هذا اليوم العظيم الذي  ستقف فيه أمام كرسيه ..

٣ ـ الأمانة في تنفيذ الواجبات

تأمل ما كتبه الرسول بولس إلي العبيد ( الخدم) طالباً منهم أن يؤدوا واجباتهم بكل قلوبهم ، لقد ذكّرهم بما سينالونه من مكافآت أبدية عن أمانتهم في العمل :

« وكل ما فعلتم فاعملوا من القلب كما للرب ليس للناس عالمين أنكم من الرب ستأخذون جزاء [ مكافأة KJV ] الميراث » ( كو ٣ : ٢٣ ، ٢٤ ) ..

وبالطبع ليس هذا النوع من المكافآت قاصراً علي العبيد دون غيرهم ، في الرسالة إلي أفسس بعد أن تحدّث بولس إلي العبيد طالباً منهم أن يكونوا أُمناء في عملهم أردف قائلاً لنا جميعاً :

« مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبداً كان أم حراً » ( أف ٦ : ٨ ) ..

تُري هل تؤدي عملك بكل جدية ونشاط ؟ .. كن أميناً ، اعمله بكل قلبك بلا كسل أو تراخي .. لا تحصر تفكيرك في العائد المادي ، تطلع إلي ما هو أعظم بكثير ، أن تكون أمانتك في عملك لسرور الرب حينما تقف أمام كرسيه .. فهو يريد أن يكافئك بكل تأكيدكهؤلاء العبيد عن أمانتك اليومية في العمل ..

وأنتِ أيتها الأم يا من تخلصين في رعاية أبنائك تُصلين وتضحين كثيراً من أجلهم .. إن لكِ مكافآت عظيمة ليس فقط أنك ستسعدين برؤية أولادك يسيرون مع الرب ويتميزون في نجاحهم ورغم أن هذه مكافأة لا تُقدّر بثمن ، إلا أنه لا يوجد ما يضاهي ما ستنالينه حينما تقفين أمام « بيما » المسيح وتسمعين ثناءه عليكِ وتقديره لكِ وتتسلمين من يده مكافآت أبدية مجيدة ..

وإن كانت الأمانة في مجال العمل والدراسة والمسئوليات الأُسرية لها مكافآتها الأبدية فلا شك أن هناك مكافآت عظيمة تنتظر أيضاً الأُمناء في خدمة الرب الذين يجتهدون في إتمام ما يكلفهم به لبنيان جسده ( الكنيسة ) .. لقد ذكّر الرسول بولس مؤمني كورنثوس أن « خدام المسيح » هم « وكلاء سرائر الله » ( ١ كو ٤ : ١ ) أي أنهم وكلاء الله في إعلان هذه السرائر للناس كأسرار ملكوت السموات ( مت ١٣: ١١ ) وسر المسيح ( أف ٣: ٤ ) وســر التقوي ( ١ تي ٣ : ١٦ ).. ثم قال بولس « يُسأل في الوكلاء لكي يوجد الإنسان أميناً » ( ١ كو ٤ : ٢ ) أي مطلوب في الوكيل أن يكون أميناً ..

بعد انتهاء بناء سور أورشليم أراد نحميا أن يكافيء حناني فأقامه علي المدينة وذكـر السـبب « لأنه كان رجـلاً أمينـاً يخـاف الله أكـثر من كثيريـن » ( نح ٧ : ٢ ) .. كما كافأ نحميا حناني بحسب أمانته هكذا الرب أيضاً سيكافيء كل خادم طبقاً لأمانته ، فلتكن أميناً سواء أكانت خدمتك صغيرة أم كبيرة فقد نبّه الرب أكثر من مرة إلي ضرورة أن نكـون أُمنـاء في القليـل ( مت ٢٥ : ٢١، لو ١٦ : ١٠ ؛ ١٩: ١٧ ).. كُن أميناً في خدمتك للرب في الأعمال الصغيرة غير الملحوظة من أحد تماماً مثلما يجب أن تكون في الخدمات البارزة التي يراها الناس .. علي سبيل المثال كُن أميناً وأنت تؤدي دورك في ترتيب المقاعد لجلوس الناس في الاجتماعات الروحية تماماً كما لو كنت تقود الناس في الترنيم ، فالمكافأة ستكون بحسب درجة الأمانة في أداء دورك في خدمة الرب وليس بحسب نوع الدور الذي  تؤديه ..

كُن أميناً في خدمة الرب لكي تسمع في ذلك اليوم عند « بيما » المسيح كلماته العظيمة « نعمّا [ حسـناً فعلـت ] أيهـا العـبد الصـالح والأمـين » ( مت ٢٥ : ٢١ ) ، وليتعلم كل خادم للرب هذا الدرس الثمين من الرسول يوحنا الذي  في خدمته للرب كان مُكلّفاً برعاية السيدة كيرية وأولادها فكتب لهم رسالة يقول فيها :

« اُنظروا إلي أنفسكم لئلا نُضيّع ما عمـلناه بل ننال أجـراً تاماً [ مكافأة كاملة ] » ( ٢ يو ٨ ) ..

إنه لا يقول اُنظروا إلي أنفسكم لئلا تُضيّعوا ما عملتموه بل لئلا نضيّع نحن ما عملناه ، فماذا يقصد؟.. بالرجوع إلي الآيات التي سبقت هذه الآية نفهم أنه يطلب منهم أن يرفضوا كل تعليم غريب فلا يساوموا مطلقاً في حقائق الإيمان لأن ثباتهم في الحق لن يكون فقط لفائدتهم .. إنه لفائدته هو أيضاً، سيجعله ينال من الرب أجراً تاماً ، مكافأة كاملة غير ناقصة حين يقف أمام « بيما » المسيح ..

لقد فعل يوحنا كل شيء باستطاعته وبكل أمانة لحفظ هذه العائلة من كل تعليم فاسد بما في ذلك كتابته هذه الرسالة ولم يخف عليهم دافعه أنه يريد أن ينال من الرب الذي  يحبه مكافأة غير ناقصة .. ولذات السبب كتب يوحنا للمؤمنين في آسيا الصغري [ تركيا حالياً ] الذين سبق وبشّرهم ثم صار يرعاهم بعد إيمانهم رسالة يحثهم بها علي الثبات في الرب :

« أيها الأولاد [ أولاد الله ] اثبتوا فيه [ في الرب ] حتي إذا [ متي ] أُظهِر يكون لنا [ وليس يكون لكم ] ثقة ولا نخجل منه في مجيئه » ( ١ يو ٢ : ٢٨ ) ..

إنه يفعل بكل قوته لأجل ثباتهم لكي لا يخجل حينما يُظْهَر هو أمام « بيما » المسيح.. وليس يوحنا فقط بل أيضاً بولس كان يخدم « في تعب وكد. في أسهار مراراً كثيرة » ( ٢ كو ١١ : ٢٧ ) لأنه كان يفكر في موقفه حينما يقف أمام الـ « بيما » في السماء ، اقرأ كلماته التي خاطب بها المؤمنين الذين كان يرعاهم في فيلبي طالباً منهم أن يتمسكوا بالكلمة :

« متمسكين [ أنتم ] بكلمة الحياة لافتخاري [ أنا ] في يوم المسيح بأني لم أسع باطلاً ولا تعبت باطلاً » ( في ٢ : ١٦ ) ..

هكذا كل خادم يعمل في كرم الرب يجب أن يكون مثل يوحنا وبولس ، يخدم الرب بكل أمانة متمماً دوره حتي لا يخجل حينما يقف أمام كرسي المسيح بل تكون له الثقة والفرح والافتخار وينال من مخلصه مكافآت كاملة ..

كن أميناً ..

  • أميناً في خدمتك للرب ، رافضاً أي شيء يجعلك غير قادر أن تقول كلمات بولس للتسالونيكيين « أنتم شهود والله كيف بطهــــارة وببر وبلا لوم كنـا بينكـم » ( ١ تس ٢ : ١ ) ..
  • أميناً في عملك ، فلا يقدر أحد أن يشير إلي عمل لم تؤده بكل أمانة ، حاول الوزراء العاملون مع دانيال أن يصطادوه في خطأ ففشلوا « لم يقدروا أن يجدوا علّة ولا ذنباً لأنه كان أميناً ولم يوجد فيه خطأ ولا ذنب » ( دا ٦ : ٤ ) ..
  • أميناً في علاقاتك .. مثلما كان يوناثان مع داود ، وتُعامِل الجنس الآخر « بكل طهارة» ( ١ تي ٥ : ٢ ) ..
  • وأميناً في أُمورك الصغيرة كما في الكبيرة ( لو ١٦ : ١٠ ـ ١٢ ) ..

 كن أميناً « في كل شيء » ( ١ تي ٣ : ١١ ) .. فالوعد « كن أميناً إلي الموت فسأُعطيك إكليــل الحيـاة » ( رؤ ٢ : ١٠ ) ..

٤ ـ استخدام المال من أجل ملكوت الله

كلنا يعرف كلمات الرب الشهيرة التي قالها عن المال في موعظته الشهيرة علي الجبل :

« لا يقدر أحد أن يخدم سيدين .. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال » (مت ٦ : ٢٤ ) ..

أيها الحبيب ، إذا لم تستخدم مالك كما يريده الله فأنت لا تخدمه ، أنت تخدم المال وقد جعلته سيداً عليك ، وهو سيد شديد القساوة ومفاجآته موجعة للغاية .. اجعل من المال عبداً لك ، استخدمه كما يريد الله لتحقيق مشيئته في حياتك .. انفق منه بسخاء علي خدمته وفي مساعدة الناس ، ولا تستعمله في أُمور ملوثة بالخطية كالنجاسة والتباهي ..

ذات مرة تحدث الرب يسوع عن استخدام المال في علاقته بالمكافآت الأبدية فقال :

« اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتي إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية . الأمين في القليل أمين أيضاً في الكثير

فإن لم تكونوا أُمناء في مال الظلم فمن يأتمنكم علي الحق [ الغني الحقيقي KJV ] .

وإن لـم تكـونوا أُمنـاء في مـا هـو للغـير فمـن يعطيكـم ما هو لكـم » ( لو ١٦ : ٩ ـ١٢ )

لاحظ معي كيف وصف الرب المال في حديثه :

  • إنه قليل ، والكلمــة اليونانيــة المسـتخـدمة تعـني صـغيـر للغـايـة
[  a very little thing (TEV, NAS)] .. غير المؤمنين ينظرون إلي المال علي أنه أعظم الأشياء ، وهم يكذبون ويسرقون بل وقد يموتون من أجل الحصول عليه .. أما المؤمن فالمال في عينيه أصغر الأشياء لأنه لا يُقارن بما سيمتلكه في الأبدية والذي  قال عنه الرب إنه كثير .. كُن أميناً في استخدامك لهذا الصغير ( المال ) والرب سيقيمك علي الكثير ( مت ٢٥ : ١٧) هناك ..

  • كما وصف الرب المال بأنه مال الظلم ، وبقراءة مثل وكيل الظلم الذي قاله الرب مباشرة قبل هذه الآيات نفهم أن سبب هذه التسمية يعود إلي الفترة التي عشناها قبل أن نتوب ونعرف الرب حين ارتبط حصولنا علي المال أو تصرفنا فيه بالخطية .. ولكن إذا استخدمنا هذا المال بأمانة هنا علي الأرض وأنفقنا منه بسخاء من أجل ملكوت الله فالرب سيكافئنا هناك في الأبدية بامتلاك الكنوز الحقيقية السماوية ..
  • وأخيراً وصف الرب المال بأنه « للغير » ، فنحن لا نملك المال لأن المالك الحقيقي هو الله أما نحن فلسنا سوي وكلاء عليه .. كن أميناً وتصرف فيما بين يديك من أموال بحسب فكر الله صاحبه وستكافأ في الأبدية بمكافآت وصفها الرب بقوله « ما هو لكم » لأنك لن تفقدها أبداً ..

اصنع لك أصدقاء

الرب يقول « اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتي إذا فنيتم [ من الحياة بالجسد علي الأرض ] يقبلونكم في المظال الأبدية » ( لو ١٦ : ٩ ) .. استثمر أموالك من أجل الأبدية .. أنفِق منها بسخاء علي خلاص الخطاة ، عضد الكارزين وساهم في طبع كلمة الله ونشرها وفي عقد الاجتماعات الكرازية .. أنفِق أيضاً من أموالك في مساعدة المؤمنين علي تحقيق ما يريده الله منهم .. بهذا كما يقول الرب تجعل من هؤلاء الخطاة الذين خلصوا والمؤمنين الذين ساعدتهم أصدقاء لك في الأبدية .. سيلاقونك هناك بالترحاب والشكر الكثير ، وكم سيكون فرحك آنذاك .. تحدث الرسول بولس إلي المؤمنين الذين خلصوا بواسطته في مدينة تسالونيكي فأشار إلي الفرح الذي  سيكون له وقت مجيء المسيح حينما يراهم :

« لأن من هو رجــاؤنا وفرحــنا وإكليـــل افتخــارنا . أم لسـتم أنتم أيضاً أمام ربنا يســوع المســيح في مجيئـه » ( ١ تس ٢ : ١٩ ) ..

إن الأموال التي نقدمها عن حب وبفرح وسخاء لتعضيد خدام الرب الأُمناء تزيد بلا شك من مكافآتنا الأبدية .. لم يكن المؤمنون في مدينة فيلبي بمقاطعة مقدونية أغنياء ( ٢ كو ٨ : ٢ ، ٣ ) لكنهم مع هذا ساعدوا الرسول بولس مادياً ، ولما سُجِن في روما أرسلوا إليه أشياء لتعضيده ( في ٤: ١٥ ـ ١٨ ) .. لقد مدح ما فعلوه قائلاً :

« ليس أني أتطلع إلي العطية بل أتطلع إلي ما أُضيف لحسابكم [NIV] » ( في ٤: ١٧ ) ..

بالطبع كانت هذه العطية مفيدة لبولس لكن فائدتها كانت أعظم بالنسبة للفيلبيين ، تقول الآية السابقة إنها أضافت الكثير إلي حسابهم الذي  في السماء .. أكثرت من مكافآتهم التي سينالونها حين يظهَرون أمام كرسي المسيح .. قارئي الحبيب ، لنتحرر باسم الرب يسوع من أي اتجاه للبخل ولنقدم من أموالنا بسخاء لخدمة الرب ولأعمال المحبة ومساعدة المحتاجين غير ناسين كلمات الرب القائلة :

« اكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون » ( مت ٦: ٢٠ ) ..

« أحسنوا وأقرضوا [ الفقراء ] وأنتم لا ترجون شيئاً [ استرداد القرض ] فيكون أجركم عظيماً » ( لو ٦ : ٣٥ ) ..

كتب بولس لتيموثاوس يقول له في حديثه عن تقديم التوجيه للأغنياء :

« أوصِ الأغنياء .. أن يكونوا أسخياء في العطـاء كرماء في التوزيع مُدخـرين لأنفسـهم أساساً حسناً للمستقبل [ أساس يقيني ] لكي يمسكوا بالحياة الأبدية [ الأدق بالحياة الحقيقية true life (TEV)  which is life indeed (RSV(]» ( ١ تي ٦ : ١٧ ـ ١٩ ) ..

نعم يجب أن يدرك الأغنياء أنهم عندما يعطون بسخاء ويوزعون بكرم من مالهم لتسديد احتياجات خدمة الرب والفقراء لن يتناقص رصيدهم لأنهم يدخرون !!.. نعم يدخرون أموالهم في السماء كي ينتفعوا بها طوال الأبدية ..

حيث الحياة الحقيقية في الأبدية هي الحياة المملوءة بأمجاد المكافآت .. فهل ترغب فيها وتستعد لها ؟..

ادخر كثيراً في السماء !!

إبليس يحارب المؤمن تارة كأسد ( ١ بط ٥ : ٨ ) وتارة أُخري  كحية ( ٢ كو ١١ : ٣ ) .. كأسد يفعل كل شيء يقدر عليه لكي يخيف المؤمن حتي يتراجع عن تبعية الرب وخدمته ، لقد اضطهد هذا الأسد الزائر بولس ، حاربه بكل ضراوة، حرّك كثيرين لمضايقته بل وقتله ، مع هذا قال بولس عن هذا الاضطهاد الشرس والمستمر إنه « ضيقة خفيفة »!! .. لماذا ؟ .. لقد قارنه بالمكافأة الأبدية التي سينالها لأنه انتصر بقوة الروح في هذا الاضطهاد ولم يفقد فرحه في خدمته للرب، لنسمع ما قاله بولس :

« لأن خفــة ضيقتنــا الوقتيــة تُنشـيء لنا أكثر فأكثر ثقـل مجـد أبديــاً »  ( ٢كو ٤ : ١٧ )

ثقل المجد المتكاثر هذا هو لك أيضاً إذا اعتمدت علي قوة الروح القدس في مواجهتك لأي اضطهاد تتعرض له من هذا الأسد الزائر كي تترك خدمة الكلمة أو تكسر أحد وصاياها ، فستنتصر كما انتصر بولس ولن تفقد فرحك .. تعرّض المؤمنون من العبرانيين إلي اضطهاد قاس بسبب أنهم اعتنقوا الإيمان المسيحي إلا أن فرحهم لم ينقص بل ازداد ،  فقد كان لهم اليقين بأن ثباتهم في الاضطهاد يُربحهم مكافآت أبدية عظيمة ، كتبت الرسالة تقول:

« قبلتم سلب أموالكم بفرح عالمين في أنفسكم أن لكم مالاً أفضل في السموات وباقياً » (عب ١٠ : ٣٤ ) ..

افرح وتهلل كثيراً إن كنت تُقاسي الآن بسبب إيمانك بالرب أو طاعتك لوصاياه وليس لأنك تتصرف بعدم حكمة ، ثق في حماية الرب لك .. ثق أيضاً أن هذه المواجهات ستزيد من مكافآتك الأبدية ، من أمجادك هناك .. اقرأ هذه الآيات جيداً :

  • « إن كنا نتألم معه [ مع الرب يسوع حينما نُضطهد بسببه ] لكي نتمجد أيضاً معه » ( رو ٨ : ١٧ ) ..
  • « إن كنا نصبر [ نثبت في احتمال هذه الضيقات ] فسنملك أيضاً معه » ( ٢ تي ٢ : ١٢ ) ..
  • « طوبي لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شـريرة من أجلي [ من أجل الرب يسوع ] كاذبين . افرحوا وتهللوا. لأن أجركم عظيم في السموات » ( مت ٥ : ١١ ، ١٢ ) ..
  • « إني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يسـتعلن فينا » ( رو ٨ : ١٨ ) ..

آه أيها المؤمن يا من تختار أن تترك عملاً يدر عليك مالاً وفيراً لأنه يضطرك إلي غش وخداع الناس ، إن مالاً تعويضياً أفضل بكثير ينتظرك عند « بيما » المسيح .. وأنتِ أيتها الأخت التي تتعرضين لمعاملة قاسية وظلم واضح من مديرك في العمل بسبب تمسكك بالنقاوة إن ثقل مجد أبدي مُعد لكِ وستسمعين من مخلصكِ الحبيب في هذا اليوم العظيم كلمات المدح والثناء التي لا تُقدر بثمن .. وأنت يا من تتعرض في كل يوم إلي تعيير زملائك لك لأنك لا تشاركهم التهرب من دفع الضرائب ، الرب سيكافئك بكل تأكيد مئة ضعف ولن يعوزك شيء.. وهذا الطبيب الذي  يخسر أموالاً كثيرة في كل يوم لأنه يمتنع عن إجراء عمليات الإجهاض ( الاسم المهذب للقتل ) ، طوباه فهو مؤمن منتصر غلب بريق المال وسينال مكافآت المنتصرين العظيمة .. وتلك الفتاة التي تمسكت بعدم الزواج من شخص متميز ومرموق لأنه غير مؤمن حتي لا تكسر وصية كتابية واضحة فتعرّضت للعقاب من أُسرتها .. شتائم وقيود .. يا لسعادتها فإن أجرها عظيم في السموات .. وكل هؤلاء الذين يسمعون ملاحظات النقد والسخرية باستمرار من الأقارب والأصدقاء لأنهم يتخذون موقفاً حاسماً تجاه المشاركة في النميمة وأحاديث العالم وطرقه ، نعمّا لهم فهذه الاضطهادات لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فيهم ..

الحـيّة

كما يحارب إبليس المؤمن كأسد زائر ، فهو يقترب منه في مرات كثيرة كحيّة مخادعة محاولاً أن يغويه كي يُسقطه في فخ خطايا كالنجاسة والسرقة وغيرهما .. أيها الحبيب لا تستسلم لإبليس تذكّر أن الله وهبك القدرة أن تقـاومه بل أن تجبره علي الهـروب من أمامك ( يع ٤: ٧ ) .. لا تستسلم له وثق أن كل معركة تجوز فيها لها مكافآتها الأبدية الخاصة .. الرب لن ينسي كل موقف رفضت فيه أن تستمر منهزماً وقمت بقوته من سقطتك ، لن ينسي إصرارك أن تتحرر كاملاً من كل قيود الإثم وصراعك مع قوي الظلمة من أجل ذلك .. سيكافئك بكل تأكيد في ذلك اليوم حينما تُظهَر بجسدك الممجد أمام الـ « بيما » بمكافآت عظيمة « ثقل مجد أبدي » ..

انتصر علي الخطية

إن الحياة المنتصرة علي الخطية لها مكافآتها الأبدية ، ليست فقط الخطايا التي في مجال النجاسة أيضاً تلك التي في مجال المحبة.. فالحياة التي تتسم بالحب والاتضاع ترفع الإنسان في الملكوت..

ذات يوم أتت إلي الرب أُم يوحنا ويعقوب تلميذيه وقالت له « قُل أن يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك » ( مت ٢٠ : ٢١ ) فاغتاظ بقية الرسل الإثني عشر فكانت فرصة مناسبة لهم لكي يعلمهم الرب درساً هاماً .. المجد في الملكوت نناله بخدمة الآخرين .. قال لهم :

« مَن أراد أن يكون فيكم عظيماً  فليكن لكم خادماً . ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً » ( مت ٢٠ : ٢٦ ، ٢٧)

هل تود أن تكون عظيماً في ملكوت الرب الأبدي ؟ .. إن كلماته تقول لنا إن بلوغ قمم المجد في ملكوته هو بالنزول .. أن ننزل إلي مستوي الخدم والعبيد ، لا بمعني أن نترك الناس يحققون قصد إبليس في سلبنا وإيذائنا وتدمير معنوياتنا بل أن نكون مثله وهو علي الأرض ، نخدم الآخرين عن حب حقيقي واتضاع غير مزيف وليس عن ضعف أو إحساس بالمذلة ..

لا تطلب السيطرة والتحكم في الآخرين وفرض الرأي ، كن متضعاً واخدم في دائرة أسرتك وبين المؤمنين في كنيستك بل وكل إنسان له احتياج يقودك الرب لمساعدته فتكون عظيماً في الأبدية .. إن الخدمة باتضـاع تأتي لك بالرفعـة والمجـد في الأبدية ، يقول الرسول بطـرس « تواضعوا تحت يد الله القويـة لكي يرفعكم في حينه » ( ١ بط ٥ : ٦ ) .. والرب يسوع بنفسـه قال مرتـين للتأكيد « مَن وضـع نفسـه يرتفـع » ( لو ١٤ : ١١ ؛ ١٨ : ١٤ )، وحياته كإنسان علي الأرض هي أعظم مثال لنا فقد أتي إلي أرضنا ليخدمنا « لم يأتِ ليُخدَم بل ليخدِم » ( مت ٢٠ : ٢٨ ) سالكاً بكل تواضع « تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب » ( مت ١١ : ٢٩ ) .. سمعناه يقول لتلاميــذه « أنا بينكم كالذي  يخدم » ( لو ٢٢ : ٢٧ ) ورأيناه وهو يغســــل أقدام تلاميذه ويمسحها بمنشفة ( يو ١٣ : ٥ ) ، ثم بلغت خدمته أعلي مظاهرها في ذهابه إلي الصليب ليصلب عنا .. تدعونا رسالة فيلبي في أصحاحها الثاني أن نتشبه بالرب ، فالذي  سيتبع الرب في اتضاعه وخدمته للآخرين هنا علي الأرض سيشاركه في الأبدية المجد والرفعة والمُلك ..

كن خادماً اليوم .. وإلي آخر يوم في حياتك، قاوم خطايا الأنانية والكبرياء وفرض الرأي والعناد لكي تكون لك مكافآت عظيمة في السماء ..

قاوم الإدانة والازدراء

اقرأ الأصحاح الرابع عشر من رسالة رومية وستجد الرسول بولس يطلب من كل مؤمن أن يرفض خطيتي الإدانة والازدراء بالغير مُذكّراً بالوقوف أمام « بيما » المسيح « فلماذا تدين أخاك . أو أنت أيضاً لماذا تزدري بأخيك . لأننا جميعاً سوف نقف أمام كرسـي [ بيما ] المسيح » ( رو ١٤ : ١٠ ) ..

وأيضاً عدم الغفران

قاوم أي مرارة في داخلك تجاه شخص أساء إليك .. قاومها بأن تصلي من أجله ، والروح القدس سيهبك أن تحبه برغم كل ما فعل لك .. إن محبة الأعداء لها مكافأة عظيمة ، يقول الرب يسوع « إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم » ( مت ٥ : ٤٦ ) .. « أحبوا أعداءكم .. فيكون أجركم [ مكافأتكم ] عظيماً » ( لو ٦: ٣٥ ) ..

انتصــر

قارئي العزيز ، اقرأ الأصحاحين الثاني والثالث من سفر الرؤيا وستري الرب مرة تلو الأُخري  يعلن أنه سيهب المؤمن المنتصر مكافآت سامية والمدهش أنه لم يكن يتحدث فقط إلي مؤمنين منتصرين بل أيضاً إلي منهزمين .. يا لمحبته ، يلوح لهم بالمكافآت التي سيمنحها للمنتصرين ليشجعهم أن يحولوا هزائمهم إلي انتصارات ..

يمكنك إن كنت منهزماً  أن تحوّل هزيمتك إلي انتصار وانتظار للمكافآت!! وما أعظمها مكافآت .. ستملك مع الرب فسيهبك الامتياز أن تخدم في ملكوته بسلطان ، سيقيمك علي الكثير ..

أعظم مكافأة

لقد وعد الرب المؤمن المنتصر بأن يملك معه « من يغلب ويحفظ أعمالي إلي النهاية فسأعطيه سلطاناً علي الأُمم » ( رؤ ٢ : ٢٦ ) .. ثم بعد هذه الآية مباشرة أضاف قائلاً « وأُعطيه كوكب الصبح » ( رؤ ٢ : ٢٨ ) .. ماذا يقصد الرب بهذا الكوكب المنير الذي  يهبه للمؤمن المنتصر ؟ .. في آخر أصحاح من سفر الرؤيا نسمع الرب يقول :

« أنا يسـوع .. أنا أصل وذرية داود . كوكب الصـبح المنـير » ( رؤ ٢٢ : ١٦ )

نعم إن أعظم مكافأة للمؤمن المنتصر هي الرب نفسه ، قديماً قال الله لإبراهيم في رؤيا « لا تخف.. أنا ترس لك. أجرك كثير [ الأدق الكثير ] جداً » ( تك ١٥ : ١ ) .. الرب المنير هو هذا الأجر الكثير جداً للمؤمن المنتصر ، فهو سيتمتع بعلاقة خاصة حميمة وعميقة معه طوال الأبدية .. انظر كيف عبّر الرب بصور متنوعة عن هذه العلاقة المتميزة التي سيُكافيء بها المؤمن المنتصر :

  • « من يغلب فسأُعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله » ( رؤ ٢: ٧ ) ..
  • « من يغلب فسأُعطيه أن يأكل من المن المخفي وأُعطيه حصاة بيضاء وعلي الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ » ( رؤ ٢: ١٧ ) ..

فشجرة الحياة والمن المخفي ليسا شيئاً آخر سوي الرب نفسه !! ..

الأكاليـل

لن تقتصر مكافآت الرب لنا بسبب انتصاراتنا علي أن نملك معه ونتمتع به في علاقة متميزة وفريدة ، أيضاً سيهبنا أكاليلاً متنوعة.. لقد استخدمت كلمة الله في أسفار العهد الجديد كلمتين بمعني إكليل .. الأُولي هي « stephanos » واستُخدمت للإكليل الذي  كان يتوَّج به قديماً الشخص الذي  يحصل علي المركز الأول في سباقات الجري وأيضاً المصارع الذي  يلحق بخصمه الهزيمة .. والثانية « diadema » وهو الإكليل الذي  يرتديه الملوك فـوق رؤوسهم .. وفي الحديـث عن مكافـآت المؤمنين استخدم الروح القدس الكلمـة الأُولــي « stephanos » ، فعنــدما نُظهَــر أمـام الـ « بيمـا » السماوي ، سيعطي الرب لكثيرين منا أكاليلاً بسبب الانتصارات التي حققوها باسمه وهم علي الأرض .. وبالطبع ليس المقصود الإكليل المادي لكنه تعبير عن امتيازات خاصة عظيمة يحظي بها المؤمن طوال الأبدية ..

تحدثنا كلمة الله أيضاً عن أنــواع من هذه الأكاليــل ، أحدها ذكره الرسول بولس في رسالته الأُولي إلي كورنثوس « ألستم تعلمون أن الذين يركضون [ يجرون ] في الميدان [ مكان السباق ] جميعهم يركضــون ولكن واحداً يأخــذ الجعــالة [ المكافأة ] . هكذا اركضوا [ اجروا ] لكي تنالوا . وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء . أما أُولئك فلكي يأخذوا إكليــلاً يفني وأما نحــن فإكليـــلاً [ stephanos ] لا يفنـي . إذاً أنا أركـض هكـذا كأنه ليس عن غير يقين . هكذا أُضارب كأني لا أضرب الهواء. بل أقمع جسـدي وأسـتعبده حتي بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً [ غير متأهلاً disqualified (NKJV) ] » ( ١ كو ٩ : ٢٤ ـ ٢٧ ) ..

يشبّه الرسول بولس حياة المؤمن علي الأرض بالشخص الذي  يتنافس في سباق الجري لكي يفوز بالمركز الأول وينال الإكليل ، ويقول إن كل ما هو ضروري للمتسابق لكي يكسب السباق ويفوز بالإكليل هو ضروري للمؤمن كي ينال من الرب أكاليل المجد .. ويحدد بولس أمرين هامين للغاية :

  • التركيز علي الهدف

« أنا أركض هكذا كأنه ليس عن غير يقين [ هدف ] .. أُضارب [ كالملاكم ] كأني لا أضرب الهواء [ بل الخصم ] » .. فالذي  يلاكم ولا يوجه لكماته للهدف أي الخصم يخسر طاقته .. يقول بولس أيضاً : « أفعل شيئاً واحداً إذ أنا أنسي ما هو وراء وأمتد إلي ما هو قدام أسعي [ أجري في السباق ] نحو الغرض [ الهدف] لأجل جعالة [ جائزة ]  دعوة الله العليا في المسيح يسوع » ( في ٣ : ١٣ ، ١٤ ) ..

كلمات بولس واضحة .. إنه كإنسان يحيا لخدمة الرب لا يشتت نفسه ولا ينشغل بأُمور حدثت في الماضي ..  عيناه أبداً لا تحيدان عن الهدف ، أن ينال حينما يُظهر أمام « بيما » المسيح الجعالة أي الجائزة، المكافأة وهي الإكليل الذي  لا يفني والذي  لأجل نواله دعاه الرب هذه الدعوة العليا للكرازة ..

  • ضبط النفس

يقول بولس إن « كل من يجاهد [ في السباق لكي يفوز ] يضبط نفسه » ( ١ كو ٩ : ٢٥ ) .. أي أنه لا يسمح لنفسه أن يفعل شيئاً يؤذي لياقته البدنية ، فهو يأكل بحساب وينام بانضباط ليس طويلاً أو قليلاً ويواظب علي تمرين عضلاته .. فإن كان الذي  يبغي الفوز بالإكليل المادي الزائل يُخضِع جسده لهذا الهدف فكم يجب علي الخادم المتطلع للفوز بالإكليل الذي  لا يفني أن يُخضِع هو أيضاً جسده لكل ما تتطلبه خدمة الرب من تعب ونشاط.. تأمل ما يقوله الرسول بولس عن معاملته لجسده « أقمع جسدي وأستعبده.. » أي أنه لا يترك جسده يتحكم فيه بل هو الذي  يتحكم في جسده ويجعله عبداً له .. وانتبه فليس القصد مطلقاً أن تؤذي جسدك أو أن تعتبره شراً مثلما نادت بعض الفلسفات كالأفلاطونيـة الجـديدة ( New Platonism ) والغنوسـية ( Gnosticism ) ، فالرسول بولس نفسه يقول في ذات الرسالة إلي كورنثوس عن الجسد إنه هيكل للروح القدس ( ١كو ٦: ١٩ ) مؤيداً ضرورة الاعتناء به « لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه » ( أف ٥: ٢٩ ) ..

لا، لا تؤذِ جسدك لكن أيضاً لا تتركه يتحكم فيك ويجعلك خادماً له .. تحكّم في جسدك بقوة الروح ، فقصد الله أن يكون جسدك دائماً عبداً لك.. لا تستجب له إذا طلب منك أن تأكل بإفراط كما لا تطعمه أبداً ما يضره كي يظل سليماً لا يعوق خدمتك للرب بإعيائه .. اُرفض أيضاً أن يتعود الكسل، فإذا أرادك أن تتخلف عن اجتماعات الصلاة أو السير لافتقاد النفوس أو أن تترك دراسة الكلمة ، أخضعه بقوة الروح وسيتحول من الكسل إلي النشاط .. وإذا حدث وقاوم وجودك في مكان دعاك الرب للخدمة فيه بسبب ظروف معيشية صعبة فلا تستسلم له، حتماً سيخضع ولن يسبب لك المشاكل..

كما لا تسمح لجسدك أبداً أن يكون مجالاً لعمل طبيعتك القديمة ( رو ٦ : ١٣ ) كي لا تُحزِن الروح القدس.. اُنظر الرسول بولس يقول « أقمع جسدي وأستعبده حتي بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً   [ adokimos] » .. والسؤال مِن ماذا يُرفض؟.. إن سياق الحديث يُظهِر المعني أنه إذا لم يقمع جسده لن يتحرك كما يريده الرب ، ستُعاق خدمته وبالتالي لن ينال الإكليل، أي أن سعيه لنوال هذه المكافأة العظيمة سيُقابَل بالرفض ..

تُطلق كلمة «  adokimos» علي الأشياء التي لا تثبت في الامتحان وبالتالي لا تصلح للاستخدام أي تصبح « غير مؤهلة  disqualified» .. وهذه الكلمة تتكون من جزئين حرف النفي « a » والفعـل « dokimos » الذي  معناه « يمتحن » .. ولهذا فالترجمة الأدق لعبارة الرسول بولس ليست « لا أصير مرفوضاً » بل « لئلا أُمتحن وأصير غير مؤهلاً [ لنوال الإكليل ] » ..

يُظهِر لنا نص الرسالة باللغة اليونانية بكل وضوح أن هذا هو حقاً ما يقصده الرسول بولس ، فالفعل « dokimos » « يمتحن » هو نفسه الذي  استخدمه في الأصحاح الثالث في حديثه عن النار التي ستمتحن أعمال كل مؤمن يوم أن يُظهَر أمام « بيما » المسيح « وستمتحن [ dokimos ] النار عمل كل واحد » ( ١ كو ٣: ١٣ )

هكذا الرسول بولس يقول إنه يقمع جسده ويستعبده لكي عندما تأتي النار لتمتحن خدمته لا يظهر أنه غير مؤهل لنوال الإكليل .. ولهذا فالترجمة الأدق هي التي نقرأها في ترجمة  NIVالشهيرة : « أقمع جسدي وأستعبده لئلا أكون غير مؤهلاً للجائزة » ..

أكاليل أُخري

بجانب هذا الإكليل الذي  لا يفني الذي  سيُقدم لأُولئك المؤمنين الذين خلال حياتهم علي الأرض عاشوا مثل بولس مخضعين أجسادهم وغير سامحين لها أن تعطل خدمتهم للرب فقد ذكرت كلمة الله ثلاثة أكاليل أُخري  :

  • إكليل البر لمن يحيون في البر انتظاراً لمجيء الرب ، كتب بولس في نهاية حياته قائلاً « قد جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان وأخيراً قد وُضِع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهـوره أيضاً » ( ٢ تي ٤: ٧ ، ٨ ) ..
  • إكليل المجد لمن يرعون الآخرين ويطعمونهم بكلمة الله ، كتب بطرس لهم قائلاً « ارعوا رعية الله .. ومتي ظهر رئيس الرعاة تنالون إكليل المجد الذي لا يبلي » ( ١بط ٥: ٢ ، ٤ ) ..
  • إكليل الحياة للذين يحتملون التجارب بنجاح « طوبي للرجل الذي يحتمل التجربة. لأنه إذا تزكي ينال إكليل الحياة » ( يع ١: ١٢ ) .. ونفس هذا الإكليل سيعطي لمن يبقون أُمناء للرب برغم الاضطهاد « كن أميناً إلي الموت فسأُعطـيك إكليل الحياة » ( رؤ ٢: ١٠ ) ..

 هل سنفقد أكاليلنا؟

من المناظر بديعة الجمال التي شاهدها يوحنا في رؤياه منظر العرش الإلهي وحوله الأربعة والعشرون شيخاً يخرون لله « ويطروحون أكاليلهم أمام العرش » ( رؤ ٤ : ١٠ ) .. فهل هذا يعني أنهم فقدوا الأكاليل ؟ .. لا يمكن أن نفسر ما شاهده يوحنا علي نحو حرفي ، فالأكاليل ليست مادية بل هي تعبير عن امتيازات أبدية .. إنهم لا يطرحون الأكاليل لكي يفقدوا امتيازات المجد التي تُعبر عنها بل لكي يقولوا له إننا نمجدك بكل الأمجاد التي أعطيتها لنا ،  إنها منك ولك .. إن زمن الفعل المستخدم في جملة « يطرحون أكاليلهم » باللغة اليونانية يدل علي أن الطرح ليس لمرة واحدة بل مرات ، ويا للمعني العظيم !!..  سنظل نطرح الأكاليل طوال الأبدية تعبيراً عن شكرنا العميق لمن وهبنا هذه الأمجاد الفائقة .. سنظل نطرحها أمام العرش إلي الأبد ، فلن نفقدها إلي الأبد .. هللويا ..

إنسي ما وراء .. تشجع

القاريء العزيز .. دعني أختم هذا الكتاب بهذه الكلمات المشجعة ، أنه مهما كان ما فقدته من أكاليل ومكافآت أبدية في سباقات السنوات التي مضت فلتثق أن الوقت الباقي لك علي الأرض هو وقت تعويضي عظيم لأعمـال عظيمـة ليس فقط لمكافـآت تنالهـا هنـا في هذا الزمـان علي الأرض ( مر ١٠: ٢٩ ، ٣٠ ، ٢ كو ٩: ٦ ـ ٨ ، ١ بط ٣: ١٣ ـ ١٧ ، رؤ ٣: ١٠ ) بل للمكافآت الأبديـة الأعظـم .. كن كأصحـاب الساعة الحادية عشر ، لقد عملـوا في هذه السـاعة الأخـيرة من اليوم فقط فكانت لهم ساعة تعويضية ، عوضتهم عن ساعات اليوم التي ظلوا فيها بطالين لا يعملون .. لقد عملوا في هذه الساعة الأخيرة فقط لكنهم أخذوا أجر عمل يوم كامل ( مت ٢٠ : ٩ ـ ١٢ ) .. يا للنعمة الغنية !! ..

رجاء لا تُضيّع فرصة الساعة الحادية عشر .. تذكّر أن أعظم أعمال شمشون كانت في اليوم الأخير من حياته وبســبب ما فعله في هذا اليوم صــار له مكاناً بين أبطال الإيمان المسجلة أسماؤهم في الأصحاح الذهبي الحادي عشر من رسالة العبرانيين ( عب ١١ : ٢٣ ) .. فمهما كان طول الوقت الذي  مضي ومهما كانت الأكاليل والمكافآت التي خسرتها ، إله « كل نعمة » قد وهبك ساعة تعويضية .. نعم إن الوقت الباقي لك علي الأرض هو وقت تعويضي مقدم لك من الله لأعمال عظيمة لها مكافآت وأكاليل عظيمة .. فلتنسَ ما وراء وتنخرط في السباق الآن ولتركز عينيك علي الهدف .. علي لقائك بالرب وهو يقدم لك المكافآت ويضع علي رأسك الأكاليل ..

هيا اعتمد علي النعمة ولن تفشل فلقد جعلك الله أميراً لتعمل الأعمال العظيمة ذات المكافآت والأكاليل الأبدية العظيمة .. لقد جعلك الله أميراً لتظل أميراً في الأبدية .. لتملك مع المسيح وتتمتع بعلاقة متميزة معه وتحظي بالأمجاد وتلبس الأكاليل..

Start typing and press Enter to search