٥- الهــــــــاوية

[٥] الهــــــــاوية

الحديث في هذا الفصل شيق ، شيق للغاية .. فهو حديث عن انتصار الرب يسوع في الموقعة الحربية التي جرت في العالم الآخر غير المنظور ..

وهل هناك موضوع يلذذ النفوس التي أحبت مخلصها والتصقت به أكثر من الحديث عن سحقه المجيد لقوى الظلام ..

نعم ، لقد انتصر عليها في مواقع شتى .. في التجربة على الجبل .. في جسثيماني .. في الجلجثة .. في مواقع أخرى حدثت أثناء حياته المنظورة على الأرض .. لكن أغرب هذه المواقع هي تلك التي جرت أحداثها وقت أن بدى ساكناً بلا حراك راقداً بجسده في القبر كميت ..

وقتها كان يهاجم وينتصر .. كان يسحق الأعداء ..

انتصر وسحق قوى الظلمة .. ولحسابنا.. ما هي التفاصيل؟

هذا هو حديث هذا الفصل ، ولنبدأ قراءته بصلاة قصيرة نُعبر بها عن احتياجنا الماس لمرافقة الروح القدس لنا حتى لا تكون قراءة لحشد الذهن بالمعلومات بل لإلتقاط المنّ السماوى الذي يُشبع القلب إلى التمام..

يا روح الله ..

كم أنا في احتياج أن أبقى الآن تحت

ظل سحابة حضورك ..

أُريد أن أقرأ ، فيعزينى ويفرحنى

صوتك الحلو وهو يعلن ليّ انتصار

سيدي

لنبدأ بكلمات للرسول بولس من الأصحاح الرابع من الرسالة العظيمة إلى كنيسة أفسس ..

يقول الرسول ” إذا صعد (الرب يسوع) إلى العلاء سبى سبياً وأعطى الناس عطايا .. وأما أنه صعد فما هو إلا أنه نزل أيضاً أولاً إلى أقسام الأرض السُفلى .. الذي نزل هو الذي صعد أيضاً فوق جميع السموات” (أف ٤: ٨ – ١٠) ..

فبعد أن مات الرب يسوع نزلت نفسه إلى أقسام الأرض السُفلى ، إلى عالم نفوس الأموات التي رحلت من قبل .. فقبل الصليب لم تكن هناك نفس تستطيع أن تصعد إلى الفردوس ..

” أجرة الخطية هي موت ” (رو ٦: ٢٣) .. وحتى الذين رقدوا في الإيمان وقدموا لله ذبائح حيوانية عن خطاياهم هم أيضاً مُنعوا من الدخول إلى الفردوس .. فلم تقدر دماء الحيوانات أن تفديهم .. لم تقدر أن ترفع عنهم خطاياهم .. لقد عجزت عن أن تحسبها كأنها لم ترتكب .. كل ما فعلته أنها غطتها مؤقتاً غطت هو أحد معانى كلمة كفر (kāpar) ( ) العبرية ] ..

غطتها ، أي حجبتها مؤقتاً عن أنظار الله إلى أن رُفعت تماماً عندما مات الرب يسوع الذي كانت تشير له كل هذه الذبائح ” حمل الله الذي يرفع [takes away] خطية العالم ” (يو ١: ٢٩)..

فطوال الزمن الذي مضى قبل يوم صلب الرب يسوع لم تكن هناك نفوس في السماء ، فأين كانت؟

يقول يعقوب أبو الآباء (نحو ٢٠٠٠ ق.م) عن الموت ” أنزل إلى ابنى [ يوسف ] نائحاً إلى الهاوية [sheol] (تك ٣٧: ٣٥) .

كانت النفوس كلها تذهب بعد الموت إلى الهاوية ..

لقد نزل الرب يسوع إلى هناك .. إلى عالم الأموات الذي تحت الأرض لذا قال عن نفسه 
” كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالي هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض [heart of the earth] ثلاثة أيام وثلاث ليال ” (مت ١٢: ٤٠) ..

” قلب الأرض “

من المعروف أن قبر الرب كان على السطح، فالرب لم يكن يتحدث عن جسده بل عن نزول نفسه بعد انفصالها عن جسده إلى أقسام الأرض السُفلى في عمق الأرض .. إلى العالم الذي يسميه الكتاب الهاوية [ بالعبريةsheol ] .. فعندما تحدث موسى النبي عن عقاب الله لقورح ورفقائه 
قال ” فَتَحَت الأرض فاها وابتلعتهم وكل ما لهم فهبطوا أحياء إلى الهاوية [ بالعبرية ( ) (sheol) ] ” (عد ١٦ : ٣٠) ..

الهاويـة أقسـام

من كلمات موسى النبي السابقة نفهم أن الهاوية تقع أسفل الأرض ، ومن مقارنة رؤ ١١: ٧ 
” الوحش الصاعد من الهاوية “، مع رؤ ١٣: ١ ” رأين وحشاً طالعاً من البحر “، نعرف أن جزءً من الهاوية يقع تحت البحر.. ويبدو من المقارنة أنه الجزء المختص بالأرواح الشرير التابعة لإبليس..

ومن حديث الرسول بولس في أفسس عن نزول الرب إلى أقسام الأرض السُفلى 
(أف ٤: ٨- ١٠) ندرك أن الهاوية أقسام ..

قصة الغني ولعازر

هذه القصة رواها الرب يسوع بنفسه وسجلها لنا القديس لوقا في الأصحاح السادس عشر من إنجيله، ولا يوجد في كلماتها ما يشير إلى أن الرب كان يتكلم بمَثَلٍ .. إنها قصة واقعية بدليل أن الرب يذكر اسم أحد شخصياتها وهو لعازر ..

وأحداث هذه القصة تمت قبل صلب الرب وقيامته ، لأنه عندما طلب الغني من إبراهيم أن يرسل لعازر إلى أسرته أجابه إبراهيم ” عندهم موسى والأنبياء ” (لو ١٦ : ٢٩).. ولم يقل له ” عندهم الرسل أو التلاميذ ” ولم يشر إلى البشارة بالإنجيل..

ولهذه القصة أهمية خاصة في موضوع حديثنا .. فلقد أزاحت لنا الستار عن الكثير من الحقائق التي تتعلق بالهاوية ..

  • الغني المُدان كان في الهاوية.. يقول الرب عنه ” فرفع عينيه في الهاوية ” (لو ١٦: ٢٣) ..
  • إبراهيم أبو المؤمنين كان أيضاً في الهاويةفالرب يقول أن الغني كان يرى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه ، مما يؤكد أن إبراهيم كان مع الغني في مكان واحد حتى شاهد كل منهما الآخر .. بل لقد استطاعا أن يتحدثا معاً (لو ١٦: ٢٤) ..
  • ولكن مع أن إبراهيم والغني كانا معاًفي الهاوية ، لكنهما لم يكونا في ذات القسم والحوار الذي دار بينهما يؤكد هذا .. يقول إبراهيم ” بيننا وبينكم هوة عظيمة قد أُثبتت حتى أن الذين يريدون العبور من ههنا إليكم لا يقدرون ولا الذين من هناك يجتازون إلينا ” (لو ١٦: ٢٦) .. هذه الكلمات تؤكد وجود حواجز بين القسمين برغم أن الموجودين فيهما يرى كل منهما الآخر ..
  • فرق واضح بين حالة الموجودين في كل من القسمين .. فإبراهيم يقول للغني عن لعازر 
    ” الآن هو يتعزىوأنت تتعذب ” (لو ١٦: ٢٥) .. قسم للتعزية وآخر للعذاب .. كما أن الوحي يذكر أن الملائكة هي التي حملت لعازر إلى قسمه ..
  • أرواح تتعزى لأنها تعرف أن خطاياها قد تغطت وأن المسيا سيأتى بكل تأكيد لكي يطرح ذنوبها في أعماق البحر ويصعدها معه إلى الفردوس .. وأرواح القسم الآخر تتعذب لأن ليس لها أي رجاء ، فلم تكن لها علاقة حقيقية بالله ، ولم تحتمِ بدماء الذبائحالتي تشير إلى دم المسيح الكفارى ..

قسم ثالث في الهاوية

ذات مرة طلبت الأرواح الشريرة (الشياطين) “demons” من الرب يسوع أن لا يرسلها إلى الهاوية .. ففي الهاوية قسم ثالث يختص بجنود مملكة الظلمة وقد تحدث عنه الوحي في الأصحاح التاسع من سفر الرؤيا (رؤ ٩: ٢ ، ٩ ، ١١) ..

والأصل اليوناني للعهد الجديد يُميز بين كلمتين تُرجمتا في العربية إلى كلمة ” هاوية ” ..

  • كلمة هادس( ) “Hadēs” ، والتي تعني حرفياً مكان غير مرئي invisible أو مخيف gruesome ..
  • كلمة أبيسوس( ) “abyssos” ، ومعناها الحرفي مكان لا قرار له bottomless ..

كلمة هادس “hades” استخدمت لكلا القسمين كالخاصين بأرواح الشر (لو ١٦: ٢٣ ؛ أع ٢: ٢٧ ، ٣١) ..

أما كلمة أبيسوس “abussos” فهي تطلق فقط على القسم الخاص بالأرواح الشريرة (الشياطين) (لو ٨: ٣١ ، رؤ ٩: ١، ٢ ، ١١؛ ١١ : ٧؛ ١٧ : ٨) ..

والآن لنلخص ما قلناه في نقط ..

  • الهاوية هي مكان ما تحت الأرض والبحر ..
  • وهي تتكون من أقسام ..

+ قسم للأرواح التي رقدت قبل مجيء المسيح مثل إبراهيم ولعازر وقد كفرت عن خطاياها بدماء الحيوانات المذبوحة .. كانت تنتظر في هذا القسم متعزية بسبب الرجاء في رفع خطاياها نهائياً فتدخل الفردوس ..

+ قسم لغير المؤمنين .. ينتظرون الدينونة المخيفة ..

+ قسم للأرواح الشريرة (الشياطين) التابعة للملكة الظلمة..

هذه هي الهاوية .. فماذا فعل الرب يسوع فيها ؟ ” نزل إلى أقسام الأرض السُفلى .. ” 
(أف ٤: ٩) .. لم ينزل إلى قسم واحد .. نزل وله سلطان على كل الذين تحت الأرض (فى ٢: ١٠) .. نزل إلى هناك بعد أن أسلم روحه على الصليب ، وهناك قام بعملين عظيمين .. عمل يتعلق بنفوس البشر الذين ماتوا من قبل وآخر يتعلق بجنود مملكة الظلمة ..

نزل السيد المسيح بنفسه بعد انفصالها عن جسده لحظة موته على الصليب والتي لم ولن تنفصل قط عن لاهوته .. نزل إلى قسم ” الهادس ” وتقابل مع المؤمنين الذين كانوا في حضن إبراهيم أبو المؤمنين(غلا ٣: ٧) .. وأعلن لآدم وحواء وهابيل واسحق ويعقوب وداود ونحميا وكثيرين وكثيرين أنه قد آن وقت مكافأة إيمانهم .. وياللإعلان الذي سمعوه الذي لا يُقدر بثمن ، لقد سمعوا أن كل خطاياهم التي غطتها من قبل دماء الحيوانات المسفوكة قد طُرحت في أعماق البحر .. لقد أتى لهم وسيط العهد الجديد ” لفداء التعديات (الخطايا) التي في العهد الأول [ القديم ] ” (عب ٩: ١٥)..

يالها من بشارة ، لقد فُتح الطريق إلى شجرة الحياة التي في وسط الفردوس ..

إلـى الفـردوس

وقادهم الرب يسوع صاعداً بهم من تحت الأرض إلى الفردوس ( ) “paradeisos” متمماً وعده مع اللص ” اليوم تكون معي في الفردوس ” (لو ٢٣: ٤٣) ..

ولم تعد ” هادس ” التي في قلب الأرض مكاناً الآن للمؤمنين الذين يرقدون في الرب .. بل 
” الفردوس ” ..

الفردوس ( باراديسوس ) هي من كلمة فارسية كانت تطلق على حدائق الملوك ..

ولكن أين يقع الفردوس ؟ وماذا به ؟

من يجيبنـا ؟

ليس سوى الكتاب المقدس ، إعلان الله الصادق ..

إننا نجد الإجابة في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس ، لقد كتب يقول : ” أعرف إنساناً في المسيح .. اختطفت إلى السماء الثالثة .. أنه اختطف إلى الفردوس (paradeisos) (٢كو ١٢: ٢، ٤) ..

تأمل معي أين يوجد الفردوس ؟ .. إنه في السماء ، في المجد ..

ولم يعد إبراهيم ومن معه يرى مناظر القسم المجاور المفزعة .. ولم يعد يسمع آهات الألم والحسرة من أمثال الغني .. كلا، لقد اختفى كل هذا .. لقد رحلوا إلى الفردوس ليسمعوا ” كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها ” (٢كو ١٢: ٤) ..

تغـيير مجيــد

أنظر كيف ارتعب حزقيا الملك المؤمن في العهد القديم حين عرف من إشعياء النبي أنه سيموت .. وماذا كان رد الفعل ؟ .. ” بكى بكاءً عظيماً ” (إش ٣٨: ٣) ، وقال متحسراً ” في عز أيامي أذهب إلى أبواب الهاوية . قد أُعدمت بقية سنَّى .. صرخت إلى الصباح [ طوال الليل ] .. يارب قد تضايقت .. بماذا أتكلم ” (إش ٣٨: ١٠ – ١٥) ..

وصلى قائلاً ” آه يارب اذكر كيف سرت أمامك بالأمانة وبقلب سليم وفعلت الحسن في عينيك ” (إش ٣٨: ٣) ..

أنظر، لقد اختفت مثل هذه الكلمات تماماً من أفواه المؤمنين الحقيقيين من يوم أن صُلب الرب لأجلهم.. أنظر ، ما أبعد الفرق بين أنين حزقيا أمام الموت وكلمات القوة التى فاه بها الرسول بولس ” ليّ الحياة هيالمسيح والموت هو ربح .. ليّ اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً ” (فى ١: ٢١ ، ٢٢) ..

نعم ، حدث تغيير هائل ..

لقد سدد السيد المسيح ثمن خلاصنا كاملاً ، وفتح الطريق إلى الفردوس .. إلى شجرة الحياة دون أي تنازل عن متطلبات العدل الإلهي وقانونه الصارخ أن ” أُجرة الخطية هي موت ” (رو ٦: ٢٣) ..

نعم ، لقد تلاشت الهوة الشاسعة التي صنعتها الخطية بين الإنسان و الله ..

لقد تهاوت كل أماني إبليس في فصل الإنسان عن حضور الله المجيد وصارت جهوده التي بذلها منذ أيام آدم وحواء إلى لا شئ ..

ياللخـــــــزي !!

وقف إبليس وقواده وجنوده عاجزين غير قادرين أن يفعلوا شيئاً وهم يرون الرب يسوع يقود المؤمنين به خارجاً معهم من الهاوية سائراً بهم إلى الفردوس ..

آه ، ياللخزى والعار الذي لحق بإبليس ومملكته .. لقد ضاعت كل جهوده .. لقد تبددت كالدخان فآدم وحواء مرة أخرى في الفردوس ..

آه ، ياللخزي الذي أصاب إبليس ..

لم يقدر أن يمنع خروج الرب من الهاوية ومعه المؤمنين ..

لم يقدر أن يطالب ببقائهم في عالم الأموات ..

لم يعد له أي حق في هذا ، فقد حمل الرب كل الخطايا ووفى جميع عقوباتها بالكامل ، 
لقد ” تبرر في الروح ” (١تى ٣: ١٦) .. لذا لم تستطع مملكة الموت أن تمسك به .. وها بطرس الرسول يعلن لنا هذا الحق المفرح في أول عظة كرازية بعد يوم الخمسين .. لقد انتصر يسوع 
” ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منه .. لأن داود يقول [ عن المسيح ] لأنك لن تترك نفسى في الهاوية [ هادس ] ” (أع ٢: ٢٤ ، ٢٧) ..

نعم كان مستحيلاً أن تمسك هاوية الموت به .. خرج يسوع منها ظافراً ومعه مفاتيحها .. نسمعه يقول ليوحنا الحبيب ولكل من يحبه ” لا تخف أنا هو الأول والآخر .. والحي وكنت ميتاً وها أنا حي إلى أبد الآبدين آمين وليّ مفاتيح الهاوية والموت ” (رؤ ١: ١٨) ..

هذا ما حدث في قسم الهاوية الخاص بنفوس المؤمنين .. فماذا حدث في قسم الأشرار ؟ وماذا حدث فى قسم الأرواح الشريرة ؟

وذهب الرب إلى قسم الأشرار

لقد ذهب الرب إلى هناك بكل تأكيد فهذا ما يعلنه الكتاب المقدس .. يكتب الرسول بطرس مُزِيحاً لنا الستار عما حدث هناك فيقول :

” المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل الخطايا البار من أجل الأثمة لكي يقربنا إلى الله مماتاً في الجسد ولكن محيى في الروح . الذي فيه أيضاً [ أي في الروح ] ذهب فكرز للأرواح التي في السجن . إذ عصت قديماً حين كانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح ” (١بط ٣: ١٨- ٢٠) ..

الرسول بطرس يتحدث هنا عن العُصاة الذين أخطأوا في أيام نوح .. هؤلاء الذين أشار لهم الوحي في (تك ٦: ١- ٤) وأُطلق عليهم لقب النفيليم The Nephilim (كلمة تعني جبابرة giants) بسبب كبريائهم وقسوتهم ..

لقد ذهب الرب يسوع إلى قسم الهاوية الخاص بالأشرار وكرز للموجودين فيه ..

كرز لعُصاة أيام نوح كما كرز لغيرهم ..

فهل كرز لهم بالغفران ؟

كلا !!

أُنظر ، يالدقة الكتاب فكلمة كرز هنا في أصلها اليوناني ليست هي كلمة ( ) “euangelizo” والتي يستخدمها الكتاب في الإشارة إلى الكرازة ببشرى سارة .. إنها كلمة 
أخرى مختلفة تماماً هي كلمة ( ) “kerusso” والتي تعني إعلان
(official proclamation) ..

لقد كانت إعلان بالقضاء الإلهى ..

أجرة الخطية موت .. لقد عشتم في الخطية ولم تحتموا بدماء تُكفر .. لابد أن تهلكوا ..

وذهب الرب أيضاً إلى قسم مملكة الظلمة

ذهب أيضاً إلى هناك ، فالقديس بولس يقول في الرسالة إلى رومية : ” لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليحدر المسيح [ أي لا تشك في تجسد وميلاد المسيح ] . أو من يهبط إلى الهاوية [ الهاوية هنا هي “أبيسوس ” “abussos” القسم الخاص بسكنى الأرواح الشريرة ] أي ليصعد المسيح من الموت [ أي لا تشك في إنتصار الرب وقيامته ] ” (رو ١٠: ٨) ..

ذهب الرب يسوع إلى القسم الخاص بمملكة الظلمة ، الذي يبدو أنه مقر قيادتهم ..

ذهب ليعن لهم قضاءه ..

لقد بطل حقهم في السيطرة على البشر ..

لقد تمزق إلى الأبد سندهم في بقاء المؤمنين في الهاوية ..

لقد تحمل الرب كل عقوبات البشر .. دفع الثمن كاملاً على الصليب ..

آه ، ياللنصرة المتألقة على قوات الظلمة ..

ذهب الرب إليهم ..

وماذا فعل بهم ؟

أنظر ما يقول القديس بولس .. لقد ” جرد الرياسات والسلاطين .. ” (كو ٢: ١٥) ..

من هؤلاء ؟.. إنهم قواد مملكة الظلمة .. لقد جردهم الرب والكلمة اليونانية هي ( ) “Apekduō” وتعني التجريد من الملابس والسلاح ..

هللويا .. لقد جاء لهم الأقوى منهم وجردهم من أسلحتهم الخطرة ومن ملابس زهوهم ..

وماذا فعل أيضاً الرب بهم ؟

لنكمل كلمات الرسول بولس : ” جرد [ الرب ] الرياسات والسلاطين وأشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه ” (كو ٢: ١٥) ..

إن كلمة ظافر باليونانية هي ( ) “Thriambeuo” وتعني كما في (٢كو٢ : ١٤) يقود في موكب نصرة ..

يستعير الرسول بولس هنا صورة كانت شائعة الحدوث في روما ، كانت تحدث بعد أن تنتصر قواتها في المعارك .. فلم تكن هناك وقتها أجهزة تليفزيونية أو صحف تقدم للناس أخبار الإنتصارات في صور ، فكان اللجوء إلى طريقة أخرى ..

كان القواد إثر عودتهم من المعارك منتصرين يسيرون في شوارع روما الرئيسية مرتدين ملابس المجد العسكرى ومن خلفهم جنودهم سائرين ورائهم وهم مقيدين الأسرى وحاملين الغنائم ..

يراهم الناس المصطفين في الشوارع فيفرحون ويعلنون عن سعادتهم بالتصفيق والهتاف إذ يرون بأعينهم خزى أعدائهم ..

أيها القاريء ، هذا ما حدث تماماًَ في الهاوية وفي الطريق منها إلى الفردوس ..

لقد اصطفت ملائكة السماء عبر طرقات العالم الغير منظور ليروا الرب يسوع سائراً في مجد لا يوصف ومن خلفه نفوس مؤمني العهد القديم ، غنائمه التي انتزعها من مملكة الموت ..

ورأت الملائكة أيضاً قوات الظلمة .. إبليس ورؤساء وسلاطين جنوده ..

رأتهم جميعاً .. ومرتعشين .. مرتعبين .. عاجزين .. ياللخزى ، غير قادرين أن يعترضوا مسيرة الرب العظيمة إلى الفردوس ..

وهز الرب عروش مملكة الظلمة هزاً عنيفاً ..

وأعلن سحقهم وزوال رهبتهم على البشر ..

أُنظر معي كيف عبّر المؤمنون في العصور القديمة عن فرحتهم بما فعله الرب هناك في واحدة من الترانيم العذبة ..

” حينئذ امتلأت أفواهنا فرحاً وألسنتنا تهليلاً ..

لأن ربنا يسوع قام من الأموات ..

أبطل الموت بقوته ..

جعل الحياة تضيء ..

ذهب إلى أقسام الأرض السفلى ..

رآه بوابو الهاوية فخافوا ..

أنهى آلام الموت ..

ولم يستطع أن يمسكه ..

سحق أبواب النحاس ..

كسر متاريس الحديد ..

وأخرج مختاريه بقوة .. بتهليل ..

رفعهم إلى العلو ..

إلى أماكن راحته ..

خلّصهم لأجل اسمه ..

أظهر لهم قوته ..

لقد صرنا أغنياء بالبركات ..

فلنرتل بثقة ..

ألليلويا .. ألليلويا .. ألليلويا ..

ألليلويا ..

يسوع المسيح ملك المجد

قام من الأموات ” ..

لقد وقف ذهبي الفم (القرن الرابع) يعظ في عيد القيامة فعبر عن فرحه بنصرة الرب بكلمات رائعة انطلقت من أعماق قلبه وانسكبت في قلوب سامعيه ..

” لا تدعوا أحداً يبكي بسبب أعواز الجسد .. ها مملكة الله ترحب اليوم بالجميع ..

لا تدعوا أحداً ينوح لأجل الذنوب .. الغفران قد أتى لنا من القبر ..

لا تدعوا أحداً يرهب الموت .. المخلص مات وبموته حررنا من خوف الموت ..

أتى إليه الموت .. أما هو فتقدم إليه وداس عليه ..

ونزل إلى الهاوية وحطمها ..

وأوقع رهبته على سكانها ..

فأين غلبتك يا موت .. أين شوكتك يا هاوية ..

قام المسيح ودمر الموت ..

قام المسيح وسحق قوات الظلمة ..

قام المسيح وتهللت الملائكة ” ..

يا للخــبر الســار

نعم أيها القاريء إنه خبر سار جداً ومفرح للغاية أن نعلم أن الرب قد نزل إلى أقسام الأرض السُفلى وأنه سحق هناك كل قوى الهاوية ..

نعم لقد انهارت أمامه ..

يا للخبر السار .. لقد انهارت بالتبعية أمام كل عضو في جسده ..

جسده هو كنيسته .. هو كل المؤمنين به ، المفديين بدمه .. الذين يملك عليهم من كل قبيلة وأمة وشعب ولسان ..

يا للخبر السار .. لقد انهارت قوى الهاوية أمامهم .. لأنهم فيه بحسب كلماته الصادقة ” أنتم فيّ” (يو ١٤: ٢٠) ..

يا للخبر السار .. لقد أشرقت بلمعان شديد كلماته العظيمة ” أبواب الجحيم [ الهاوية ] لن تقوى عليها ” (مت ١٦: ١٨) ..

أبــواب الهــاوية

ماذا يقصد الرب بأبواب الهاوية ؟

يساعدنا على الفهم أن نلقى نظرة على أبواب بابل القديمة .. ولا يفوت ذهن القاريء أن بابل رمز في الكتاب المقدس لمركز قيادة مملكة الظلمة ..

لقد أحاطت بابل أسوار شامخة غير عادية ..

كانت محاطة بسورين ، الخارجي ارتفاعه ٣٥٠ قدم (نحو ١٠٥ متراً) وبعرض ٨٧ قدماً (نحو ٢٦ متراً) .. كان بالفعل سوراً عريضاً حتى أن سباقات للمركبات كانت تتم فوقه..

أما المدخل فقد استخدم لكل منها زوجين من الأبواب النحاسية.. زوج من الداخل وزوج من الخارج لزيادة عنصر الأمان.. فإذا أُغلق كلا الزوجين من الأبواب عند أي مدخل للسور فإن حجرة محصنه للغاية تكون قد تكونت ..

في هذه الحجرة ومثيلاتها كان يجتمع قادة المدينة وخبراؤها لوضع الخطط الحربية ومناقشتها.. وقد ألمح الكتاب المقدس إلى استخدام أبواب المدن لهذا الغرض في أكثر من موضع 
[ يش ٢٠: ٤ ؛ را ٤: ١ ؛ أم ٣١: ٢٣ ؛ ١مل ٢٢: ١٠ ] .

تُرى هل فهمت الآن ما يقصده الرب من وعده لكنيسته بأن أبواب الجحيم [ الهاوية ] لن تقوى عليها ؟؟

نعم ، إن كل خطط إبليس الجديدة وخدعه المبتكرة ومؤامراته التي يخطط لها في الخفاء يعرفها الرب يسوع مسبقاً .. آه إنها أضعف جداً من أن تقهر إنساناً حياً في المسيح ..

لقد وعد الرب يسوع ..

وهذا يكفي ..

آه ، كم مرة تجتمع قوى الظلمة وتضاعف جهودها وتركز هجماتها علينا وتحاول أن ترعبنا..

آه ، كم نحتاج وقتها أن نركز النظر في حبيبنا يسوع ونفتح له آذان قلوبنا لنصغي من جديد إلى كلماته الصادقة .. إلى وعده الذي لا يتغير ..

” أبواب الهاوية لن تقوى عليها “

” الإرتعاب فلا يدنو منك . ها إنهم يجتمعون اجتماعاً ليس من عندي . من اجتمع عليك فإليك يسقط .. كل آلة صورت ضدك لا تنجح وكل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه ” (إش ٥٤: ١٤- ١٧) ..

آه ، ما أثمن أن نؤمن بهذه الوعود ..

آه ، ما أثمن الإيمان بها ..

لا ، لا يُقدر بثمن ..

يقول القديس يوحنا ” هذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا ” (١يو ٥: ٤) ..

صديقي ، هل لك هذا الإيمان ؟

هل تثق أنك منتصر في المسيح المنتصر ؟

هل تصدق أنك أقوى من كل قوى الهاوية ؟

صديقي ، لا تقل ليس ليّ إيمان .. أنظر معي ماذا يقول الوحي المقدس ..

” الإيمان بالخبر [ أي يأتي من سماع الخبر message ] والخبر بكلمة الله [ أي أن الخبر يُسمع من خلال آيات الكتاب ] (رو ١٠: ١٧) ..

نعم ، آيات الكتاب هي التي تعطيك الإيمان .. اقرأ مرة أخرى الآيات التي ذُكرت في هذا الفصل وحدثيك عن النصرة على إبليس ..

رددها كثيراً .. ركز في كلماتها .. انشغل بها .. ستعطيك الإيمان .. ستؤمن بصدقها ..

ستؤمن بها .. ستتحول إلى واقع .. ستنتصر ..

ستنتصر وستفرح وتتهلل ..

إبليس تحت الأقدام ..

* * * *

” لن أعود أرتعب في المعركة ..

لن أعود أفكر في ضعفي ..

بل سأركز النظر في قوة من ينصر ضعفي ..

لقد سحق الرب ملك الموت ..

لقد أزل سلطانه ..

اليوم يوم فرح .. فرح عظيم ..

وابتهاج مقدس “

القديس يوحنا فم الذهب

 

Start typing and press Enter to search